أرشيف الوسم: Kuwait

مزرعة الصحة

الأنباء 1 يونيو 2020

الصحة تقوم في الوقت الحالي بتتبع أعداد الإصابات في المناطق المعزولة، حيث يقطنها أعداد كبيرة من الوافدين والعزاب، ممن لا يلتزمون التعليمات الصحية والتباعد الاجتماعي. […] المرض لن ينحسر في هذه المناطق، إلا من خلال تطبيق المناعة المجتمعية.

رئيسة المشرفين الصحيين في منطقة العاصمة بالصحة الوقائية

جميع الحيوانات سواسية، لكن بعض الحيوانات أكثر مساواة من غيرها.

جورج أورويل، مزرعة الحيوانات


التفاصيل في مقال حصار المهبولة.

حصار المهبولة والعزل العنصري

في مرحلة متقدمة من أزمة جائحة الكورونا أصدرت الحكومة الكويتية بالسادس من أبريل 2020 قرارا بعزل منطقة المهبولة (وجليب شيوخ) بحجة انتشار المرض بين سكانها وبالتالي الحد من انتشاره خارجها. وبعد شهور من هذا العزل لنا أن نتساءل أولا عن فاعليته وتحقيقه للهدف منه، وثانيا عن آثاره الاجتماعية والثقافية، وأخيرا عن الدروس المستفادة منه.

يسكن المهبولة ما يقارب المئتي ألف نسمة، ومن الشائع عنها أنها منطقة تسكنها العمالة الوافدة، وإن كان سكانها من جنسيات مختلفة (بما في ذلك الكويتيين) وتوفر بعض بناياتها سكنا لعمال بعض الشركات الكبيرة ومدرسي بعض المدارس والجامعات وغيرهم من الفئات السكانية المختلفة، كما تحوي العديد من المحلات التجارية والعيادات الطبية والمستشفيات والمطاعم والنوادي وغيرها.

أثناء فترة العزل عانى سكان المنطقة من الكثير من المشاكل، أبرزها صعوبة الحصول على متطلبات المعيشة الأساسية، فغالبية شركات التوصيل لا تستطيع (أو ترفض) دخول المنطقة، كما أن المنطقة ليس بها جمعيات تعاونية ولافروعها ولا مركز صحي. تمت محاولة حل بعض هذه المشكلات بإنشاء فرع مؤقت لجمعية الفنطاس داخلها وفرع للتموين ومركز صحي ميداني، وهي إجراءت ترقيعية… اسألوا سكان المهبولة عنها! مشكلة أكبر تواجه بعض سكانها كذلك هي فقدهم لوظائفهم ومصادر رزقهم بسبب عزلهم عنها.

الحديث بالفقرة السابقة هو عن بعض المشاكل المادية، ولكن هنالك مشاكل اجتماعية ونفسية وثقافية لا تقل عنها، ناهيك عن المشكلة الصحية الأساسية. ففيما عاشت بقية مناطق الكويت حظر تجوال كلي لمدة 20 يوما عانى السكان من خلالها من مختلف أنواع المشاكل والضغوطات… نجد المهبولة تستمر معاناتها من مشاكل وضغوطات مشابهة لمدة استمرت ما يقارب الشهرين حتى وقت كتابة هذا المقال.

والسؤال هنا…

ماذا استفدنا من العزل؟

عند صدور قرار العزل كان مقررا له أن يستمر أسبوعين حتى يتم السيطرة على الوضع، فكيف تحول الأسبوعان إلى شهرين؟ وماذا نستنتج من هذا التمديد؟

إذا اعتبرنا المهبولة المعزولة بسكانها المئتي ألف مجتمعا مغلقا صغيرا فذلك يجعلها ما يمكن اعتباره مجموعة قياسية، فالإجراءات التي تم تطبيقها عليها خلال شهري العزل ومقياس نجاح تلك الإجراءات هو دليل على ما يمكن تطبيقه على الدولة ككل. بمعنى آخر… إذا اعتبرنا سكان المهبولة بأنهم “فئران تجارب” الإجراءات الصحية فإن النجاح بالسيطرة على انتشار المرض فيها هو دليل على نجاح تجربة يمكن تطبيق إجراءاتها على الكويت ككل، والعكس أيضا صحيح، إن كانت الدولة قد فشلت في السيطرة على المرض بين 200 ألف شخص معزولين عن العالم في المهبولة (و300 ألف في جليب الشيوخ)… فكيف ستنجح بالسيطرة عليه بين 4 ملايين من بقية سكان الكويت ممن يسرحون ويمرحون دون عزل؟

باعتبار عزل المهبولة كتجربة علمية فإن الفشل بالسيطرة على المرض فيها يمكن اعتباره إما ضعفا بالقدرة على التخطيط والتنفيذ، وتلك كارثة إدارية تنذر بمصيبة أكبر تعم البلاد، أو أنه فشل متعمد… وتلك مصيبة أكبر!

حرس الحدود عند السور الحديدي المحيط بالمهبولة

العزل الثقافي

فكرة العزل الثقافي ليست جديدة ولا غريبة علينا ككويتيين، تحدثت عنها سابقا في مقال ثقافة السور، فذلك السور الحديدي القبيح المحيط بالمهبولة قد يحمل دلالة ثقافية أكثر قبحا من شكله بكثير.

غير الملتزمون من الكويتيين أضعاف غير الكويتيين

النظرة الشائعة التي تحدثنا عنها أعلاه عن كون المناطق المعزولة هي مناطق “وافدين” هي واحدة من المعضلات العويصة في قضية عزل أو حصار المهبولة، وذلك ليس أمرا مستغربا في ظل العقلية العنصرية التي كانت سائدة لعقود طويلة وتفاقمت بشكل ضارٍ وجلي خلال أزمة الجائحة. أدت هذه العقلية العنصرية لانتشار فكرة أن سبب تفشي المرض في هذه المناطق سببه تكدس العمالة بكثافة عالية حينا، وعدم وعي تلك العمالة واستهتارها بالقوانين حينا آخر. يتم لوم سكان تلك المناطق بشكل صريح أحيانا، وفي أحيان أخرى يكنى عن ذلك بلوم من يطلق عليهم اسم “تجار الإقامات” ممن تسببوا بهذا التكدس. لن أتناقش هنا بمن هو أكثر وعيا، الوافد أو المواطن، لأن في ذلك تعميما مرفوضا، لكن أرقام مخالفي الحظر الرسمية التي تنشرها وزارة الداخلية يوميا وفيديوهات المواطنين بالخيران تقول بعكس الرأي الشائع.

مثال على تجاهل قيود حظر التجول بالخيران وغيرها من المناطق الساحلية

أكذوبة التكدس

نقطة أخرى تضلل الرأي العام في الكويت وهي إحصاءات حالات الإصابة الرسمية، وهي أرقام من المفترض بأنها جامدة ولا يختلف عليها، لكن الطريقة التي تقدم وتقرأ بها هي ما يمكن التلاعب به. تلك الأرقام إن قُرأت بالشكل الصحيح تبين لنا أنه على عكس الاعتقاد السائد بأن المرض مستشر بين جنسيات الوافدين المتكدسين وقليل الانتشار بين الكويتيين فإنه واقعيا لا يفرق كثيرا بين المجموعتين… إحصائيا!

بداية يجب أن أسجل اعتراضي على تقسيم المرضى بين كويتيين وغير كويتيين، فالمرض لا يعرف فرقا بينهم، والفيروس يجري بالدم الكويتي كجريانه بدم غير الكويتي، وقد فصلت بذلك بمقال للكويتيين فقط، ولكني أورد هذه الإحصاءات فقط لتوضيح سوء الفهم الدارج عند الناس. ببداية الجائحة كانت أرقام الإحصاءات تذكر دون تحديد جنسية المصابين، وكان ذلك أمرا حميدا برأيي، لكن الناس حينها أخذت تطالب بذكر جنسيات المصابين… لغرض في نفسها، فما كان من السلطات الصحية إلا أن استجابت لمطالبهم مما أسعد أصحاب رأي “شوفوا شلون المرض منتشر عند الوافدين أكثر!” وهي بالطبع مغالطة لم تكلف السلطات تصحيحها للناس.

عدد سكان الكويت حسب آخر التقديرات هو ما يقارب الأربع ملايين وسبعمئة ألف نسمة، يمثل الكويتيون منهم ما يقارب الـ 30 بالمئة. الآن إن افترضنا أن المرض انتشر بالتساوي بين السكان، يفترض منطقيا إذن أن تتوزع أرقام الإصابات بنفس نسبة السكان، أي أن تكون نسبة الكويتيين المصابين بالمرض من إجمالي عدد الإصابات هي 30 %، فكم تعتقد هي النسبة الحقيقية؟

لم أجد إحصائية شاملة لنسب الإصابات حسب الجنسيات، خاصة وأن نسب إحصاءات الأيام الأولى غير متوفرة كما ذكرنا، لذلك قمت بجمع أرقام الإصابات الجديدة للخمسة أيام الماضية كعينة إحصائية، وهي من أيام الحظر الشامل، وكانت النتيجة كما يلي:

المصابين الكويتيين = 1057
المصابين من غير الكويتيين = 4234

مرة أخرى، ظاهريا عدد المصابين من غير الكويتيين أكبر بكثير من عدد الكويتيين، وتلك هي الأكذوبة التي يعتمد عليها من يلوم الوافدين على تكدسهم وعدم التزامهم، لكن إن أخذنا النسبة بين العددين نجد بأن عدد الكويتيين المصابين يصل إلى 26% من المجموع، أي أنه عدد قريب من نسبة الـ 30% التي افترضناها منطقيا. بمعنى آخر الإصابات تتوزع نوعا ما بالتساوي بين الجنسيات رغم فرضية التكدس وعدم الالتزام التي صورت لنا بأن مناطق الوافدين هي بؤرة المرض ومستنقع الجائحة.

طبعا هذه الأرقام والإحصاءات الرسميةمن الأساس لا تعكس الحقيقة بشكل دقيق، ولا أذكرها هنا بإيمان مطلق بأهميتها، ولكن ما يهمني هنا هو الجانب الثقافي المتعلق بكيفية قراءتها، وكيف يمكن أن يخدع الناس بها، وكيف يمكن أن تستغل لإيصال أفكار خاطئة للجماهير تؤثر على معتقداتهم وآرائهم وقراراتهم، وكيف يمكن للفهم الخاطئ أو المضلل للأرقام أن يبني ويعزز الفكر العنصري.

اللوم العنصري

هل عملية اللوم العنصري هذه أمر طبيعي؟ وهل أتت من فراغ؟ لا أعتقد ذلك، بل إني أجرؤ أن أقول بأنها عملية منظمة بشكل ما. تزايد وتيرة الخطاب العنصري خلال هذه الأيام هو أولا نتيجة تراكمات الثقافة العنصرية كما فصلت بثقافة السور، وأيضا نتيجة الخطاب الوطني/القومي المطروح بسذاجة بالإعلاميات التي انتشرت خلال الجائحة، والطرح الوطني/القومي وأثره في إثارة العنصرية هو أيضا موضوع تحدثت عنه بالتفصيل سابقا بمقال الصورة الكبيرة. مما بالغ بتعظيم دور الخطاب العنصري هذه المرة أيضا هي الرسائل مجهولة المصدر المتداولة أو تصريحات بعض المشاهير المنتشرة بالإعلام بالإضافة لبعض حسابات مواقع التواصل الاجتماعي التي نراها تتحرك بشكل منظم لإثارة النعرة العنصرية… وفوق ذلك تجاوب السلطات الرسمية معها. مسألة الرسائل الإعلامية الرسمية والشعبية قد تكون موضوع مقالات قادمة.

نوم شومسكي عن ترمب:
– يلوم أطراف خارجية كالصين ومنظمة الصحة، أمر سهل بيعه للجماهير
– يقنع الجماهير أن الأصوات المعارضة عبارة عن إشاعات تدمر قيادته الحكيمة
– يشبهه بالنازية، مع اختلاف أنها كانت تسيطر على التجارة، بينما ترمب يخدم التجار طالما كان ذلك يخدم نرجسيته

بالنسبة للسلطات فإن عملية اللوم الشعبي العنصري لتلك الفئات المستضعفة هي هدية من السماء! فكرة أننا كسلطات نعمل بأقصى جهدنا ونضحي بأرواحنا وبثرواتا من أجل إخراج الناس من براثن هذه الجائحة… لكن هؤلاء الناس هم من يصعبون حياتنا بسبب تكدسهم حينا… أو بسبب مشاكلهم وعدم احترامهم لتوجيهاتنا واحتجاجاتهم وفوضاهم حينا آخر، فكيف سننجز في ظل هذه المشاكل التي يسببها الوافدون ومن جلبهم لنا ورماهم؟ لوم الآخر والتعلل بالخطر الخارجي تكنيك تلجأ له الأنظمة الحاكمة بكل مكان بالعالم، تكنيك رغم أنه مفضوح إلى أنه غالبا ما ينجح باستمالة الجموع قليلة الوعي.

الدرس المستفاد

هل استفادت السلطات الصحية والحكومية من شهري حصار المهبولة؟ من الواضح جدا أن الجواب لا مدوية! بالنسبة لجليب شيوخ فما زالت تنافس بصدارة الأرقام الرسمية (سواء صدقناها أم لا) لعدد حالات الإصابة بالمرض اليومية، أما المهبولة فتصعد حينا بالتوب 4 وتختفي أحيانا أخرى، بل إن مناطق أخرى دخلت في سباق الإصابات وتجاوزتهما كالفروانية وخيطان (أيضا من ما يطلق عليها اسم “مناطق الوافدين”). فكيف تعاملت السلطات مع هذه التطورات؟ طبعا بالمزيد من العزل والحصار!

خلال الفترة القريبة من عيد الفطر أثناء مرحلة الحظر الشامل أرخت السلطات الحصار على المهبولة قليلا، فتم السماح لسكانها بالخروج من المنطقة خلال فترة السماح بالمشي من 4 ونصف إلى 6 ونصف كبقية المناطق من خلال بعض بوابات السور التي تم فتحها لهم، لكنه كان إرخاء “مفرطا” إن صح التعبير، فانتشرت فجأة تسجيلات مصورة للناس وهم يلهون ويتنفسون بحرية على شاطئ البحر بعد شهور الحبس الطويلة، الأمر الذي أعاد استثارة الناس ضدهم ممن صوروهم وكـأنهم مستهترون ومتمردون ويجب قمعهم وإجبارهم على “احترام الدولة”! فما كان من السلطات إلا الامتثال لتلك الأصوات وإعادة إغلاق البوابات بعد أن ظن سكان المهبولة لوهلة أن الفرج قريب وأن حصارهم سينتهي.

من ناحية أخرى صدر قرار بتمديد عزل المهبولة وجليب الشيوخ، بل وتوسعة نفس فكرة العزل على مناطق أخرى وهي الفروانية وخيطان وحولي والنقرة وميدان حولي (مرة أخرى “مناطق وافدين”) اعتبارا من تاريخ 30 مايو 2020. طبعا حتى هذه القرارات تستند على نفس القراءة المغلوطة للأعداد، فالفروانية مثلا من المناطق المتصدرة لأعداد الإصابات، ظاهريا هذا شيء مفزع! لكن إن وضعنا بالاعتبار أن منطقة الفروانية هي بالأساس ذات كثافة سكانية عالية (محافظة الفروانية تحوي ربع سكان الكويت تقريبا!) فإنه من الطبيعي أن يكثر عدد الحالات فيها، لذلك اعتبارها منطقة موبوءة تستحق العزل قرار متخبط ويستند على قراءة عاطفية للأرقام… وذلك يمثل حلقة بسلسلة فشل التخطيط.

نعود مرة أخرى لفكرة العزل ذاتها، إن كانت فكرة حصار المهبولة فاشلة ولم تحقق أهدافها المعلنة فلم الاستمرار بها بنفس الطريقة بعد طول هذه المدة؟ وبأي منطق علمي تعمم التجربة الفاشلة على مناطق أخرى؟ هل هناك منطق تم الاستناد عليه غير الأرقام المعلنة؟ هل هناك حقائق أخرى لا نعرفها أدت لتلك القرارات؟ ولم لم تُعرض وتفسر تلك الحقائق؟ تلك أسئلة لم تقدم لها إجابات… بل لم تطرح أساسا ولم تخطر على بال الواثقين ثقة عمياء بقرارات السلطة ممن أيديهم بالماء ولا يشعرون بأثرها على السكان المحاصرون!

“كلو نفرات من شان وقف خبز هو روح”

منظر يومي من معاناة سكان جليب الشيوخ وطوابير توزيع المواد الغذائية الطويلة.

هناك بالطبع احتمالات أخرى، وهي أن لحصار المهبولة -وغيرها – أهداف أخرى… غير معلنة، ولنا هنا أن نتساءل عن تلك الأهداف. هل هي وسيلة للضغط على تجمعات الوافدين؟ هل هي خطة للكشف عن متجاوزي قانون الإقامة؟ هل هي لأسباب سياسية؟ هل هي محاولة لإرضاء الرأي العام الغاضب من فشل السلطات في السيطرة على المرض؟ لو كانت الإجابة بنعم على أي من تلك الأسئلة فإن ذلك سيكون كارثة أخلاقية كبرى، أن يستغل الوضع الصحي لحقيق مآرب سياسية أو غيرها.

هل هي صدفة أن يسبق قرار تمديد العزل استعار الحملات العنصرية ضد الوافدين على مواقع التواصل الاجتماعي… والجالية المصرية على وجه الخصوص؟بل نجد حتى تلفزيون الدولة الرسمي قد عرض مسرحية للصبر حدود (1980) في نفس يوم إعلان التمديد، وهي مسرحية تدور قصتها حول رجل كويتي يتزوج من فتاة مصرية مما يتسبب بمشاكل وخلافات في بيته! ثم هل هي صدفة أيضا أن يعلن قبل قرار التمديد بأيام قليلة عن حزمة من المكافآت المادية للعاملين بما يطلق عليه اسم “الصفوف الأمامية” المتضمنة بالطبع أفراد السلطة الأمنية… وهم نفسهم من سيتولون عملية حصار المناطق الجديدة؟

أعلم أن تلك أسئلة كثيرة لا نملك إجابتها حاليا، ربما سنجيبها مستقبلا، لكنها أسئلة تستحق أن نطرحها ونفكر فيها. أو يمكنك أن تتجاهلها، وتعيش حياتك مصدقا كل ما يقال لك وواثقا بقرارات السلطات وبحكمتها بإدارة الجائحة، لكن فقط تذكر بأنه في الوقت الذي تجلس فيه ببيتك مرتاحا، أو ربما متضايقا قليلا بسبب تأثير الحجر على مواعيد قهوتك وملذاتك وزياراتك الاجتماعية، هناك بنفس الوقت من يعاني معاناة حقيقية تهدد أمنه وقوت يومه وحتى صحته وحياته بظل الحصار الذي يحيط بالمنطقة المكتوبة ببطاقته المدنية. تجاهل هذه الأسئلة الآن إن أردت، لكن إن تسبب هذا الحصار بمعاناة غيرك… أو حتى ثورتهم وانفجارهم… أتمنى أن يتحرك ضميرك قليلا.


تحديث 1: نسبة إصابات الكويتيين خلال الأيام التالية لنشر المقال تجاوزت الـ 30%.

تحديث 2: مؤسف أن تصدق الشكوك، فلأول مرة يخرج تصريح من مسؤول بالسلطات الصحية بخصوص المناطق المعزولة مسميا إياها مناطق “وافدين” و”عزاب“، وذاكرا أن لا خطة للوزارة بخصوصها سوى تركها لمناعة القطيع!

الأنباء، 1 يونيو 2020

اقتصاد السمبوسة

قد يختلف معي المتخصصون بالاقتصاد لما سأطرح في هذا المقال، لكن الحديث الذي سأسطر سيأخذ منحى ثقافيا وليست اقتصاديا بحتا، رغم أن المجالين بينهما ارتباط وثيق. 

أزمة الوباء وتداعياتها من حجر وحظر تجوال وتباعد اجتماعي والخوف والحذر الناتج عنها وضحت لنا أمرا قد كان خاف علينا إلى حد ما، وهو مقدار التناسب بين احتياجاتنا وبين اهتماماتنا، بكافة الجوانب… وبالجانب الاقتصادي على وجه التحديد. اكتشفنا مثلا بسبب ما فرض علينا من قيود أن الكثير مما كان يحصد اهتمامنا عبارة عن كماليات ليس لها فائدة فعلية، وهي كماليات وجدنا أنفسنا مضطرين لتركها إما خوفا أو إجبارا.

بمعنى آخر… نحن قادرون اليوم على التخلي بسهولة عن الكثير من القطاعات التجارية التي كنا نعتقد بأن الحياة لا يمكن أن تستمر إلا بها. تلك القطاعات أخذت منا اهتماما عاطفيا كبيرا بسبب ملاحقتها لنا وإحاطتها بنا، فأصبحت جزءا من حياتنا واقتربنا من كوننا عبيدا لها، بمعنى آخر… دخلت في نسيجنا الثقافي

ما هي تلك القطاعات التجارية؟ دون تحديد، فقط فكر بما كنت معتادا أن تنفق عليه أموالك قبل شهرين أو ثلاثة وقارنه بما تنفقه اليوم، أو ارجع لكشف حسابك البنكي لتتأكد. كم من تلك الأنشطة التي اختفت من سجل إنفاقك أنت محتاج لها في عزلتك؟ كم منها تشتاق لها عاطفيا حتى لو لم تحتجها؟ وكم منها لا يفرق معك فقدانها… أو ربما أنت سعيد ومرتاح بالتخلص منها؟ كم من تلك الأنشطة وجدت لها بديلا يغني عنها؟

الأمر لا يقتصر فقط على ما تنفقه شخصيا، حاول أن تتذكر الإعلانات التي كانت تطاردك بالشارع أو التلفزيون أو على الإنترنت، أو فكر بأشياء لم تكن تنفق عليها فعليا، بل تهفو لها نفسك من حين إلى حين عندما تراها أو تسمع بها من حولك. تذكر تأثير كل ذلك التسويق المباشر وغير المباشر عليك، تأثيره على نفسيتك وعلى تصرفاتك وحديثك وأطباعك. عملية التسويق والرسائل اللاواعية الموجهة للجمهور لها تأثير لا يقل عن تأثير عملية الشراء ذاتها، فالشراء أو الصرف يأتي غالبا نتيجة لذلك الثأثير وليس المسبب له.

مجموع المؤثرات والتصرفات والأفكار التي تحدثنا عنها هي جزء مما يطلق عليه اسم المزاج الاجتماعي (Social Mood)، وذلك المزاج الاجتماعي هو دافع له تأثير مباشر على الحركة التجارية… ومتأثر بها بنفس الوقت. بمعنى آخر توجهات السوق تتوافق مع أفكار وتوجهات وعادات المستهلك، وليس احتياجاته فقط. 

لنحاول تبسيط ما يحدث أثناء عملية التسويق. في الأحوال المثالية المجردة المنتِج أو التاجر يعرض سلعا معينة، المستهلك يشتري منها ما يحتاج ويترك الباقي، التاجر يحاول عرض المزيد من المنتجات المطلوبة ويقلل مما لا يحتاجه الناس، ومسألة الحاجة تلك متغيرة حسب الوقت أو الظروف أو الموسم. كذلك الأمر بالنسبة لعملية العرض، فحتى المستهلك يتأثر بما يعرض له بالسوق ويكيف حاجاته مع ما هو متوفر. بشكل عام عملية العرض والطلب هنا تسير بخط شبه مستقيم ومتوقع.

الكلام في الفقرة السابقة يتكلم عن أحوال مثالية مجردة شبه وهمية في زمننا هذا، فالتاجر بالغالب لن يجلس مكتوف اليدين منتظرا أن يحتاج المستهلك لبضاعته أو خدمته، بل يقوم بخلق تلك الحجة! وهنا يأتي دور التسويق. من خلال التسويق يتم الإيحاء للمستهلك بأنه محتاج لتلك الخدمة، أو أن حياته ستصبح أفضل مع ذلك المنتج. تلك العملية يمكنها أن تحدث تأثيرا اجتماعيا خارجيا بمزاج المستهلك، فيسعى نحو المنتج المسوق دون أن يلاحظ إن كان منه حاجة حقيقية أم أنه واقع تحت تأثير سحر التسويق.

والعكس يحدث كذلك، توجهات الناس وأفكارهم وعاداتهم وثقافتهم المتغيرة قد تتطلب منتجات أو خدمات جديدة، أو تتوجه نحو مجال معين عوضا عن مجال كان سائدا بالسابق. ومرة أخرى على المنتج أو التاجر أن يتكيف مع ذلك التغيير، فإما يبتكر منتجات تلبي متطلبات المستهلك، أو يركز نشاطه على تلك المجالات التي عليها الطلب الأكبر. الفرق هنا عن الحالة المثالية الوهمية التي ذكرناها سابقا هو أن تلك التوجهات والعادات والثقافة المتغيرة ليس بالضرورة أن تبرز بسبب حاجة فعلية، بل هي حاجة وهمية بسبب أنواع التسويق المختلفة الشائعة، لذلك قد يكون ما يتطلبه المجتمع عبارة عن كماليات استهلاكية يمكن الاستغناء عنها. الفرد بالغالب لا يدرك وهم حاجته بسبب المزاج الاجتماعي الذي يحيط به، ورغم ذلك نجد أن تأثير الطلب على تلك الحاجة الوهمية يمكنه أن يغير السوق. وهنا نصل لنقطتنا الأساسية.

في حالتنا، خلال العقدين الأخيرين تقريبا، مزاجنا الاجتماعي كان يميل للمنتجات الاستهلاكية بشكل جارف. قد تتذكرون قصصكرسبي كريم ومحل فيرجن التي تحدثت عنها قبل سنوات، أو قد تكونون قرأتم فصل Zoology بكتاب الصورة الكبيرة. وبالطبع نتيجة لتوجهنا الاستهلاكي ذلك تكيف السوق ليلبي تلك الحاجات الاستهلاكية، فأصبح التنافس على توفير تلك الحاجات عال جدا، بل وأهملت بشكل ما بقية الاحتياجات الحقيقية أو الأكثر أهمية لمسألة توازن السوق.

 ذلك التنافس التجاري والتركيز على الاحتياجات الاستهلاكية أوهمنا بأننا بخير، بأن السوق منتعش والمشاريع الجديدة تعيش حالة ازدهار. بل صرنا نفخر باستهلاكيتنا ونعتقد بأننا من روادها… وبالتالي زاد استثمارنا فيها اقتصاديا واجتماعيا وثقافيا. وبالطبع، ذلك الوهم بدأ بالتلاشي بسرعة كبيرة مع بدأ غزو الفكر الفيروسي لمجتمعنا. لم نستوعب التغيير الذي حصل بالبداية، بل حاولنا أن نعيش حياتنا المعتادة، لكن مع مرور الوقت فرض علينا أن نتنازل عن تلك الحياة ونستبدلها بحياة كنا نعتقد بأنها وهم، ولكنها حقيقة جديدة.

بوقت كتابة هذا المقال نحن في مرحلة الاعتياد التدريجي على هذه الحياة الجديدة. أصبحت الحياة الاستهلاكية السابقة إما ذكرى نسترجعها بين حين وآخر، أو أحلام وطموحات نرجوا عودتنا لها بعد أن تنجلي الغمة. لكن بين تلك الأحلام والذكريات نعيش… فقط نعيش.

حالة العيش هذه يجب أن لا تمر دون استفادة منها، لا بد من دراستها وتحليلها والتفكر فيها، وعلينا أن نعي أن حياتنا السابقة لن تعود كما كانت! لا أود الحديث عن مستقبل ما بعد الوباء فذلك موضوع طويل، لكن يكفي القول بأن تأثير صدمة الوباء نتج وسينتج عنه تغييرات ثقافية واجتماعية واقتصادية وسياسية واضحة، وعلينا أن نتحدث عنها ونتكيف معها منذ الآن.

الحياة الاستهلاكية كما أراها حمل وانزاح عنا! التفكير والتخطيط بالعودة لها سيكون غباء ثقافيا… بكل صراحة. لا أقول بأنه علينا التخلي تماما عن تلك الأنشطة الاستهلاكية لنعيش حياة التقشف! لا يمكن استمرار ذلك التقشف، بل المهم بداية هو أن نعي مقدار تفشي الفكر الاستهلاكي الذي كان المسيطر علينا، وندرك بأننا نستطيع أن نعيش حياة طبيعية دون المبالغة فيه، والدليل أننا اليوم… نعيش.

آسف على القسوة التي لن تعجب البعض، لكن من الناحية الاقتصادية لو أفلست وأغلقت أغلب تلك الأنشطة التجارية الاستهلاكية الثانوية فنحن كمستهلكين لن نخسر شيئا، بل إن خسارة أصحاب تلك المشاريع هي خسارة شخصية لهم. فمشاريعهم لا جدوى ولا نفع اجتماعي عام حقيقي منها، فهي عبارة عن مكائن للاستنفاع من احتياجات الناس الزائفة!

لا فرق بالكلام السابق بين مشاريع صغيرة وكبيرة. نعم قد نتعاطف مع خسائر بعض أصحاب تلك المشاريع لأسباب شخصية أو إنسانية، لأن منهم أقرباؤنا وأصدقاؤنا، وكذلك نتعاطف مع موظفيهم البسطاء محدودي الدخل ممن سيتأثرون كثيرا بفقدان وظائفهم، لكن علينا أن ندرك كذلك أن ما يحدث اليوم هو نتيجة سوء اختيار وسوء تقدير لجدوى تلك المشاريع وأهميتها، ونتيجة اعتماد على مزاج اجتماعي معين مع جهل أو تجاهل أن المزاج قابل للتغير.

الذي يحدث اليوم لا أعتقد بأنه يمكن أن يطلق عليه اسم “كارثة طبيعية”، بل هو تغير إنساني طبيعي. فلله الحمد لم يحدث (حتى الآن) زلزال أو حريق أو غزو أو أي ظرف خرب الممتلكات أو أباد البشر. فالمستهلكون موجودون والمنتج موجود، لكن المستهلك لا يريد أو يخاف أو ليس من مصلحته استهلاك بعض المنتجات المعروضة حاليا، سواء كان ذلك بإرادته أو كان أمرا مفروضا عليه، بل يُقبل (أو حتى يجازف بالإقبال)على ما يحتاجه فعلا لتيسير حياته، هذا هو الشيء الذي تغير.

لعقود طويلة تناقشنا حتى الملل عن أهمية تنويع مصادر الدخل عوضا عن الإنتاج النفطي، وعن خطور الاعتماد على مصدر واحد للدخل، خاصة مع علمنا بأنه معرض للنضوب. بنفس الوقت عندما “أتيحت الفرصة” للشعب لدخول المجال التجاري كرروا نفس الغلطة… بمباركة من الحكومة طبعا، حتى أصبحنا ملوك الاستهلاك وسلاطين تكرار الأفكار! نتيجة لذلك أصبح الوضع حاليا كما يقال: خبزٍ خبزتيه… اكليه!

هذه الأزمة ستكون درسا اقتصاديا قاسيا لنا (وللعالم أجمع) ستظهر نتائجه لاحقا بشكل مؤلم للكل… من تجار وحكومة وشعب! وكي أكون صريحا، كالعادة لن نتعلم منه للأسف ما لم نعي وندرك ما يجري ونتكيف معه ونحدث تغييرا حقيقيا بحياتنا، فالعيش بالجهل والأوهام والأحلام لن ينفع!

تشاؤمي مما سيحل بنا يكاد يبلغ أشده، لذلك أقترح على الحكومة والتجار الاستثمار بمجال العلاج النفسي… سنحتاجه كثيرا بالمستقبل القريب على ما يبدو.

منشار الناشرين: عن مافيا دور النشر والتوزيع

 

هناك حقيقة قد تخفى على كثير من الناس، وهي أن تجار الكتاب لا يختلفون كثيرا عن تجار العقار… أو تجار المواشي، فالأمر بالنهاية “بزنس” فيه الربح وفيه الخسارة. لتربح أكثر وتتجنب الخسارة قد تضطر أحيانا لبعض التنازلات الأخلاقية، وقد يقع منك ظلم للغير، حتى لو كان ذلك “الغير” شخص ودود اسمه… الكاتب.

قبل ما يقرب من الثلاث سنوات (عام ٢٠١٤) كتبت مقالا تحدثت فيه عن كيف غير الأدب الشبابي فكرة النشر والتوزيع الكويتي أو العربي بشكل عام، وكيف غير بعض من الناشرين ودور النشر من سياساتهم لمجاراة التغيرات الحاصلة، وتناولت فيه تأثير وسائل التواصل الاجتماعي على أولويات الناشرين، كتركيزهم على المسألة الإنتاجية أكثر من مسألة نوعية الإصدارات التي تنتجها. دافعت في حينها عن ذلك الأدب الجديد المغضوب عليه (شعبيا)، وما زلت صامدا على رأيي القديم، ولكن رغم ذلك أعترف بأني في حينها… كنت طفلاً! رغم تجربتي القصيرة نسبيا بعالم النشر، فلم تصدر لي سوى ثلاث كتب خلال السنوات الثلاث الماضية، إلى أني اكتشفت الكثير من خبايا هذا العالم غير المثالي! فبينما يحاول العاملون في هذا المجال تصوير أنفسهم بأنهم رعاة للفن والأدب والثقافة، وبينما ينظر لهم عامة الناس كذلك ويصدقون قصة نضالهم وتضحياتهم لمحاربة مغريات عصرنا الإلكتروني… فإن الحقيقة ليست كذلك دائما.

لعن الله الظروف

لا أتهم بمقالي هذا ناشري الكتب بتعمد الإضرار بالكاتب أو غيره… لكن قد تكون ظروف وحالة الكتاب في العالم العربي، بل وفي العالم أجمع، هي التي اضطرتهم للجوء للتشاطر من أجل البقاء. وضع الكتاب (والثقافة بشكل عام) صعب في وقتنا هذا، فالكتاب يكاد يسير وحيدا في طريق وعر دون قافلة ولا دليل يرشده ويدعمه ويحميه. عالم الكتاب (والثقافة والفن) عالم عالي التكلفة وضئيل المردود المادي بأغلب الأحيان ولا يتحمله إلا القليلون، وغالبا ما يكون الكاتب (أو الفنان) هم الحلقة الأضعف التي سيقع على عاتقها تحمل تلك الأعباء والتكاليف، وهم من يتوقع منهم الناس أن يحترقون ويتفحمون ليضيئو الطريق للآخرين! دور النشر (أو الجاليريهات الفنية كذلك) بالأحوال الطبيعية بالكاد يمكنها أن تستمر وتحقق ربحا معقولا في هذا العصر، لكن المقربين من هذا العالم سيدركون أن الاستمرارية والربح المعقول ليس طموحا كافيا لبعضها! فنجدها تركت دورها التنويري وأخذت تلعب دور المنشار… طالع واكل نازل واكل!

الورقة الأضعف

في عالم الكتب اليوم أصبح حصول الكاتب على عقد عادل شيء شبه مستحيل! خاصة إن كان كاتبا صغيرا. فدور النشر باختصار شديد تسعى لأن تحقق من وراء ذلك الكاتب على أعلى عائد بأقل المصاريف… أو دون مصاريف إن أمكن! فكرة الكاتب الذي يتقاضى مبلغا محترما وربما معاشا وعوائد مادية تمكنه من أن يعيش معتمدا على كتاباته (كما نشاهد في الأفلام والمسلسلات الأجنبية) هي خدعة ووهم كبير!

كيف تعمل تلك العقود؟ عقود أغلب دور النشر مع الكُتاب الصغار تتطلب أن يتكفل الكاتب بتكاليف طباعة كتبه بنفسه، أي عليه أن يدبر ويدفع مقدما مئات الدنانير للمطبعة. الكاتب كذلك يتحمل تكاليف صف الكتاب وإخراجه، وتكاليف مراجعة نصه اللغوية والإملائية، وطباعة “البروفات” الأولية منه، إهمال الكاتب أو استرخاصه لتلك الأمور هو واحد من أهم أسباب ما يطلق عليه اسم الأدب الركيك المليء بالأخطاء والمشاكل اللغوية والفنية. الكاتب غالبا ما يكون هو من يسعى لتسجيل حقوق الكتاب، ويقاتل للحصول على فسح الإعلام له إن تطلب الأمر، دار النشر لن تحرك ساكنا للدفاع عن الكاتب، وتبذل أدنى أشكال النصح والتوجيه له في مسألة الشؤون القانونية والإدارية، ذلك ليس من مصلحتها أساسا، فعلاقتها بمسؤولي الحكومة فوق كل اعتبار… كما سيتبين لنا سبب ذلك لاحقا! بعد الطبع فإن الكاتب هو من يتحمل مسؤولية تخزين صناديق الكتب، وإعادة توزيع الفائض منها.

بعد ذلك كله، وعند نهاية مشوار الكتاب من الكتابة إلى الطبع، على الكاتب أن يتنازل عن كمية محترمة من النسخ المجانية كهدية للناشر لن يتقاضى الكاتب من بيعها فلسا واحداً! فقط بعد أن تنفد تلك النسخ المجانية يحصل  الكاتب على نسبة من بيع أي نسخ إضافية، قد تكون ٥٠٪ أو حسب الاتفاق. حتى لو كان الكتاب مطبوعا وجاهزا وأراد الكاتب عرضه في مكتبات غير مكتبات الناشر فإن بعضها يطلب منه خلواً أو إيجار رف قبل أن يعرضها له (وكأنه يبيع صندوق طماط!)… بالإضافة لنسبة المبيعات طبعا! فمتى سيعوض الكاتب خسارته على الأقل؟ احتمال بعد عمر طويل… أو على الكاتب أن ينسى المادة ويكتفي بالمجد ويحترق لينير الدرب وغيرها من الكلام الأفيوني!

أضف لجميع تلك المتاعب معضلات أخرى محيرة قد يواجهها الكاتب، كمعضلة جهله بأرقام المبيعات الفعلية… أو حتى عدد النسخ المطبوعة فعليا من كتابه، وغيرها من مشاكل انعدام الشفافية والثقة، كما يذكر الروائي والصحفي جورج يرق بمقاله “لماذا لا يعيش الكتاب العرب من عائدات كتبهم؟“. فالكاتب بأغلب الأحيان يدفع مبلغا من المال للناشر كرسوم للطباعة، ودار النشر هي من يتعامل مع المطبعة مباشرة ولا أحد يدري ما هي طبيعة المعاملة تلك ولا ما يجري فيها، وحديث المطابع ذلك حديث ذو شجون!

 

حديث المطابع

لكي يستمر منشار الناشر بالأكل نازلا نجده أحيانا متعاقدا مع مطابع معينة يرشد الكاتب إليها (أو يجبره عليها!)، ليست بالضرورة أن تكون أفضل المطابع أو أوفرها تكلفة، فالهدف هو أن يأخذ الناشر منها عمولة معينة أو خصما خاصا لا يدري الكاتب عنه شيئا، وبالتالي سيدفع الكاتب أحيانا مبلغا أكبر من التكلفة الحقيقية للطباعة… والفرق بجيب الناشر طبعا! وقد يكون هذا التحالف بين الناشرين والمطابع أحد أسباب تراجع أو تقاعس النشر الإلكتروني العربي الرسمي، لأن فيه قطع لباب من أبواب الرزق الوفير.

ليس من مصلحة دور النشر ولا حلفائها من المطابع التقليدية أن ينتشر الكتاب الإلكتروني، فأولا أرباح المطابع وأحبارها وأوراقها سيخسف بها تحت تأثير انشار الكتب الإلكترونية، وثانيا عمولات دور النشر (وهي إحدى روافد دخلها الهامة) أيضا ستتضاءل، وثالثا أرقام المبيعات الإلكترونية يصعب جدا التلاعب بها، وخامسا النسب من مبيعات الكتب الإلكترونية بالغالب ستميل ناحية مصلحة الكاتب لا الناشر (في حالة كتب الكيندل الإلكترونية أمازون تمنح الكاتب ما يصل إلى ٧٠٪ من المبيعات)… وذلك أمر لا يمكن للناشر أن يقبله!

الوجبة الرئيسية

دع عنك الآن كل ما تحدثنا عنه من مصادر الأكل السابقة، هل تعلم ما هو مصدر الدخل الحقيقي لبعض الناشرين من أصحاب المكتبات الضخمة الفاخرة ذات الأفرع الأخطبوطية؟ هل هو بيع الكتب؟… القرطاسية؟… السجائر؟… لا طبعا، الجواب هو… المناقصات! طباعة مئات الآلاف من نسخ الكتب الدراسية مثلا، أو النشرات والدوريات والقرطاسية والبوسترات والإعلانات الحكومية والرسمية وشبه الرسمية، واستلام أجر سنوي ثابت مضمون منها قد تغني الناشر عن التعاقد مع الكُتاب من الأساس! لكن منشار الناشر لا يشبع منها بالطبع.

بسبب مصادر الدخل المتنوعة التي ذكرناها أعلاه وشبه انعدام التكلفة نرى الناشر غير مهتم أصلا بدوره الأساسي كبائع وناشر لكتب الكتاب الذين تعاقدوا معه وسلموه أمرهم، حتى لو كانت تلك الكتب تحمل شعاره، فتلك الكتب ليست مصدر دخله الأساسي… بل هي برستيج له لكي يظهر بمظهر الراعي للثقافة والأدب! قد يبدي الناشر اهتماما بنوع معين من الكتب ذات الشعبية الجماهيرية، كأدب المشاهير والحسنوات و”المزايين”، أو الأدب الموجه للمراهقين والمراهقات، ذلك الذي يجذب شريحة من القراء لديها الاستعداد للوقوف بطوابير التواقيع وأخذ “السِلفيات” مع الكُتاب! ذلك النوع من الكتب مفيد للناشر، ماديا بالطبع، ومعنويا كذلك لأنه يجذب المزيد من الكُتاب الطامحين لمعاملة تشبه معاملة أولائك الكتاب النجوم، لتستمر عملية النشر فيهم!

 

ماذا عن الكتب العلمية والثقافية الجادة؟ تلك الكتب هي غالبا بذيل اهتمامات ذلك الناشر بالطبع (ما لم تكن كتبا دراسية مضمونة العائد)، والمنّة على كتاب تلك النوعية من الكتب أصلا… لأن الناشر تفضل عليهم ووضع كتبهم في بقّالاتـ… مكتباته! فبعد أن ينتظر الكاتب الشهور الطويلة ليخرج كتابه للناس يصدم بالنهاية بأن كتب المراهقين والحسناوات هي ما يتصدر بهو المكتبة، بينما كتابه الجاد موضوع بالأرفف الخلفية منها، وعندما يشتكي يُمن عليه بأن كتابه موجود بالمكتبة أساسا… ومن يريده من الزبائن المعقدين المهتمين به سيطلبه بالاسم. وأسلوب المنة هذا هو أشد ما يؤلم الكاتب، ربما أكثر حتى من الخسارة المادية.

إرهاب ثقافي

المصيبة الكبرى بكل ما سبق هي أن الكاتب بالنهاية هو العامل الأضعف في معادلة النشر، وحتى لو أحس ذلك الكاتب بالظلم وحاول أن يعترض فإنه مهدد بقطع علاقة الناشر به وفقده لحق النشر، فمن السهولة أن يُسحب كتابه من مكتبات الناشر، وتعاد أي نسخ إضافية من الكتاب للكاتب ليدبر أمر بيعها بنفسه. وقد تمتد يد المافيا التي ينتمي لها الناشر لمنع بيع الكتاب حتى بالمكتبات الأخرى الحليفة لها (نعم هناك تحالفات بين المكتبات)… أو يمنع الكتاب حتى من المشاركة بالمعارض!

كل ما قلته ليس مبالغة ولا وهما ولا خيالا علميا، بل هو واقع عايشت بعض فصوله بنفسي للأسف الشديد. قليل من الكتاب يتحدثون في هذا الأمر لخشيتهم من بطش مافيا دور النشر، لأنها قادرة على إلحاق ضرر حقيقي بهم… كما ألحقته بالأدب والثقافة العربية كافة. ربما بعد هذا المقال سيُغضب علي أكثر مما هو مغضوب علي حاليا، ربما لن أجد ناشرا يرغب بالتعامل معي، ذلك ليس أمرا هاما. لم أكتب هذا المقال بقصد الانتقام أو التشفي من دور النشر، لو كنت أرغب بذلك لذكرت الأسماء والأرقام وعرضت الأوراق والسمعيات والبصريات! لكن ليس ذلك هو الهدف، بل الهدف هو أن يفهم الناشرون، كبيرهم وصغيرهم، أن هناك وضع خاطئ قائم وأن هناك من هم ليسو سعداء به وليسو على استعداد لقبوله. وهي أيضا رسالة موجهة للكتاب، قديمهم وجديدهم ومن يفكر بالانضمام لهم مستقبلا، لأن يعرفوا مالذي يحصل في عالمهم وينتبهو له وليعلمون بأنهم ليسو وحدهم فيما يعانونه من إحباطات، مع حث لهم لعدم الاستسلام لهيمنة مافيا الناشرين. وجميعنا بالنهاية نريد حلولا ترضي الجميع، من ناشرين وكتاب، حتى نرتقي بثقفاتنا وتتطور مجتمعاتنا.

Blajat (video project)

Blajat from Moayad Hassan on Vimeo.

I was on my way home from the gym one morning, I looked to my left and was amazed by the colour and motion of the waves!

Shot with Phantom 4 Pro at 4K. It was supposed to be at 60 fps but for some reason it came out as 47.95 :/, but it got slowed down to 24 fps just fine… most of the time. Colour corrected with PIXEL FILM STUDIOS LUT LOADER, also added DOF effect to some shots with PRODOF and the star filter by MBL. So it was all one big experiment which came out to my liking, so I decided to share it with you.

Music by Antle, Fata Morgana is the name of the song which I printed on the video by mistake!

——

منطقة البلاجات بنهار ذو جو ليس مثاليا.