مشاهدات في كرامة وطن

مشاهدات في كرامة وطن

اللقطة من تصوير عذوب الشعيبي

نعم حضرت ما أطلق عليه اسم “مسيرة كرامة وطن” بالأمس (٢١ أكتوبر ٢٠١٢)، لم أحضر للمشاركة في هذه المسيرة، فكما لمحت في مقالي السابق وصرحت ببعض مشاركاتي على التويترأنا – وبصراحة – لست بمؤمن بأن هذه المسيرات هي الحل الأفضل لما نمر به من أزمات وعقلي يرشدني إلى أن الهدف الذي تسعى له هذه المسيرة باطل.. إن كان لها هدف أصلا! لكني حرصت على حضور هذه المسيرة لهدفين: أولا، لتوثيق الحدث، وثانيا: لدراسة الحدث من الداخل وملاحظة ما يجري فيه من أجل تكوين فكرة أكثر شمولا عنه.

هذه التدوينة لن تكون نقلا وثائقيا محايدا للحدث! أنا هنا لست بصحفي ولا أسعى لعمل “تغطية” صحفية تكتفي بنقل الأحداث كما حدثت، بل سأقوم بسرد مشاهداتي مع تحليل مبني على أسس نقدية “شبه أكاديمية” – إن صح التعبير – تعتمد على الحدث نفسه وعلى خلفيته التاريخية والثقافية والاجتماعية، هذا لا يعني على الإطلاق أني سأستسلم للطرح العاطفي أو للإثارة غير المبررة! مقياسي في التحليل سيكون عقلانيا قدر الإمكان، و عندما أذكر بأن نقلي لن يكون محايدا فإنما أعني بأني لن أحاول لي الحقائق لأرضي جميع الأطراف!

طرحي في هذه التدوينة قد لا يرضي الجميع، وذلك غير مهم لأني لا أسعى لإرضاء أحد سوى عقلي الذي ناداني.. فأجبته بالسمع والطاعة! إن كنت رأيتني قد أخطأت فصوبني، إن كنت رأيتني قد حدت فقومني، هناك صندوق تعليقات في أسفل هذا البوست.. قل فيه ما شئت وبين فيه وجهة نظرك وسأكون لك من السامعين والشاكرين.

مع كاميرتي

هدفي الأول من خروجي لمسيرة كرامة وطن هو التوثيق المصور، فأنا بالإضافة لكوني متخصص بالتاريخ والثقافة أكاديميا تلقيت أيضا تدريبا مكثفا بمجال إنتاج الأفلام الوثائقية.. بالإضافة لكوني هاو للتصوير الفوتوغرافي طبعا، ويفتقر أرشيفي المصور لمواد متعلقة بالأحداث السياسية المعاصرة، فقد عشت في بريطانيا طوال الأعوام السبع الماضية وفاتتني – ولله الحمد – الكثير من الاعتصامات والتجمعات التي جرت خلال تلك السنين الحرجة، ومسيرة الأمس كانت فرصة مواتية حرصت على اغتنامها.

خرجت للتصوير بصحبة زوجتي المصورة عذوب الشعيبي مصطحبا معي عدة بسيطة تتكون من كاميرا كانون فايف دي وعدسة كانون ٥٠مم ١،٢ (لتوائم ظروف الإضاءة الليلية) بالإضافة لميكرفون زوم أتش ١ الذي أستخدمه للمرة الأولى، لم أالتقط أي صورة ثابتة، ركزت بالكامل على تصوير الفيديو الذي أخذت منه بضع “فريمات” لأرفقها بهذه التدوينة. لن أضع أي كليبات من تصوير الفيديو هنا لأني أخبئها لمشروع أخطط ليرى النور قريبا إن شاء الله 🙂

مسيري

انضممنا للمسيرة الساعة السادسة والنصف تقريبا من الساحة الترابية المقابلة لسوق شرق، بدا واضحا منذ البداية حالة شبه الفوضى التي أصابت منظمي المسيرة! فعند الوصول لشارع الخليج تفاجأت بأن المسيرة استدارت لليمين بدلا عن اليسار كما كان مخططا حيث نقطة التجمع مقابل مبنى مجلس الوزراء (أو ما يسمى بساحة التغيير). نصت تعليمات المنظمين كما قرأناها في موقعهم بأن المسار من الممكن أن يتغير في حالة اعتراض قوات الأمن لها.. إلا أن هدفها النهائي سيكون دائما ساحة التغيير، لكني لا أدري كيف سيؤدي السير بالاتجاه المعاكس إلى ذلك الهدف! والأمر لم ينتهي عند هذا الحد..

على مستوى “الميكرو” كما يقال كان التنظيم جيدا من حيث حث الجماهير على السير على الأرصفة وتجنب الشارع الذي كان مزدحما بالسيارات، وكذلك في ضبط سرعة المسير والموازنة بين الوصول للهدف (إن كان هناك هدف!) وبين الحفاظ على تماسك المجموعة.

من ما لاحظت كذلك قلة المشاركة النسائية (حسبما عددت لا تتجاوز الـ٢٥ مشاركة عند انطلاق المجموعة)، مع العلم بأن النقطة التي انطلقنا منها من المفروض أن تضم المجموعة النسائية، قد تكون قلة المشاركة النسائية شيئا إيجابيا.. ولكني كنت أتوقع عددا أكبر. كان هناك بعض المشاركين من الأطفال ومن يبدوا أنهم تلاميذ مدارس، لو كانت هذه المسيرة بالذات تجمعا سياسيا عاديا لكان وجود هؤلاء مقبولا (رغم أنهم غير مكلفين بذلك) ولكن في هذه المسيرة المشوبة بالخطر فإن أقل ما يقال عن وجودهم هو أنه يصعب تقبله.

استمرت المجموعة بالسير بسلام مع ترديد الصيحات والأهازيج والأناشيد (سأتحدث عن تلك الأهازيج بالتفصيل لاحقا) وأثناء السير أخذت المجموعة بالتكاثر تدريجيا، بعد تجاوز السفارة السعودية لوحظ إغلاق رجال المرور للطريق على السيارات ليصبح الشارع المتبقي بالكامل ملكا للمتظاهرين، تواجد عدد بسيط من دوريات الشرطة على الشارع وكان دورهم تنظيميا لا أكثر، لم يتحدث إليهم أحد ولم يحدثوا أحدا من المتظاهرين.

إلتفت المجموعة مع الشارع متجاوزة الأبراج لتصادف مجموعة أخرى من المتظاهرين دخلت من شارع السور من خلف قصر دسمان متجهة نحو المجموعة الأولى، يمكن القول بأن الفوضى التنظيمية استشرت بعد أن التقى الجمعان! المجموعة الجديدة بدى عليها الحماس الزائد.. كما ونوعا! عددهم أكبر… أصواتهم أعلى.. وهتافاتهم أشد “قسوة”! بدت واضحة ربكة المنظمين من كلا المجموعتين، فتارة تسير الجموع إلى الأمام وإلى الخلف تارة وتتوقف تارة أخرى، الحاصل هو أن مجموعة توقفت تهتف عند سور قصر دسمان وأخرى أكملت طريقها عائدة باتجاه سوق شرق، ما سمعته من بعض الحضور والمنظمين أن الهدف كان المسير نحو ساحة الإرادة… أي أن الهدف كان المسير بعشرات الآلاف من المتظاهرين مسافة ٥ كيلومترات مرورا عبر بضعا من أكثر المباني حساسية في الكويت مثل السفارة البريطانية، السفارة السعودية، المستشفى الأميري، سوق شرق، إدارة الأمن الوطني، وزارة الخارجية، قصر السيف، الديوان الأميري، ديوان مجلس الوزراء بنك الكويت المركزي، للوصول إلى مجلس الأمة!! مساحة ساحة الإرادة على فكرة تقدر بأقل من ١٢ ألف متر مربع، أي أن طاقتها الاستيعابية لا تزيد عن ٢٩ ألف شخص، بينما الحشد القادم من ناحية الأبرج يقدر بـ ٥٨ ألف شخص. سأفصل لاحقا طريقة حساب الحشود. طوال فترة المسيرة لوحظت طائرات وزارة الداخلية العامودية وهي تحوم فوق أرجاء مدينة الكويت، ولوحظ كذلك أنه كلما اقتربت الطائرة من الحشود ارتفعت أصواتهم وزاد تأشيرهم لها بأيديهم وبما يحملونه من لافتات.. بقصد جذب انتباهها ربما!

الصدام

في خضم الربكة التنظيمية قررت الحشود التوحد ومواصلة المسير غربا باتجاه مسار الرعب المبين أعلاه، بمجرد اقتراب الحشد من مطعم ميس الغانم وعلى بعد أمتار قليلة من السفارة البريطانية تفاجأت الجموع بظهور مفاجئ لحاجز مرعب من أفراد القوات الخاصة! لم تكد تفق الجموع من صدمة الظهور المفاجئ لهذه القوات ولم تسنح لها فرصة البدأ بإطلاق صيحات الاستهجان نحوها حتى صعقتها تلك القوات بإطلاق سيل من القنابل الصوتية، شخصيا عندما كنت أسمع بالقنابل الصوتية كنت أتخيل بأنها مجرد… صوت 🙂 لكن ما استخدمته القوات الخاصة كان شيئا يجمع بين الصوت والضوء والدخان والرائحة، صوت الفرقعة مرعب بحد ذاته.. أما الضوء المتطاير فأقرب ما يشبهه هو شكل قذائف النابالم التي استخدمت في حرب فيتنام.

الحشود المذهولة سارعت عائدة هربا من تلك النيران، الغالبية سارت للخلف عائدة نحو الأبراج، البعض اختار النزول نحو رمال الشاطئ (مو خوش فكرة!)، استمرت القوات الخاصة بإطلاق القنابل الصوتية والدخانية على المتظاهرين كلما حاول أحد الاقتراب منهم، ولم تكتف القوات بالوقوف مكانها بل كانت تتقدم بشكل بطيء مجبرة الحشود على التراجع التدريجي، شاهدت بعض الإصابات يتم نقلها للخلف، شخصيا أشك بتعرض أحد للضرب لأن مجرد الاقتراب من القوات كان شيئا شبه مستحيل.

عدد كبير جدا من المتواجدين بدأ بالانسحاب نحو الخلف، منهم من اختار العودة إلى سيارته وبيته، ومنهم من ظل يعلب لعبة الضغط والتراجع مع القوات، عندما أيقنت أن الأمر انتهى توجهت أنا أيضا إلى سيارتي مستديرا حول قصر دسمان، عند مدخل شارع السور ناحية القصر كانت هناك جموع بسيطة من القوات الخاصة الملثمة اكتفت بمراقبة المنسحبين وفي أعينها فرحة النصر بادية! بعض المنسحبين أطلق نحو القوات “نغزات” خافتة مثل “ما تستحون على وجوهكم!” أو شيء من هذا القبيل.. لكن القوات لم يعيروهم أي اهتمام. من الأصوات التي كنت أسمعها بدا بأن عملية الدفع التدريجي للمتظاهرين نحو الخلف استمرت لنصف ساعة أو ساعة أخرى.

ملاحظاتي

بعد هذا السرد التاريخي الطويل الوقت حان لأذكر ملاحظاتي النقدية على ما جرى خلال المسيرة، تطرقت خلال السرد أعلاه لقضية هامة جدا وهي ضعف تنظيم المسيرة وانعدام التنسيق بين قوادها، التخبط والعشوائية كانا سيدا الموقف، كذلك أثر ضعف التواصل (إرسال الهواتف أصلا كان ضعيفا بسبب الضغط العددي) بالإضافة لعدم وجود خطط بديلة ومسارات واضحة يسار عليها.. على عكس ما أعلن.

لتفسير ذلك يمكننا وضع احتمالين، أولا، عدم قدرة المنظمين على التخطيط أصلا! فهذه المسيرة لا تفتقر فقط للهدف السياسي (كما سأبين لاحقا عند الحديث عن الهتافات) بل وتفتقر حتى للتخطيط اللوجستي! فالجموع الغفيرة (واغفروا لي صراحتي) أصبحت ألعوبة بيد قوات الأمن.. تراقبها وتحاوطها وتشتتها كما تشاء، بدا لي أنه ليس لدى المنظمين أي علم أو دراية بفنون “حرب الشوارع” .. والتي لا تعني بالضرورة الحرب بمفهومها الدموي ولكن كيفية مراوغة العدو ومجابهته بالحيلة، شبابنا بالطبع ليس لديه خبرة بذلك.. وأتمنى أن لا يحتاج لهذه الخبرة على الإطلاق! لكن السؤال الذي سأطرحه هنا هو كيف يمكن لمن لا يستطيع إدارة بضع آلاف من البشر أن يدير دولة بأكملها بالمستقبل كما يطالب؟ لا أحاول هنا الربط بين إدارة الحشود وإدارة الدولة من الناحية العملية.. فكلا الأمرين فن مستقل بذاته، ولكن ما أقصده هو امتلاك روح التخطيط والتي هي أساس الإدارة، بمعنى آخر وجدنا المنظمين “مالهم خلق” يخططون لمسيرة منظمة… وعدم وجود “الخلق” تعتبر واحدة من أشد الآفات فتكا بالعقلية الكويتية! وأقولها بكل صراحة بأننا لن نقدر أن نتقدم ولا أن نقضي على فساد أو نسترد “كرامة” طالما أن “مالنا خلق” نخطط كما تخطط الأمم الراقية، وإصلاح هذا “الخلق” سيحتاج منا إلى جهد كبير وجهاد طويل ضد أنفسنا وضد ثقافتنا الحالية.

هناك تفسير آخر لحالة التخبط التي حدثت وهي بأني ظلمت تخطيطها، فهي فعلا مخطط لها بدقة… ولكنه تخطيط نحو الفشل! كباحث علي أن أرى الأمور من جميع الجوانب وأطرح ما أستطيع أن أجد من فرضيات وأختبرها لأتبين صحتها، وحالة الانهيار الإداري التي أصابت المسيرة يصعب خروجها من أحد الاحتمالين المطروحين، إما أنه عجز حقيقي أو خطة وضعت من البداية بقصد إفشال المسيرة وإدخالها في مواجهة عنيفة مع السلطات، وقود هذه المواجهة كما هو واضح هم الشباب المتحمس الذي تعرض لتجربة قد تكون من أقسى التجارب التي واجهها في حياته، ومن المستفيد من هذا الصدام الشرس؟ لن أتطرق لجواب هذا السؤال لأني أجبته من قبل مرارا وتكرارا 🙂

الصيحات

أقل ما يقال عن الصيحات والأهازيج والأناشيد التي أطلقها المتظاهرون هو أنها تخلو من أبسط أنواع الإبداع!

من أمثلة تلك الأهازيج أغنية “بلادنا حلوة.. حب الوطن ماله مثيل” والمحرفة من أغنية “بلادكم حلوة” من مسرحية “السندباد البحري” التي عرضت عام ١٩٧٨.. قبل أن يولد معظم حضور المسيرة! وعلى نفس اللحن تم أيضا ترديد “بلادنا ضاعت.. ترى السبب نهج الحديد” والتي سمعتها من البعض”نهج الحديث” ومتأكد بأني سمعتها من آخرون “ترى السبب نهج الأمير“!

هناك أيضا صيحات محرفة عن صيحات قائمة الوسط الديموقراطي القديمة مثل:

وعي وطني سنناضل من خلاله
(بالحجة والمنطق نهزم الإخوانا)

لكن مع استبدال الشطر الثاني بـ:
لا سني ولا شيعي فوحدة وطنية

واللي طبعا مو راكب لأنه شطر مأخوذ من بيت آخر من نفس القصيدة… يعني بالكويتي عفيسه!

هناك الصيحات المعبأه مثل: وحدة وحدة وطنية.. مجلس أمة وحرية ، والتي يمكن تركيب أي شطر عليها مثل “تاكل خبزة ورقية” 🙂

بعض الأناشيد كانت عبارة عن كوارث! لعل أكبرها كان النشيد الوطني! عندما طلب أحد المنظمين من الجماهير إنشاده كاملا كانت المفاجأة أن نصف الأصوات اختفت عندما وصلت النشيدة لمقطع: “يا مهد آلاء الألى كتبوا..“.. أما بقية المقاطع لم يرددها أحد لأن أحدا لم يكن يحفظه كما يبدو!

غالبية الصيحات التي ذكرتها إلى الآن كانت ترددها المجموعة التي سايرتها منذ البداية، المجموعة التي انضمت لها لاحقا، والتي ذكرت مسبقا أن صوتها كان أعلى و”أشد”، أضافت “للمكس” صيحة جديدة لم تكن تردد من قبل وهي صيحة… “لن نسمح لك!“. برأيي قد يكون ترديد هذه الصيحة أحد أسباب انقسام المجاميع لاحقا كما أوردت سابقا.

من الصيحات التي نستشف من خلالها انعدام الابداع هي صيحة “سلمية.. سلمية!“، فبالإضافة لكونها مستعارة من ثورات الربيع العربي فهي بحد ذاتها تخلو من أي أبداع لا باللحن ولا.. الكلمة.

ركزت على فكرة الابداع هنا لأني أرى الإبداع أحد أهم عناصر النهضة التي لا تقل أهمية عن عنصر التخطيط الذي أوردته بالنقطة السابقة، وأعيد القول أن كيف يمكننا أن ننهض بالأمة ونرتقي بهذا الشعب ونحن عاجزون عن إبداع “صيحة” عليها القيمة؟ أهازيجنا ما بين المجترة والمسروقة… ويا ليتنا حتى أتقنا النسخ بشكل حسن! الإبداع مرتبط بشكل كبير بالثقافة، لن نصبح أمة محترمة ما لم يكون لدينا مناهج تعلم أبناءنا الإبداع من الصغر بدل تعليمهم بالتلقين، و لن نصبح أمة راقية حتى نزيل الصدأ العالق برؤوسنا ونفهم أن الفن والأدب من ضروريات الشعوب وليسا كماليات يمكن العيش دونها.

أتريد أن تشاهد الإبداع في حتى في فن التظاهر؟ أنظر كيف يتظاهر الانجليز!

موضوع الإبداع يجرنا للحديث عن اللافتات والأعلام التي رفعها المتظاهرون، لفتت نظري بعض الأمور التي قد تكون مستغربة، أولا، ندرة هذه اللافتات والأعلام، كل المتواجدون في المسيرة سوى بضعهم المعدود آثروا رفع هواتفهم الذكية على رفع أي أعلام أو لافتات تعبر عن فكرهم أو توضح مطالباتهم، وحتى القلة القليلة من اللافتات مكتوبة إما بشكل مبهم أو بشكل مليء بالأخطاء اللغوية، والجدير بالملاحظة كذلك أن نسبة كبيرة من تلك اللافتات مكتوبة باللغة الإنجليزية.. وهذه خطوة عليها علامات استفهام وتعجب؟!

ماذا يعني أن تكون تسير بمسيرة تطالب فيها بالإصلاح في بلدك ولغة خطابك فيها أجنبية؟ هل رسالتك موجهة للغرب؟ هل تجد نفسك محتاجا للغرب أن يهب لمساعدتك للحصول على حقوقك؟ أم يفزع لحمايتك من خطر تحسه سيأتيك من الداخل؟ هل تحس بأنك وصلت لحالة من الضعف تجعلك تستنجد بالغريب ليعينك على القريب؟ وهل فقدت الأمل بذلك القريب وتقطعت بك السبل حتى وصلت لهذه المرحلة من اليأس؟ كيف تطالب بنظام ديموقراطي “كامل” تحكم فيه نفسك (وكأنك الآن يحكمك غريب) وأنت لا تستطيع أن توصل مطالبك دون واسطة الآخرين؟ وحتى إن كنت محقا في دعوتك الإفرنجية هذه… على الأقل أكتب مطالبك وعبر عن نفسك بالانجليزية بعد أن تراجع “البدليات” التي كتبتها!

الأعلام المحمولة قليلة كذلك وتراوحت بين أعلام الكويت.. والأعلام البرتقالية، أنا ضد حمل أعلام الكويت والهتافات “الوطنية” في المظاهرات والتجمعات على كل حال.

تقدير عدد الحشود

معضلتنا الدائمة هي حرب التصريحات بعد كل تجمع حول عدد الحضور، فتقديرات المنظمين تصفهم بمئات الآلاف.. وتقديرات الحكومة ببضع مئات! ووسائل الإعلام من ناحية أخرى تقدرهم بعد أن تلعب لعبة “حذره بذره”، بينما هناك نظريات علمية بسيطة يمكن استخدامها للحصول على تقديرات منطقية.

باستخدام إحدى النظريات الإحصائية وهي للدكتور هربرت جاكوبز يمكننا ببساطة وباستخدام أدوات مثل خرائط جوجل أن نقدر عدد الحشود عن طريق حساب مساحة التجمع، سأكتب كتبت عن تفاصيل هذه النظرية وغيرها من وسائل الإحصاء في هذا الموضوع، وسأترككم مع تقديري – المنطقي – ليس لعدد المجموعة التي كانت متواجدة قرب الأبراج بالضبط.. ولكن للسعة الاستيعابية لمكان التجمع، بمعنى آخر هذا الرقم هو أقصى عدد ممكن تواجده في المكان في وقت واحد، والرقم أقل بكثير كما نرى من الـ ٢٠٠ ألف التي قدرها بعض منظمي المسيرة (على فكرة، ٢٠٠ ألف يعني أقل قليلا من ربع الكويتيين!)

ملاحظات عابرة

فيما يلي مجموعة من المشاهد التي مرت علي ولا أستطيع أن أختم هذا المقال دون الإشارة لها أو التعليق عليها:

– أثار انتباهي استخدام بعض المنظمين للفظ “الحريم” عند حديثهم عن المجموعة النسائية، يعني “نطروا الحريم! وين الحريم؟ وصلوا الحريم؟ خففو السرعة علشان يلحقون الحريم!”

– تقسيم المجموعات في المسيرة كان لسبب ما حسب الدوائر الانتخابية، المجموعة التي بدأت المسير معها صدف أنها تجمع ناخبي الدائرتين الأولى والثالثة، من ضمن الأحاديث الجانبية الاستنكارية التي سمعتها قول أحدهم لصاحبه: “ألحين هذيل أكيد دائرة الأولى؟”

– من صيحات أحد المنظمين من المجموعة “المتحمسة” كانت صراخ إحدهم عليهم: “يالله شباب! الخامسة تناديكم!”

– سأكون شاعريا في هذه النقطة.. ولكني لم أستطع أن أخفي حرقة قلبي عندما اقترب التجمع من سور قصر دسمان وهم يهتفون “لن نسمح لك!” ، شعرت وكأن كلماتهم تلك قد يصل صداها إلى روح المرحوم جابر الأحمد التي تسمعهم من داخل قصره فتؤذيه!

– قبل خروج القوات الخاصة بقليل انتبهت لوجود تكتل بشري غير طبيعي ضمن الحشد السائر، وقفت معترضا سيرهم بكاميرتي (للحصول على لقطة “ووك باي”) لأكتشف بأن في قلب هذا التكتل يقف أحد النواب السابقين، متأبطا ذراع رجلين عن يمينه وشماله ويوزع الابتسامات والتلويحات يمنة ويسرة! ظهر بالتصوير واضحا لكني آثرت أن أخفي هوية هذا النائب السابق هنا أولا كي لا أعمل له دعاية، وثانيا حتى لا أتهم من أنصار هذا النائب وعشيرته بأني أستقصده شخصيا لا سمح الله.

– بعد أن بدأ ضرب القنابل الصوتية وتراجع الجموع إلى الوراء أحد التواجدين أخذ يصرخ بالمتراجعين غاضبا :”تعالوا!” ، ثم اقترب مني وهمس بصوت حان : “أي جريدة؟”

– وجود القوات الخاصة وتصرفاتهم ربما كانت مخيفة بالبداية، لكنها أثارت غضب وسخط الجماهير وكانت واضحة نظرات التحدي في عيونهم، لم يهرب الشباب من القوات الخاصة خوفا ولا جبنا ولا لضعف إيمان بقضيتهم (وإن كانوا لا يعرفون ما هي هذه القضية بالضبط)، لكنهم آثروا الانسحاب حفاظا على أرواحهم لأنهم مدركين بأن من يقف أمامهم لا يرحم كما علمتهم التجارب، كما أن هؤلاء الشباب باد عليهم الخير والطيبة ولم المح فيهم أي بادرة شر، طيلة المسيرة وهم فرحين مبتسمين بشوشين حريصين على بعضهم البعض. نعم هناك عيوب ومشاكل جمة صاحبت تنظيم وتنفيذ مسيرتهم، وأنا لم أكتب مقالي المطول هذا لأطعن بهم.. بل لأبين لهم ما وقعوا فيه من أخطاء علهم يتفادونها ويصلحونها، أخطاء بعضها بسيطة وأخرى فادحة، بعضها في أنفسهم التي عليهم إدراكها، وأخرى مفروضة عليهم وعليهم أن ينتبهوا لها.. والأمل معقود عليهم كي يصلحوها ولا ينقلوها لمن يأتي بعدهم من أجيال.

– مشهد التراجع الأخير كان محزنا بالفعل، الانكسار البادي على وجوه الشباب عبر لي عن خيبة أمل، والنظرات في عيونهم لم تخل من الحيرة، لا أدري مالذي كان هؤلاء الشباب يطمحون لتحقيقه، وبصراحة لا أعتقد بأن هناك أحد منهم يدري ما كان يريد أن يتحقق بنهاية هذه المسيرة، لكني متأكد بأن لا أحد منهم كان يأمل بأن تنتهي المسيرة بالشكل الذي انتهت فيه. أدبيات منظمي المسيرة ذكرت أنها تهدف لـ”استعادة سيادة الأمة المختطفة”، كيف ستحقق هذه المسيرة.. أو أي مسيرة أو تجمع أومهرجان أو ندوة هذا الهدف الكبير؟ بل كيف تستعاد سيادات الأمم عند خطفها؟ ألا يجب أن نعرف من هو الخاطف؟ ألا يجب أن ندرك إن كان بالإمكان خطف سيادة أمة أصلا؟ هناك العديد العديد من الأسئلة التي كان يجب أن تطرح وأن يجاب عليها قبل مجرد التفكير في تسيير المسيرة.

– أثناء مغادرتي المسيرة واجهت في طريقي بعض من “توهم يوصلون” المسيرة، يعني حتى مسيرة “كرامة” الوطن “يايينها” متأخرين ساعتين!

– كانت استراحتنا أنا وزوجتي بعد العناء الذي استمر ما يقارب الساعتين في ستاربكس دسمان، لم نكن وحدنا في المقهى فقد اصطبغ المكان باللون البرتقالي بعد توافد الجماهير المنسحبة إلى ملاذه 🙂

– تأكدت بعد هذه المهمة التصويرية بأن الكانون فايف دي مارك تو لا يعلى على أدائها بمثل هذه الظروف الصعبة، لكن من ناحية التشغيل كانت كابوسا حقيقيا! ضبط الصورة والصوت يدويا بالكامل أثناء مطاردة الحشود والهرب من النيران والقنابل أمر بغاية الصعوبة، بمعنى آخر… يبيلي كاميرة فيديو حقيقية جديدة 😀

– سيتم قريبا جدا إنتاج فلم تعليمي قصير حول التصوير الوثائقي من تقديم عذوب الشعيبي يتناول المسيرة كتطبيق عملي ويحتوي على العديد من الصور الجديدة من تصويرها.

المراسيم: سمعا وطاعة يا عقلي

ما زلت أصر على أني لست بكاتب سياسي، وما زلت مصرا على أن مواضيعي التي تحمل رائحة السياسة إنما هي مواضيع ثقافية تتعلق بطريقة تفكيرنا وتعاملنا مع ما يحيط بنا من قضايا تبعا للثقافة التي تكونت لدينا على مر الزمن، أحتاج أن أعيد كتابة هذه الجملة مرة تلو الأخرى لأذكر نفسي والقارئ الكريم بأني لا أحاول أن أفتي بمجال لا أفقه فيه، فصحيح أني لست متخصصا بالسياسة (رغم أني درست مبادئها الأساسية أكاديميا في الجامعة) ولكني متخصص بالثقافة والتاريخ ومؤهل للحديث عنهما وعن تأثير السياسة بهما وتأثيرهما على السياسة.

المراسيم

المحور الرئيسي لهذا المقال هو مراسيم الضرورة التي أمر بها أمير الكويت الشيخ صباح الاحمد الجابر الصباح عبر خطابهبتاريخ ١٩ أكتوبر ٢٠١٢ خلال الفترة الانتقالية بين حل مجلس ٢٠٠٩ والغاء مجلس ٢٠١٢ والدعوة لانتخابات ديسمبر ٢٠١٢ (الله يعين عيالنا وأحفادنا على دراسة هالتواريخ 😀 ) ، أحد مراسيم الضرورة الذي أثار ضجة بالبلد هو مرسوم تعديل النظام الانتخابي وتوزيع الدوائر الانتخابية، القانون السابق ينص على أن عدد الدوائر هو خمسة وأن عدد الاختيارات لكل ناخب في ورقة الاقتراع هو أربع، حتى وقت كتابة هذه الكلمات لا نعلم كيف سيكون التعديل، ولكن ذلك لم يمنع ارتفاع الأصوات المطالبة بمقاطعة الانتخابات القادمة والداعية للخروج بالمسيرات المنددة بهذا المرسوم.

العقل

لن أناقش تفاصيل المرسوم السياسية فالأمر بالنسبة لي وجهة نظر قد يراها البعض صائبة ويراها آخرون خاطئة، لكن ما سأناقشه هو ردود الأفعال على هذا المرسوم والتي يمكن قراءتها لتعطينا دلالة على ثقافة شعبنا وطريقة تفكيره.

لأن الكثير من الناس تغلبها العاطفة وترفض استخدام عقلها ومعتمدة على آراء غيرها في تحديد مواقفها فإنها أغفلت واحدة من أخطر النقاط بخطاب الأمير كما سأبين لاحقا في هذا المقال، فكل الضجة التي حدثت والمقاطعات والمسيرات والاحتجاجات أساسها تغيير إجرائي بسيط “بالطريقة” التي سيتم بها التصويت بالانتخابات القادمة، فلم يوقف العمل بالدستور مثلا ولم يدع لمجلس وطني بدلا عن مجلس الأمة، فجل ما تغير هو عدد الخانات التي سيضع فيها الناخب فيها علامة صح!

الكثير من الشباب أخذوا الأمر بصورة عاطفية بحتة وربطوها بمسألة الكرامة والإرادة وغيرها من الشعارات “العربية” اللي ما توكل خبز! وذلك أمر تعودنا عليه لأنه من المكونات الأساسية للعجينة المكونة لثقافتنا، فمنذ متى نستطيع العيش دون تلك الشعارات؟! وكيف لحياتنا أن تستمر دون المطالبة باحترام “كرامتنا”؟ رغم أننا بالواقع أول من يمتهن كرامة بعضنا البعض ويمتهن كرامة غيرنا ممن لا يعجبنا من البشر، وذلك موضوع تحدثت عنه أكثر من مرة سابقا ولا داع لإعادة نقاشه هنا.

على خلاف السياسيين الذين يهوون اللعب بمشاعر الجماهير أنا أنسان عملي ومؤمن بالعقل والمنطق ولا أبني مواقفي على الشعارات، فعدد الخانات في ورقة الانتخاب -عمليا- لن يصلح الفساد السائد في الدولة ولن يفسد بقية الصلاح الباقي فيها، وهذه حقيقة، هل ستفسد البلد إن وضعنا صح أم صحين بدلا عن أربعة علامات صح في ورقة الاقتراع؟ وهل سيصلح حال البلد إن وضعنا أربع علامات صح؟ هل ستتوقف السرقات من المال العام؟ هل سينتهي التلوث؟ هل ستنحل أزمة السكن وأزمة الكهرباء والأزمات الاقتصادية؟ هي سينخفض سعر الإنترنت وسعر البيض؟ هل سيزيد الإهتمام بالثقافة والفن والأدب؟ هل سيرتفع مستوى التعليم؟ هل سيلتزم الموظفون ويخلصون لأعمالهم؟ هل ستتوفر فرص العمل المناسبة للخريجين وتنخفض البطالة المقنعة وغير المقنعة؟ هل ستنتهي الإختناقات المرورية وتتصلح الشوارع؟ هل ستنحل مشكلة البدون؟ هل سنفوز بكأس آسيا؟ وهل وهل وهل وهل وهل؟ إن كان كذلك فيالها من أربع “صحات” سحرية تلك التي ستحل لنا كل تلك المشاكل!! كم أتمنى لو كان ذلك صحيحا.. لكن الواقع والتاريخ يخبرنا بأن تلك “الصحات” الأربع لم تنتج لنا سوى مجموعة من المجالس “المحلولة” تحمل ألقابا مثل “مجلس القبيضة” و”مجلس المؤزمين” لم تستطع أن تؤدي واجبها بالتعامل السياسي مع الحكومة ولا أن تسعى نحو التغيير القانوني المناسب لتسهيل عملية أداء ذلك الواجب (علما بأن من أطلقوا تلك الألقاب على تلك المجالس هم أنفسم من يطالبون اليوم بالمحافظة على نفس النظام الانتخابي الذي أنتجها)، بالعقل والمنطق وكل العلوم الإنسانية والمخبرية هناك قاعدة عامة بأنه لا يمكنك أن تحصل على نتائج مختلفة إذا استمريت بتكرار نفس شروط التجربة مرة تلو الأخرى، منطقيا لن ينصلح حال البلد “بالاستمرار” بنفس النظام الذي جربناه وعرفنا نتائجة، فما هو السر إذن في الدفاع عن هذا النظام الإنتخابي الذي لم يخلف لنا سوى الفشل والفوضى السياسية؟

ابحث عن المستفيد

دائما نشاهد المحققين بالأفلام ونقرأ عنهم بالقصص البوليسية عند وقوع جريمة ما أول ما يبحثون عنه هو المستفيد الأول من الجريمة، في حالة جريمة الأزمة السياسية التي تعصف بالبلد من هو المستفيد الأول؟ من هو المستفيد من بقاء النظام الانتخابي الحالي على ما هو عليه؟ ومن هو المتضرر الحقيقي من تغييره؟

دع عنك المبادئ والكرامة والقيم وكلام الشعارات العربية الآن، تلك الشعارات لم نقرأ أنها استخدمت في حل أي جريمة في أي رواية بوليسية، على أرض الواقع وكما يخبرنا التاريخ بوضوح.. أول من سيتضرر من عملية تغيير النظام الانتخابي وعدد الخانات في ورقة الانتخاب هي حسبة بعض السياسيين، وهؤلاء السياسييون – ولا غرابة في ذلك – هم من يستميت حاليا للدفاع عن عدد تلك الخانات!

السياسي بالطبع لن يصرح بأنه خائف على حسبته، لكنه – كالعادة – سيرتدي عباءة “الوطنية” ليظهر بمظهر المدافع عن “كرامة” الشعب وإرادته.. وذلك ليس بأمر جديد.. وقد فصفصته تفصيصا بموضوع الصورة الكبيرة.

ماذا عن الشاب الذي تربى على سماع وترديد الشعارات والأغني الوطنية؟ من يؤمن إيمانا “حقيقيا” بمبادئ الكرامة والعدالة والحرية والديموقراطية؟ ألن يعجبه كلام الساسة وحلاوة ألسنتهم التي تقطر بعسل الوطنية ويتأثر بها ويبذل ما بوسعه لكي يكون له موقف في ظل هذه الظروف التي تضرب “بكرامته” عرض الحائط كما يعتقد؟ أضف لذلك طبعا ما يعايشه هذه الأيام من ثورات ربيعية تحيط به من كل جانب وتأثر بروحه الثائرة والمتمردة على كل القيود الرجعية.

يعني بالنهاية هاذي وطنية مو لعب العيال! وطبعا احنا الشباب لنا الغد.. و احنا الخطاوي الأكيدة على دروب الأمل!

وهكذا يسير الشاب إلى الساحات والمسيرات وهو ما يزال تحت التأثير “التدغيغي” لكلمات السياسيين وشعارات الصائحين دون إعمال حقيقي للعقل الذي يخبره بأنه “بالواقع” إنما يتظاهر ويصيح ويسير حتى تدمي قدماه من أجل “شخطة” على ورقة!

ذلك العقل الذي لو كان استخدمه ذلك الشاب لأدرك المرسوم الأخطر من مرسوم “الخانات” كما ذكرت في مقتبل هذا المقال!

عمليا مرسوم الدوائر لا يهمني وذلك للأسباب التي ذكرتها سابقا ولغيرها من الأسباب القانونية والأدلة الدستورية التي لم أذكرها وإن كنت قد أشرت لبعضها من خلال بعض التغريدات، الأهم من ذلك بالنسبة لي هو ما أطلق عليه مرسوم “نبذ الكراهية وحماية الوحدة الوطنية“، فعند سماعي وقراءتي لمجرد عنوان ذلك المرسوم تبادر إلى ذهني سؤال، ما هو معنى “الوحدة الوطنية” وكيف سندافع عنها بمرسوم؟

مصطلح “الوحدة الوطنية” وحمايتها هي من المواضيع المطاطة التي لا يمكن تعريفها ببساطة، ولا أدري كيف ستتعامل معها المحاكم! لو كنت سأناقش هذا المصطلح لتمكنت من تقديم رسالة ماجستير فيه وليس تغريدة أو موضوعا بمدونة، فوالله لا أدري ما هي مواصفات القاضي الذي سيحكم في قضايا “الوحدة الوطنية” تلك! هل سيكون عالم اجتماع أو خبير سياسي أو ناقد أدبي؟ هل سيحكم في تلك القضايا هومي ك. بابا أم سيحكم فيها إدوارد سعيد أو ابن خلدون رحمهما الله؟ فهؤلاء هم المؤهلون – تقريبا – للحكم في قضايا تتعلق بالـ”وحدة الوطنية”.. لا خريج من كلية الحقوق أو الشريعة!

برأيي مرسوم “الوحدة الوطنية” هو القيد الأساسي الذي يجب أن يولى حقه بالاهتمام والنقاش، لكن بالطبع الناس غفلوا عنه وكأن آذانهم صمت بعد سماعها للفظ تعديل “النظام الانتخابي”! وطبعا ما هو سبب هذا الصمم المؤقت؟ بالتأكيد لأن السياسيين أصحاب الصوت العالي اختاروا تجاهله!

مرسوم “الوحدة الوطنية” يشبه الدرس “غير المقرر” الذي أخبرنا المدرس بأنه “مو داخل بالامتحان” فسارعنا فرحين لتمزيق ورقته أو الشخبطة عليه بعلامة “إكس” كبيرة 😀

مرسوم “الوحدة الوطنية” لا يهم السياسيين لأن لديهم حصانتهم التي تحميهم منه إن نجحوا، وإن تأثروا به كمرشحين فإنهم – كالعادة – سيستغلونه للظهور كأبطال!

مرسوم “الوحدة الوطنية” يشبه كثيرا قانون التجمعات المشؤوم الذي يتجاهل وجوده النواب تحت قبة البرلمان ومن ثم يكونون هم أول من يخالفه في الشارع!

ويتكرر السيناريو مرة تلو الأخرى، النائب محمي بحصانته، المرشح متباه ببطولته، والشاب المتحمس -وهو المتضرر الحقيقي- له الله! وكل شي في سبيل الوطن يهون!!

من أجل الصورة الكبيرة

أنا لست ضد المسيرات ولا ضد قرارات المقاطعة ولا ضد تلوين الأفاتارات بتويتر ولست ضد أي وسيلة تعبير عن الرأي، أنا لا أدعي أن رأيي “السياسي” هو الصحيح وأن آراء الآخرين خطأ فادح، لا أطلب منك قارئي أن تغير قراراتك وقناعاتك لتوافق قناعاتي، لكني إن كنت سأطلب منك شيئا فهو أن تستخدم عقلك قبل عواطفك (رغم ثقتي بصدق تلك العواطف) وأن تأخذ خطوتين للوراء وتنظر للصورة الكبيرة من بعيد، هدف أي حراك سياسي جاد قبل أي شيء هو تحقيق “المصلحة” للأمة، حتى بالشرع هناك قاعدة فقهية تقول بأنه “أينما كانت المصلحة فثم شرع الله”، المصلحة الحقيقية هي تلك التي لها تأثير على حياة الناس في هذا البلد، نعم.. على بعض الشعوب في بعض الأحيان أن تتنازل قليلا عن المثاليات وكلام الكتب إن كان في ذلك مصلحة عامة لهم على المدى البعيد، الكرامة والحرية والعدالة كلها أمور ستأتي في وقتها ورسوخها في هذا البلد أمر مؤكد، ولكن ما فائدة الكرامة في وقت الفساد؟ ما فائدة الحرية في وقت الفوضى؟ وما فائدة العدالة في وقت الكساد؟

يا شباب استخدموا عقولكم ودعوا عنكم الشعارات و”الخطاوي الأكيدة” وكلام الأغاني، فكروا بالمصلحة النهائية والصورة الكبيرة، ناقشوا الموضوع بالعقل قبل الاندفاع نحو الشوارع، فبالشارع ما أنت سوى نقطة واحدة يتم تحريكك وتلوينك دون إرادتك، هذا ليس كلامي ولا رأيي الشخصي! بل الفلاسفة وعلماء الاجتماع وحتى علماء الأحياء والأنثروبولوجيا والإحصاء يؤكدون أن تفكير وتصرفات الفرد إن جلس وفكر بمفرده قد تختلف تماما عن تفكيره وتصرفاته مع الجماعة، لا تعتقد بأن الساسة والإعلامييون يجهلون ذلك! فهم درسوا ذلك وتعلموه ويحاولون تطبيقه علينا في كل وقت ومناسبة بهدف تسييرنا نحو أهدافهم هم بتصويرها كأنها أفكار نابعة من داخلنا! إن كنت لا تصدقني فاقرأ وثقف نفسك وستتعلم كيف تكون واعيا لتلك الحيل والألاعيب التي تمارس عليك وستتعلم كيف تقاومها ولا تتأثر بها، المنطق العلمي والتفكير النقدي من المواضيع التي لم نتعلمها في مدارسنا الحكومية للأسف الشديد.. لذلك علينا أن نتعلمها ذاتيا إن أردنا الفلاح في حياتنا.

وتذكر بأن الإصلاح والبناء الحقيقي للأوطان لن يتم سوى “بيدك” أنت، لا بصراخك وترديدك للشعارات.. خاصة إن كانت الشعارات كتبت بيد غيرك.

وبالختام.. استخدم عقلك، فعقلك هو منحة الله لك.

#سمعا_وطاعة_يا_عقلي

بين الجمال والحال

والجمال ليس حاجة بل هو نشوة.
وما هو بفم عطشان، ولا يد ممدودة فارغة، إنما هو قلب مشتعل ونفس مفتونة.

وما هو بالصورة التي تود أن تراها، ولا الأغنية التي تود أن تسمعها، إنما هو صورة تراها وإن أغمضت العين، وأغنية تسمعها وإن سددت الأذن.

. . .

الجمال هو الحياة عندما تكشف عن وجهها القدسي.
ولأنتم الحياة، وأنتم الحجاب.

وهو الخلود يناظر وجهه في المرآة.
ولأنتم الخلود، وأنتم المرآة.

-جبران خليل جبران، النبي

الكلمات أعلاه هي طريقة جبران خليل جبران لقول المثل المستهلك “الجمال بعين الرائي” أو “Beauty is in the eye of the beholder“، معنى ذلك أن الجمال موجود بكل شيء حولنا إن أردنا نحن أن ننظر إليه، وأن من لا يجد حوله إلا القبح.. أو من يشعر بحاجة “للبحث” عن الجمال.. فعليه ببساطة أن يتوقف عن البحث عنه فيما حوله لأنه من الأسهل أن يستخرج الجمال المحبوس داخل نفسه.

لست فيلسوفا ولست أديبا للأسف، لذلك سأوقف الحديث عن أدب جبران وفلسفته، ولكني أفهم في أمرين: الثقافة البصرية والإتصال المرئي، لذلك سيكون هذا المجالان هما مرآتي التي أرى الجمال منعكسا عليها.

سأبدأ بالحديث عن دافعي لكتابة هذا المقال حتى تكون معي بالصورة، دافعي الأساسي هو هذا الفيديو:

ليس عليك أن تشاهد أغنية مشعل العروج كاملة، فقط أول دقيقة منها قد تجلب لك الإكتئاب (كما حصل معي)، شوارعنا وصخة، مشاريعنا وافقة، مدارسنا تعبانة، مطارنا يفشل، رياضتنا متأزمة، ثقافتنا انتهت، مجتمعنا مش طايء بعضه، ربعنا بالخليج سبقونا، ويالله لازم نتكاتف ونشد حيلنا ويبيلنا واحد سوبرمان قوي بس يتخذ قرار جريء ويحل كل هالمشاكل بجرة قلم! يعني كلام تويتر والدواوين كله تم اختصاره بخمس دقائق.. وأنا اختصرت لك إياه بسطرين.

شالمشكلة؟

ربنا ما يجيبش مشاكل 🙂 ليس هناك مشكلة (سوى حالة الاكتئاب التي أصابتني والتي زال جزء كبير منها بعد ما تغديت ولله الحمد)، فأنا متأكد بأن الأخ الفنان مشعل العروج والأخوة المشاركين في إنتاج هذا العمل لم يبذلو المال وهذا الجهد الذي يشكرون عليه إلا لوجود دافع حقيقي هو ما شحذ همتهم واستلها في وجه ما يشاهدونه ويسمعون به من مشاكل وأزمات متتالية مرت بالبلد، فجاء انعكاس هذا الواقع الذي عايشوه على شكل هذه الأغنية المصورة، لذلك نحن نحيي فيهم شعورهم واهتمامهم وهمتهم ولا نشكك بنواياهم الصادقة بإذن الله.

ولكن، السؤال هو: ما هي الفائدة المرجوة من هذا العمل؟ أو بمعنى آخر.. كيف سيساهم هذا العمل في حل المشاكل التي طرحت من خلاله؟

طبعا هناك جواب معلب حفظناه من أهل الفن والإعلام عند توجيه أي انتقاد للرسالة السلبية المصاحبة لما يقدمونه من أعمال، وهو أننا “نطرح مشاكل المجتمع بواقعية” وأن “تشخيص المشكلة هو نصف الحل“! (وإذا ضغطت عليه أكثر قالك “إللي مو عاجبه لا يطالعنا!”)، المشكلة في ذلك هي أن العموم لدينا بارعون بالتشخيص.. ليس هناك من هو أشطر منا في تشخيص المشاكل، ولكن من هو المسؤول عن النصف الثاني من العلاج… ما إلك إلا سوبرمان طبعا!

ذكرت في مواضيع الصورة الكبيرة و ما يهم بأن أساس الأزمة أو المشاكل التي أشبعناها تشخيصا يكمن في ثقافة مجتمعنا وليست في سياسته أو قادته، وذكرت كذلك بذات المواضيع بأنه إن كان هناك من حل لهذه الأزمات والمشاكل فهو يكمن في تغيير ثقافة هذا المجتمع، وذكرت بأن مفتاح تغيير الثقافة بيد صانعيها.. وهم المثقفون من الأدباء والفنانين والإعلاميين والمعلمين، ومشعل العروج والفريق المصاحب له هم من ضمن هؤلاء الفئة ونحن نحضهم ونشجعهم على الاستمرار وندعو غيرهم للاقتداء بهم، ولكن ما هو أهم من ذلك هو محاولة توجيههم نحو الأساليب الأمثل لتجاوز “التشخيص” والوصول لمرحلة العلاج.. بل ولتجنب تحول هذه الأعمال إلى وباء آخر قائم بذاته.. وهو وباء السلبية!

ما هي أصعب الأزمات التي يمكن أن تحل بأي مجتمع؟

إحصاء المشاكل والأزمات لا ينتهي.. ولكن بالتأكيد الحروب تعتبر من أشدها، أليس كذلك؟ لننظر في سجل التاريخ المرئي (بحكم أن هذا هو تخصصي) ونبحث أقوى الإعلاميات المرئية التي ألهمت الشعوب للنهوض من أزماتها وحزنها ودفعتها للتخلص من ما يحيط بها من مشاكل.. خاصة في وقت الحروب.

عندما دخلت بريطانيا الحرب مع ألمانيا أيام الحرب العالمية الأولى (١٩١٤) ما دفع الشباب للانخراط بالجيش للدفاع عن وطنهم ودحر قوى دول المحور لم يكن صور الشهداء أو المعذبين الدمار الذي أصاب أوربا، بل الرسالة التي اختارت وزارة الدفاع البريطانية توجيهها لشباب الوطن كانت بتصويرهم هم كمحور للتغيير والنهوض بوطنهم من خلال تبيان حاجة هذا الوطن لهم، هي إذن محاولة لتحميل الشباب -كل واحد منهم- مسؤولية الدفاع عن الوطن.. وعن الملك!

كمثال آخر ننتقل للحرب العالمية الثانية وللولايات المتحدة مع بوستر We Can Do It الشهير، وجه لنساء الوطن للمشاركة في المجهود الحربي من خلال النشاط الإيجابي، و من ثم (خلال الثمانينات) استغل لإبراز قوة العمل النسوي.. إيضا بإيجابية بدلا من الاكتفاء بالتحلطم والتباكي على وضع المرأة الاجتماعي.

freekuwait

أي حملة إعلامية ناجحة يجب أن تتوفر فيها شروطا علمية وتسبقها دراسة مستفيضة للمشكلة التي تعالجها وللجمهور المستهدف من ورائها والأدوات المستخدمة فيها ونغمة الصوت المناسبة لها، أي أن الأمر ليس مجرد كلمتين ونغمتين وصورتين يعبرون عن “آلامنا وأحاسيسنا” وانتهى الأمر! الطرح العاطفي قد يكون مفيدا في الكثير من الأحيان.. فلا شيء يكسب تعاطف الشعوب أكثر من إثارة أحاسيسهم ومشاعرهم، نحن ولله الحمد ليس هناك من هو أشطر منا في إثارة العواطف.. ما ينخاف علينا من هذه الناحية، لكن إثارة العواطف يجب أن يتبعه استنهاض للهمم من أجل تحريك المجتمع نحو الهدف بإيجابية، عندما تثير عواطف شخص ما عن طريق طرح المشاكل والمآسي ومن ثم تتركه لحال سبيله فإنك لن تدفعه إلا لمزيد من اليأس والإحباط، يعني جل ما ستدفعه لفعله هو أن يرفع يده للسماء ويقول “يالله سهل علينا”! لماذا؟ لأنك لم تطلب منه -بوضوح- أن يفعل غير ذلك أولا.. ولم تحثه حتى لأن يفكر بنفسه بحل للمشكلة التي ألقيتها على عاتقه، هناك فرق بين أن تقوم بعمل مظاهرة أو مسرحية أو تقدم أغنية أو بوسترا يثير عواطف المتلقي قليلا ويهيئه لتلقي رسالتك، ولكن في نفس الوقت يجب أن يكون عنوان عملك الأشمل ورسالته الأساسية هي استنهاض همة هذا المتلقي للقيام بعمل محدد يوافق ما حددته أنت مسبقا كرسالة لحملتك، وهذا لا يمكن أن يتم بالإثارة العاطفية دون أن يكون هناك منهج إيجابي واضح وهدف تطلبه من المتلقي مباشرة، لا تتوقع من عموم جمهورك أن يستنتج ما تريده منه بنفسه.. أنت من يجب عليك أن تأخذ بيده وتريه الطريق الذي تود أن يسير فيه! (في حالة كان جمهورك صغيرا وتستطيع ضمان عقليته ومستوى تفكيره فالأمر مختلف)، ما لم تكن واضحا في هدفك فأنت لا تخاطر بضياع جهدك وحسب.. بل تخاطر بزيادة الأمر سوءا عن طريق نشر السلبية والإحباط في صفوف جمهورك! بمعنى آخر (برأيي الصريح جدا) من الأفضل -للمصلحة العامة- أن لا تقدم شيئا يخص الوطن أو المجتمع أو الأمة على أن تقدم شيئا غير محترف وغير مدروس قد يسبب ضررا أكثر من النفع! جادلني في ذلك إن لم يعجبك كلامي.

حلول

كتبت قبل فترة على حسابي في تويتر بأن لدي الكثير من المواضيع التي أثارتني وكانت تدفعني للكتابة عنها في مدونتي، ومدونتي بحاجة للنشاط الذي شبه توقف منذ أن وصلت مستقرا في الكويت من بريطانيا، ولكني كنت أمتنع عن كتابة هذه المواضيع عن عمد لأن أغلب المواضيع التي كانت تثيرني هي مواضيع سلبية.. وأنا أرفض أن تكون أولى مواضيعي الكويتية مواضيع “تحلطم”! (طبعا أنا كتبت كل هالكلام بأقل من ١٤٠ حرفا.. مادري شلون!) ، فأشار علي أخي مساعد برأي حكيم وهو أنه لابأس من طرح المشاكل بغرض دراستها ومن ثم اقتراح حلول لها 🙂

المشكلة الرئيسية التي طرحتها من خلال موضوعي هذا هي السلبية، علاج سلبية المجتمع بسيط… وهو نشر الإيجابية 🙂 ونشر الإيجابية مجهود جماعي ليس بالهين لأن مدمنو “الغلقة” في مجتمعنا كثر… والمقتاتون على هذا الإدمان لا ينفكون عن تغذيته بالمزيد من جرعات الكآبة المركزة، تصفح أي جريدة أو شاهد أي قناة عربية أو تابع هاش تاق #كويت وستكتشف ذلك بنفسك، لذلك فالطريق طويل.. ولكن العدة جاهزة والعتاد متوفر والحمد لله.

الإيجابيون وأصحاب الإنجازات في البلد كثيرون ولا يحتاجون إلا لأن يتعرفو على بعضهم البعض ويتعاونو فيما بينهم من أجل أن تصل رسائلهم لشريحة أكبر من المجتمع، ففي الوقت الذي يشتكي فيه العروج من تدني ثقافتنا فإني على العكس من ذلك.. أعاني من ضيق الوقت منذ أن وصلت للكويت لأني “مو ملحق” على المعارض الفنية والندوات والملتقيات الثقافية التي بودي أن أزورها وأشارك بها.. وليس في ذلك مبالغة! لكن المشكلة بأن الضوء لا يسلط على هذه الأنشطة بالشكل الكافي إعلاميا.. وبسبب ضعف التنسيق بين الجهات المنظمة لهذه الأنشطة الثقافية (باعتراف أهلها!)، كمثال آخر الرياضة تعاني من مشاكل.. صحيح.. ولكن رغم ذلك فالإنجازات الرياضية لم تنقطع.. ولكن أخبار الخلافات والتدخلات السياسية (وهي لا تهمني بالمرة ولا أعرف تفاصيلها ولا أريد ذلك) هي الطاغية لأن بيعها إعلاميا أسهل.

إن كنت قد قرأت كلامي ووصلت حتى هذه السطور الأخيرة (وما زلت تذكر الأولى) فأنت لست ممن لا يرون حولهم إلا القبح، فهؤلاء لم يصلو إلى نصف الكلام المكتوب حتي قالوا “شهالكلام المثالي الفاضي!” أو “إنت تقرق وايد” فملوا وتوقفوا عن القراءة وتوجهوا إلى متابعة “المثيرات” من الأخبار والقصص، لكنك بالتأكيد ممن يجدون الجمال في أنفسهم فيكونون هم انعكاسه ومرآته كما يقول جبران، واستشفاف الجمال وعكسه للغير هو منتهى الإيجابية، عندما تحدثت سابقا عن دور المثقفين والأدباء والفنانين في إثراء ثقافة المجتمع والنهوض به فإني لم أقصد بأن الجميع يجب أن يوجه ثقافته وفنه من أجل قضايا الوطن ومشاكله! هذا هو عكس ما أقصده تماما!! فهذا التوجيه (بطريقة العروج حسنة النية) يعيد تركيز المجتمع على مشاكله وبالتالي “يجذبها” له مجددا.. وإن كانت رسالة العمل تدعو لحب الوطن أو نبذ الطائفية! (أدعو وبشدة لقراءة موضوع الصورة الكبيرة لمن لم يقم بذلك من أجل أن يتضح المقصود من هذه الجملة)، لا توجه ثقافتك وفنك إلا لنفسها! أبرز إحساسك الشخصي بالجمال أينما كان وبأي صورة ظهر، لا يجب أن تكون الأغنية “وطنية” كي “ينتفع” منها الوطن، ولا يجب أن يكون الشعر “وطنيا” أو التشكيل “وطنيا” أو العلم “وطنيا” كي ينتفع الوطن، أبدع بمجالك وارتق بفنك وثقافتك وانشر الجمال بين الناس.. حينها سيفرح الوطن وسيفرح من يعيش على أرض الوطن وسينهض الشعب بنفسه ويحارب مشاكله بنفسه ويبني عزه ويعيد مجده بنفسه.

ما يهم

Khalifa Qattan, Revealing the Brain, 1973

من الطبيعي ان تتباين الآراء بخصوص نتائج أي انتخابات، فالانتخابات – مثل أي معركة أو مباراة كرة قدم – فيها الفائز وفيها الخاسر، الفارق الوحيد في حالة الانتخابات الكويتة بالذات هو أن تلك المبارة ليست بين فريقين بل بين ست أو سبع فرق طائفية ومذهبية وقبلية وكتلية وفكرية، بمعنى آخر.. ليست بين حزبين رئيسيين كما هو الحال في أغلب الدول الديموقراطية، بالتالي في نهاية أي انتخابات نجد الزعلان فيها أكثر من الراضي لأنه من المستحيل أن تحقق إحدى الفرق ما يمكن أن يطلق عليه اسم “أغلبية” تتيح لها تحديد سياسة البلد، و هذا الأمر قد يكون من رحمة الله بنا لأننا لم نصل بعد لتلك المرحلة من النضج السياسي لكي نضع السلطة في يد كتلة سياسية واحدة، وقد فصلت في هذا الأمر بموضوع جمهورية الكويت الديموقراطية ولا داع لإعادة نقاشه، ولكن ما يهمنا هنا ليست مسألة الرضى بقدر ما هي مسألة الزعل.

حالة الحرة والزعل والاحتراق على نتائج الانتخابات وأسماء النواب الناجحين ترجع لكون المواطن يعطي هذه الانتخابات حجما يفوق سعتها الطبيعية بكثير! فهو كما ذكرت بموضوع صورة النائب مؤمن بأن مجلس الأمة هو المسيح الذي سيشفي الأبره والأكمه ويحيي الوطن من موتته بإذن الله! وهو الذي يظن بأن أعضاء هذا البرلمان يجب أن يكونوا خمسين سوبرمان متحدون لمحاربة قوى الشر، وهذا الاتحاد مستحيل بسبب تعدد أطياف المرشحين وناخبيهم وعدم وجود منظومة حزبية تقرب هذه الأطياف من بعض… سياسيا (وهذا محور يحتاج لموضوع مستقل)، مع الأخذ بالاعتبار بأن النائب ليس سوبرمان أصلا بل هو موظف يؤدي واجبه.

Batman_Superman_Wonder_Woman_Trinity_1

ما يحدث حاليا من حالة تذمر من حال البلد السياسي هو أمر غير منطقي، فكيف يتذمر الناس من اختياراتهم؟ تخيل لو اني طلبت منك أن تشتري لي وجبة من كنتاكي لآكلها على العشاء وبعد أن أحضرتها لي أخبرتك بأني أكره كنتاكي ولا أطيق أكله، ماذا سيكون ظنك بي؟ الآن إن اختار الشعب نوابا من كنتاكي ثم قال هذا الشعب بأنهم يكرهون كنتاكي، ماذا سيكون ظنك في هذا الشعب؟ نواب الشعب هم في النهاية خلاصة فكر هذا الشعب (طبعا ما لم يكن هناك تزوير أو تلاعب)، الشعب أولا حر في اختيار ممثليه من خلال عملية الاقتراع، وفي نفس الوقت هؤلاء الممثلون لم يأتو من كوكب آخر.. بل هم نتاج فكر ذلك الشعب و ثقافته ونظامه الاجتماعي والتعليمي، كيف يمكن أن نتوقع نوابا يضاهون حملة شهادات هارفرد لشعب ليس لديه خرجين من هارفارد… ولا حتى لديه جامعات تقترب في مستواها من هارفارد؟ كيف نتوقع نوابا يحملون مسمى “وطنيين” يمثلون شعبا غارقا في القومية والعنصرية؟ ذلك أمر غير منطقي.

لست سعيدا على الإطلاق إن قلت بأن كلامي في موضوعي ثقافة السور والصورة الكبيرة نراه اليوم يتجسد حاضرا أمامنا من خلال مخرجات الانتخابات الأخيرة! تلك النتائج لا تمثل الا دليلا قاطعا على ما ذكرته في كلا الموضوعين من حالة المجتمع الثقافية التي أخرجت لنا برلمانا لا نستطيع القول عنه الا “الله يعينه على نفسه” بسبب تناقض مخرجاته التي لم ولن ترضي أحدا، كذب الشعب على نفسه عندما ظن بأن أغانيه وخطاباته وتغريداته “الوطنية” الداعية إلى نبذ الطائفية والقبلية ستكون كفيلة بالقضاء على تلك المساوء.. ثم صدق كذبته! وبالنهاية لم يكن للنتيجة الا أن تسبب له صدمة! فمشجعو كل الفرق انصدموا من نجاح أعتى أعداءهم من الفرق الأخرى واختفى -تقريبا-من كان بالمنتصف، هذا التطرف في تشكيلة النواب هو انعكاس لحالة التطرف التي يعيشها المجتمع وشعور كل فرقة من فرقه بالخطر الذي يداهمها، هذا الشعور بالخطر نابع مما تراه وتقرأه في الإعلام ومن خلال متابعة ما يجري من أحداث وتطورات في المجتمعات المحيطة بها، بالتالي اختيار هذه الفرق للنواب الذين وصلوا يمثل نوعا من الصراع من أجل البقاء، قد تكون التشكيلة النيابة الشرسة بمجملها لا تعجبنا… ولكنها -مرة أخرى- إنعكاس لحالة المجتمع.

مانشيتات صحف اليوم - من موقع زبدة الأخبار

إن كنت زعلانا من نتائج هذه الانتخابات أو تلك، أو كنت مغتاضا لوصول النائب الفلاني أو من تزايد أعضاء فريق العلاني فليس هناك داع لهذا الزعل والغيض، لن أقول “هذه هذ الديموقراطية” وكأني ألقي باللوم عليها.. لأن الديموقراطية ما هي إلا منهج عام تقاد به البلد، عندما تلوم الديموقراطية فأنت كأنك تلوم حكم المباراة أو حتى تلوم قوانين الفيفا، ولا تلم الشعب على اختياراتهم وتقول بأن الشعب ما يفهم أو مو كفو ديموقراطية وبأن الشعب جاهل وما يعرف مصلحته وبأنه شعب بسرعة ينقص عليه، وطبعا لا تلم نفسك وتقول بأنك لم تبذل جهدا كافيا وبالتالي عليك أن تخطب وتغرد أكثر حتى تنهض بوعي الناس! يجب أن لا يكون هناك لوم بالمرة بل تقبل للنتائج كما هي وإدراك بأن هذه النتائج هي رغبة الشعب الحقيقية… ولا يمكن للشعب أن يختار غير ما يريد ولا يمكنه أن يختار غير ما هو في مصلحته! كل ما يختاره الشعب فيه الخير.. ولو على المدى الطويل، أمير البلاد قام بضغط زر الـ”ريسيت” ورمى الكرة بملعب الشعب وهو مدرك بأن اختيار الشعب فيه الخير مهما كانت النتائج، نعم ستستمر الأزمات… ونعم سيهبط مستوى الطرح ونعم ستتوقف التنمية وسينشغل المجلس بالتوافه ويشغلنا معه فيها، لن يكون ذلك أمرا جديدا ولا غريبا وما كان ليتغير حتى لو تغيرت تركيبة النواب، ستمر علينا سنين عجاف ولكن من بعدها سوف يغاث الناس… فاصبرو! مجتمعنا لن يتغير عندما يتغير النواب والساسة… هذه فكرة خاطئة حتى النخاع!! العكس هو الصحيح… الساسة هم من يتغيرون عندما تتغير ثقافة المجتمع، إحفظ هذا الكلام وضعه نصب عينيك دائما… غير الثقافة أولا وستتغير السياسة تبعا لذلك، كيف نغير ثقافة المجتمع؟ هذا موضوع يحتاج بحثا ودراسة طويلة ربما نعود لها في مواضيع لاحقة، ولكن على عجالة يذكر لنا علماء التاريخ والاجتماع بأن التغيير عملية صعبة ومعقدة وتحتاج لوقت طويل لتحدث، وقد يساعد على تسريع تلك العملية المعقدة حدوث الصدمات والأزمات والهزات التي تحرك الأرض قليلا تحت أقدام المجتمع، ونحن اليوم قد نعاني من آثر بعض تلك الهزات.. نعم قد نشتكي منها.. ولكن إن تذكرنا أهمية تلك الهزات ونظرنا لصورتها الكبيرة من بعيد سنجد بأنها أمر إيجابي لا يجب أن يثير الرعب فينا.

لنتذكر بأن الأمر بالنهاية سياسة، والسياسة – مثل الكرة – لعبة، يفوز فيها من يتكتك ومن يستعد و من يمتلك المهارة الأعلى… ومن يحوز على كل ذلك ليس بالضرورة أن يكون هو الأفضل.. بل هو الموفق في هذه المباراة، المباريات القادمة أكثر.. ولديك الوقت الكثير لتحضر لها، من يغني ويخطب ويغرد دون عمل فعلي لن يفوز! لم يأمر النبي صلى الله عليه وسلم بأن يخطب ولا يغرد بل قيل له “قم فأنذر” وتلك كانت حالة جميع العظماء الذين قادوا أممهم للمجد، فيا معشر المغنين والخطباء والمغردين دعو عنكم الساسة وألاعيبهم وحيلهم… اتركوهم ليؤدو أعمالهم ومسؤولياتهم وتفرغوا لأعمالكم ومسؤولياتكم، لا تعطوهم أكبر من حجمهم ولا تعولو عليهم الكثير… من أجل راحتكم النفسية على الأقل، شاهدنا خلال الفترة السابقة إبداعات شبابية في مجال التوعية السياسية “الحقيقية” باستخدام الميديا والتكنولوجيا الحديثة… وكم أتمنى أن يستمر هذا الإبداع ليصل لأكبر عدد ممكن من الناس، وشاهدنا العديد من الأساتذة والمثقفين يتواصلون مع الشباب ويتعاونون معهم ويقدمون لهم المعلومات والنصح والإرشاد، ونحن نحييهم على ذلك ونقدم لهم الشكر والعرفان، تلك هي مسؤولياتكم الحقيقية يا شباب ويا مثقفين.. لا تتبع النائب الفلاني وما قال ولا السياسي العلاني ومافعل، لنرتق بثقافة الشعب الحقيقية (لا ثقافة الشعارات) وسنشاهد بأعيننا كيف سينعكس ذلك على اختيارات ذلك الشعب مستقبلا.

صورة النائب

خليفة القطان، العضو المنتخب، ١٩٦٥

اللوحة أعلاه هي بعنوان “العضو المنتخب” وهي من أعمال الفنان الكويتي الراحل خليفة القطان [1. خليفة القطان والنظرية الدائرية هو موضوع رسالة دكتوراتي] من عام ١٩٦٥، اللوحة تمثل رأي القطان الصريح – وربما شديد القسوة – ببعض الساسة من مرشحي مجلس الأمة الكويتي، نشاهد بالجانب السفلي منها هؤلاء المرشحين في فترة الانتخابات وهم يتمسكنون للناخب ويبدون له وكأنهم حملان بريئة وديعة، ثم بالقسم العلوي نشاهد النائب بعد أن فاز بعضوية المجلس وهو يعطي الناخب الـ”ثمبز داون” والكشرة تشق فاه وكأنه يقول له: “عليك واحد!“.

خليفة القطان، العق لتصل، ١٩٦٧

في هذه اللوحة نجد خليفة القطان يقدم لنا مخلوقا مشابه للمخلوقات في الصورة السابقة وإن كان يبدو أكثر وحشية، نشاهده هنا مستعد للعق أقدام الناخبين في سبيل صعود السلم الأخضر.

هاتين اللوحتين تعتبران مثالين على ما يطلق عليه اسم مرحلة نضج النظرية الدائرية (السيركلزم Circulism) التي قدم خلالها خليفة القطان أجرأ أعماله الناقدة للمجتمع الكويتي خلال فترة ما بعد الاستقلال، وهي ذات الفترة التي شهدت الانتعاش الاقتصادي للدولة وشعبها… وفي نفس الوقت فترة تبدل قيم ومفاهيم ذلك الشعب بسبب ذلك الانتعاش الاقتصادي وما صاحبه من تغيرات اجتماعية.

تذكرت هاتين اللوحتين بعد أن قرأت مؤخرا مقالا للأخ مطقوق في مدونته بعنوان إنردها والذي أقتبس منه هذه الفقرة:

… أنا أجد شعار إنردها أو لنعيدها كما كانت شعارات تلعب على الوتر النوستلجي عند الناخبين , النوستلجيا هي الحنين الى الماضي و الإعتقاد بأنه كان أفضل من الحاضر , و هذا شعور مزيف على العموم , فعن أي ماضي افضل يريدون أن يرجعونا ؟

هل هي فترة الستينيات ؟ ألا يعلمون بأن المجلس الأول كان في 63 و بعده بسنة حصلت الأزمة الوزارية التي كشفت عورة المجلس و الديموقراطية و جعلت رئيس المجلس يستقيل كفرا منه بالمجلس و نوابه الذي لم يكونوا أكثر من شخشيخة بيد هذا الشيخ او ذاك ؟ ألم يسمعوا عن تزوير الإنتخابات في 67 ؟ إنردها حق شنو ؟

هنا نجد بأن خليفة القطان بنظرته المحللة للمجتمع الذي عايشه قد استشف حالة التخلف الاجتماعي/السياسي التي عاشها المجتمع الكويتي وقدم لنا توثيقا فنيا راقيا لتلك الحالة.

[quicktime]http://www.moayad.com/p/taasese.mp4[/quicktime]

يا شيخ!

في مقطع الفيديو الشهير أعلاه نستمع للدكتور أحمد الخطيب متحدثا عن مرحلة بدايات الديموقراطية في الكويت (وهو أحد المعاصرين لتلك المرحلة)، يذكر لنا في هذا الجزء حادثة طريفة حدثت بعد إتمام الانتخابات الأولى للمجلس التأسيسي تتلخص بأن بعض النواب (لجهلهم بأصول الديموقراطية) وفي أول اجتماع لهم اصطفوا من أجل السلام على “زملائهم” الوزراء وتقبيل خشومهم.. لكونهم “شيوخا” طبعا!!

فهل تطورت الديموقراطية منذ ذلك الوقت وتغير المجتمع بشكل متماش مع ذلك التطور؟

صورة الشيخ نعم تغيرت، التقدير الاجتماعي للشيخ في مجتمعنا القبلي ما يزال قائما، لكن سياسيا زالت رهبة المشيخة، فأصبح الشيخ يعامل كأي مواطن عادي يؤدي وظيفته، حتى رئيس الوزراء صار ينتقد ويحاسب بل ويهتف ضده حتى في الشارع، وقس على ذلك حالة بقية الشيوخ في كافة المناصب الحكومية والأهلية.

هل معنى ذلك أن ديموقراطيتنا اكتملت؟

مو لهالدرجة 🙂

لا نستانس كثيرا بتجمعاتنا الإرادية ولعلعتنا بالصحف والدواوين والمدونات وتويتر، فرغم أن هناك أمورا تغيرت للأفضل منذ الستينات إلى الآن إلا أن هنالك أمورا مازالت على حالها… وأخرى سارت للأسوأ!

الوطن، ١٧ يناير ٢٠١٢

يا نايب!

بينما صورة الشيخ السياسة اعتدلت في مجتمعنا.. نجد صورة النائب سارت في طريق مضاد! لسبب ما نجد أن النائب أو حتى المرشح لمجلس الأمة يرسم المجتمع حوله هالة تفوق حجمه الطبيعي بكثير.. سواء كانت هذه الهالة إيجابية أم سلبية، بمعنى آخر نجد من بيننا من يمجد النائب أو المرشح ويمنحه من الصفات والألقاب ما يثير غيرة مغنيي البوب! أصبحنا نرى بعض الشباب (بل وبعض الشياب أيضا) أصبحوا بمثابة المعجبين أو الـFan Boys لهذا النائب (أو المرشح) أو ذاك، بعضهم يزين “أفتاره” بصورهم وأسمائهم وآخر يتغنى بكلماتهم وأقاويلهم، أحدهم يسطر لهم الشعر تمجيدا وآخر ينشد في حبهم الأناشيد.

هل هذا التمجيد للنواب والمرشحين أمر طبيعي؟

كلا! إن كنا تعلمنا من التاريخ شيئا فهو أن “الحي يقلب“! بل أحيانا حتى الميت يقلب!! ألا يدرك أولئك المداحون والممجدون بأن ليس في السياسة صديق دائم ولا عدو دائم؟ وأن من يمدحون اليوم قد يذمون غدا، وأن من يهاجمون اليوم قد يتحسرون على أيامه غدا؟ تلك هي طبيعة السياسة في كل مكان وزمان وهي ليست منا ببعيد.

ألا يدرك أولئك المداحون والممجدون بأن نائب الأمة ما هو إلا موظف يؤدي وظيفة يأخذ عليها معاشا من الدولة… حاله حال شرطي المرور أو موظفة الملفات بالمستوصف؟ نائب الأمة ليس قائدا قوميا يسير خلفه الشعب في طريق الرفعة والسمو، وليس قائدا فكريا تخلد كلماته كنبراس ينير لنا الدروب، وليس نبيا مرسلا يشفي الأبرص والأكمه وتمطر له السماء وينشق له البحر والقمر! نحن من نعطي هؤلاء النواب “خبة” من أنفسهم ونحولهم إلى أسود ضارية حينا وأبقارا حلوبة في حين آخر… بالضبط مثل المخلوقات التي صورها لنا خليفة القطان! نحن من نقوم بنفخ هؤلاء النواب كما كنا ننفخ الشيوخ من قبل، بل حتى أن الشيوخ اليوم أصبحوا يفكرون بترشيح أنفسهم ليحصلوا على بعض المجد الذي يسبغه البعض على مرشحيهم ونوابهم! اليوم أصبحنا نحمل النواب على أكتافنا ونطوقهم بالورود… فأي من الشيوخ اليوم يحصله كتف يحمله؟

نواب على الأكتاف، نوع آخر من 'الفشيلة'؟

أرسلت قبل عام تقريبا مجموعة من التويتات إلى أحد النواب الكرام مخاطبا إياه حول موضوع دوره كنائب ودوري كمواطن والعلاقة بيننا كما بينها الدستور، أخبرته بأن الدستور أعطى القوة والسيادة لي أنا كمواطن وجعلني أنا مصدرا للسلطات جميعها.. أما أنت كنائب فلست سوى أداة من أدواتي التي أستعملها لممارسة سيادتي، أخبرته كذلك بأنه (هو وجميع النواب) ليس قائدا لي… فأنا كمواطن أقوده هو كنائب، وظيفته أن يمثلني ويعبر عن رأيي… لا أن يفرض علي رأيه أو أن يستغلني لتحقيق ما يريده هو، أخبرته كذلك بأني مواطن واع وأعرف ما هو دوري وما هو دوره وأني لن أسمح له بتجاوز هذا الدور باستئساده التغريدي المصطنع. طبعا نظرا للروح الديموقراطية العالية التي يتمتع بها الأخ الفاضل “كشت” بتويتاتي هذه كلها ولم يرد علي إلا عندما هنأته بمناسبة مرور شهر على إنشاء حسابه على تويتر ليشكرني ويدعو الله بأن يمد أعمارنا بالعمل الصالح!!

يعني ما ندعم أحدا من المرشحين؟

ما قلت جذي، إن كنا سندعم ونعمل فذلك يجب أن يكون دعما لفكر المرشح وليس لشخصه، بالوضع الديموقراطي الطبيعي فإن الناخبين يقدمون الدعم للحزب الذي يمثله المرشح وليس للمرشح بذاته، فالفكر العام للحزب هو الذي يعطي له الناخبون دعمهم، النائب كشخص مهما بلغت كاريزميته ومهما كان فلتة زمانه شعبيا فإنه لن يستطيع أن يعيش دور “القائد” لأنه لن يحيد أو “يقلب” على فكر حزبه الا في قرارات محدودة مثل حق الإجهاض أو حق حمل السلاح (كما هو حاصل في أمريكا).. أما التوجه الفكري العام فلن يستطيع التلون فيه كما يشاء من أجل استمالة هذه الفئة أو تلك الطائفة من المجتمع، بالتالي حتى المتطوعون للعمل في الحملات الانتخابية لؤلائك المرشحين ومن يدافعون عنهم في تويتر مثلا إنما يعملون لتوافق فكرهم مع فكر حزب ذلك المرشح وليس لأن ذلك المرشح “بطل” قومي يحمل على الأكتاف، الوضع عندنا في ظل عدم وجود قوانين تنظم العمل الحزبي جعل للأفراد عندنا قوة توازي قوة الأحزاب، فالنائب لديه فرق إعلامية ولديه كتاب بالصحف يكتبون عنه وعن أخباره بل وحتى قنوات فضائية تعمل له… كل ذلك دون حسيب أو رقيب… وهذا أمر غير طبيعي وله نتائج خطيرة.

اقلب الصورة

نحن بحاجة اليوم لكي نعيد صياغة الثقافة الكويتية بحيث نعيد نائب مجلس الأمة إلى حجمه الطبيعي، علينا أن ندرك ماهو دور هذا النائب وما هو دورنا نحن وفقا للدستور، قرأت قبل فترة مجموعة تويتات من أشخاص مختلفين تسأل عن ماهي الصفات الحميدة التي يجب أن يتصف بها النائب المثالي؟ أو تستعرض هذه الصفات بشكل يصور لنا هذا السوبرمان التقي الورع القوي الأمين عريض المنكبين شنكول الحرقات شلولخ الذي يستحق أن نعطيه صوتنا! إشدعوه؟! يجب أن ندرك بأن المرشح بنهاية الأمر إنسان.. وسياسي (بكل ما تمثله هذه الكلمة) ولا شيء أكثر من ذلك.. فلا تعطه أكبر من حجمه حتى لو كان ذاك المرشح صديقك أو حتى أباك! نحتاج كذلك لأن نبدأ التفكير جديا بتنظيم العمل الحزبي السليم بدل حالة السبهللة التي نعيشها حاليا.

البعض منا لديه ترسبات قبلية أو مذهبية أو طائفية تؤثر في اختياره لمرشحه… هؤلاء خارج الحسبة ولست أعنيهم في مقالي هذا لأنهم إلى الآن لم يصلوا للمستوى الثقافي اللازم لإدراك ما أقول في مقالي هذا.. ولأني لا أتحدث أصلا عن أسس اختيار المرشح بل عن تغيير صورة النائب، حديثي اليوم هو لمن يريد أن يرتقي بفكر هذا المجتمع للمرحلة الجديدة من الديموقراطية الكويتية، هؤلاء هم من يعتمد عليهم ومن آمل أن تصل لهم كلماتي، فهل وصلت لكم؟