أرشيف الوسم: iraq

فلسطيني تحت الاحتلال العراقي: تاريخ العلاقات الكويتية الفلسطينية أثناء الغزو وبعده

الحديث عن العلاقة الكويتية-الفلسطينية بفترة الغزو العراقي وما بعدها من المواضيع الحساسة جدا والتي تتباين فيها الآراء وتتدخل فيها العواطف بشكل كبير. وحتى التناول الموضوعي لهذه القضية معرض لردود الفعل العاطفية ذاتها من كلا الطرفين، وذلك يدخل الموضوع بمجال قريب من التابوهات المحرمة التي يتجنبها من يسعى لتقديم وجهة النظر الموضوعية المنشودة، لكن لا بد من تسميك الجلد وتحمل ما سيأتي.

ما دفعني للكتابة في هذا الموضوع هو قراءتي لكتاب أيام الغزو: يوميات إسماعيل شموط أثناء احتلال الكويت. قدمت مراجعة موضوعية للكتاب على موقع جود ريدز لمن أراد أن يأخذ فكرة عن الكتاب ومحتواه، لكنه باختصار (كما يوحي اسم الكتاب) هو مذكرات كتبها الكاتب والفنان الفلسطيني إسماعيل شموط خلال أيام الاحتلال الاحتلال العراقي للكويت والتي كان يعيش على أرضها خلال تلك الفترة. بالإضافة للجانب التوثيقي للكتاب فإن القارئ يمكنه أن يستشف بوحا عاطفيا من الكاتب يتعلق بهويته كفلسطيني على أرض الكويت المحتلة، ومن هذا البوح نستطيع أن نستخرج مجموعة من الأفكار هي أساس هذا المقال.

السؤال الكبير

بالبداية نتحدث عن المشكلة المختلف عليها، وهي باختصار سؤال: هل خان الفلسطينيون الكويت ووقفوا بصف المحتل العراقي ضدها؟ وهو سؤال تصعب الإجابة عليه بنعم أو لا، واستسهال الجواب مسألة أخلاقية يجب معالجتها بعمق.

من هم الفلسطينيون الذين نتحدث عنهم هنا؟ هل هي القيادات الفلسطينية؟ هل هم من كانوا خارج الكويت أم داخلها؟ هل هم من بقوا داخل الكويت أثناء الاحتلال أم من خرجوا منها؟ التعميم على مجمل ملايين الفلسطينيين بالطبع أمر لا يجوز، فعن من نتحدث هنا؟

موقف الخارج

الموقف الأشهر هو بالطبع موقف قيادات منظمة التحرير الفلسطينية، فهي من المفترض أن تكون الممثل الرسمي للفلسطينيين والمتحدث باسمهم في ذلك الوقت. المنظمة، مثل الكثير من العرب، كانت في موقف حائر، فموقفها المعلن كان رافضا لغزو دولة عربية لدولة أخرى، لكن هذا الرفض كان يصحبه رفضا للتدخل الأجنبي الساعي لتحرير الكويت… وهذا ليس كل شيء!

من الحيل التي استند عليها المحتل العراقي كانت ربط احتلاله للكويت بالقضية الفلسطينية. إحدى الشروط التي تباناها وأصر عليها النظام العراقي لانسحابه من الكويت في فترات مختلفة من الغزو كانت ضرورة عقد مؤتمر لحل القضايا العربية، وأبرزها القضية الفلسطينية، وإنهاء الاحتلال الإسرائيلي للأراضي العربية. ونعم، هي حيلة للمماطلة ولتعقيد وتبرير جرم الاحتلال وجذب استعطاف الشعوب العربية، وإلا ما العلاقة بين الأمرين؟ هل من الأخلاق أخذ الكويت كرهينة من أجل الضغط على العالم لحل قضية فلسطين؟ خاصة أن التبرير الأساسي لهذا الغزو كان ضم الكويت للعراق لكونها جزءا تاريخيا منه، فمنطقيا هل بالنهاية سيتخلى العراق عن جزء منه (حسب كلامه) من أجل فلسطين؟ أليس ذلك تناقض مع مبدأ الأمة العربية الواحدة التي كان النظام يدعي الإيمان فيها؟

ما يهمنا هنا هو الموقف الفلسطيني المتردد، فالحجة هنا هي أن عدم مساندة العراق تعني التخلي عن فرصة لحل القضية الفلسطينية، كما أن مساندة جهود تحرير الكويت تعني مساندة الوجود الأجنبي بالمنطقة، وتعني الوقوف بصف الولايات المتحدة… وهي الداعم الأكبر لإسرائيل. ذلك الوضع -ظاهريا- سبب للفلسطينيين ولكثير من العرب أزمة أخلاقية أضعفت من موقفهم تجاه دعم الكويت في أزمتها، من ذلك أتى الموقف المتردد ما بين الوقوف مع الكويت وما تعانيه من آثار الاحتلال وبين الحزم في السعي لتحريرها. ذلك يعني أنه لا بأس لدى أصحاب هذا الموقف من معاناة الكويت تحت الاحتلال مقابل الأمل بأن يخضع العالم للموقف العراقي ويتحرك لحل قضية الفلسطينيين. نضيف لذلك تحسر غالبية العرب، بما فيهم الكويتيين ذاتهم، على خسارة العرب للقوة العسكرية العراقية في حالة نشوب حرب لتحرير الكويت، ذلك الجيش “العظيم” الذي كان يؤول عليه أن يكون سندا للعرب وأداة لتحرير فلسطين إن نشبت حرب لتحريرها، جيش كان يقدر بما بين رابع إلى سادس أكبر جيش بالعالم معرض للدمار إن نشبت الحرب… وليست أي حرب، حرب بقيادة أمريكا! فأين نقف؟ مع العراق أم مع الكويت والتحالف المساند لها؟ أم بين البين إن كان ذلك ممكنا؟ بالنسبة للكويتيين، ولغالبية العالم الممثلة في موقف الجامعة العربية والأمم المتحدة، ليس هناك بين بين، وليس هناك مبرر أخلاقي ولا حتى منطقي للوقوف مع المحتل الذي بادر بمحض إرادته باحتلال دولة مجاورة وعاث فيها تخريبا وتنكيلا ثم جاء ليخلط الأمور ويقدم المبررات لاستمرار هذا الاحتلال.

ذلك الموقف الأخلاقي الذي نتحدث عنه هو موقف “ظاهري” كما أسلفنا، لكن واقعيا كلا من الموقفين الرسمي والشعبي لا يحتمل ذلك التبرير الأخلاقي، بل هو موقف داعم لذلك الاحتلال بشكل مفضوح مهما اصطبغ بالمبررات، ولذلك دلائل عديدة لا ينكرها إلا الجاهل بتاريخ ما حصل.

من فلم وثائقي (١٩٩٨)

رسميا، العديد من الأحزاب والحركات الفلسطينية كانت لها مصالح مباشرة مع النظام العراقي، فكان قادة تلك الحركات مستمرون بلقاءاتهم مع الرئيس العراقي وبتقديمهم لفروض الطاعة والتقدير له شخصيا ولموقفه، وكل ذلك كان موثقا ومرئيا أمام الأعين. وبالطبع فإن تلك الحركات كان لها المؤيدون من الشعوب، فهي ليست حركات صورية! ومن ذلك خرجت المظاهرات في الشوارع العربية والأجنبية تدعم شخص الرئيس العراقي وتحمل صوره وتدعوا له بالمجد والنصر. وشعبيا أيضا كانت تلك الجماهير شامتة بالكويتيين وكانت تسخر منهم وتضايق المنفيين منهم، وذلك أيضا موثق بالشهادات وأيضا لا ينكرها إلا جاهل أو متجاهل. فهل هناك ما يبرر تلك المواقف؟ هل رفض الوجود الأجنبي أو الحفاظ على الجيش العراقي يستدعي ذلك الموقف؟ تلك المواقف تحدث عنها شموط ذاته، ونقل على لسان بعض من قابلهم من الفلسطينيين بأنهم يأسفون على ما أصاب الكويت، لكنهم يرون أنه شر مبرر ولا بأس به في سبيل تحقيق “أهداف قومية ووطنية فلسطينية” كما كانوا يعتقدون (إسماعيل شموط، أيام الغزو، ص٣٣٤).

الموقف الرسمي للمنظمة رغم محاولات تغطيته بما ذكرناه من مبررات كان مفضوحا من جوانب أخرى. من المعلومات الخطيرة التي ذكرها إسماعيل شموط بكتابه هو لقاءه بشهر نوفمبر، بعد ثلاثة شهور من الغزو، بعزام الأحمد السفير الفلسطيني ببغداد الذي زاره في منزله، والذي أوضح له نيته من زيارة الكويت وهي افتتاح ملحقية للسفارة الفلسطينية في الكويت(ص٢٨٦)، أي أن السفارة الفلسطينية في بغداد ستكون “الأصل” والملحقية في الكويت هي “الفرع” لها! وذلك اعتراف رسمي من السلطة الرسمية الفلسطينية بكون الكويت منطقة تابعة للعراق! شخصيا لم أسمع بهذا الأمر سابقا، وذلك أمر مبرر لأن السلطة في ذلك الوقت كانت تنكر هذا الاعتراف، لكن مرة أخرى الحقائق التاريخية، كما فضحها شموط، لا يمكن إنكارها مهما حاول الساسة تغطيتها بأحاديثهم.

موقف الداخل

الموقف الأصعب والذي كان له الأثر الأكثر إيلاما هو موقف فلسطينيي الداخل الكويتي، والحديث فيه حساس للغاية. كانت الجالية الفلسطينيه في الكويت بفترة النصف الثاني من القرن العشرين وحتى تحرير الكويت حالة خاصة، تختلف عن حالة بقية الجاليات العربية والأجنبية فيها. نعم هناك المقولة الشهيرة بأن الفلسطينيين ساهموا ببناء الكويت الحديثة، والحديث ما يزال يدور إلى اليوم عن فضل الفلسطينيين على الكويتيين في كافة المجالات من التعليم إلى الطب إلى التجارة، وذلك أمر لا ينكر. بنفس الوقت، الفلسطينيين كذلك لا ينكرون فضل الكويت عليهم، فهي البلد الذي كان يستضيف مئات الآلاف منهم (يقدر العدد بـ٤٠٠ ألف فلسطيني كان في الكويت قبل الغزو) ممن استمروا بالتوافد إليها بعد أن سدت حتى أقرب الدول العربية لهم أبوابها، ومن خير الكويت كانت تلك العائلات تعين وتعيل مئات آلاف أخرى من الفلسطينيين في مختلف دول العالم.

هؤلاء الفلسطينيون كانوا ينقسمون إلى قسمين رئيسيين ركز عليهما إسماعيل شموط كلامه في الكثير من مواقف الكتاب: فهناك الفلسطينيون من حملة جوازات السفر الأردنية، وهؤلاء حالهم كان أيسر أثناء الغزو لتمتعهم بحرية أكبر عند مغادرتهم للكويت، وهناك الفلسطينيون من حملة وثائق السفر المصرية ممن يصعب عليهم حتى دخول مصر ذاتها التي أعطتهم تلك الوثائق بعد نزوحهم إليها بعد حرب ١٩٦٧. مثل كل من كان في الكويت أثناء الغزو عانى الفلسطينيون كثيرا بسبب توقف الحياة فيها وانقطاع دخلهم، ونتيجة لذلك خرج من الكويت من استطاع الخروج. من استطاع الخروج هنا نعني فيها حملة الجوازات الأردنية، بما في ذلك أبناء شموط. ويقدر شموط عدد من ترك الكويت من الفلسطينيين والأردنيين بحوالي ستين ألف عائلة وذلك خلال الشهرين الأولين من الغزو (٢٢١)، وهي أرقام تقديرية ولا بد أنها تزايدت لاحقا (يقدر عدد من غادر بـ٢٠٠ ألف فلسطيني). أغلب من تبقى من الفلسطينيين في الكويت كانوا من حملة وثائق السفر المصرية لصعوبة تنقلهم بتلك الوثائق، بالإضافة لمن لم يستطع الخروج لأسباب مادية أو غيرها، وهناك بالطبع البعض منهم من فضلوا البقاء في الكويت لأي أسباب أخرى، مثل شموط ذاته.

الكويتيون بالداخل كانوا على اطلاع على الموقف الفلسطيني، سواء من خلال ما يسمعونه من أخبار أو من خلال ما شهدوه بأعينهم. لمّح شموط بأكثر من موضع بكتابه بأن بعض الكويتيين كان لهم موقف عدائي تجاه فلسطينيي الداخل الكويتي، وآخرون على العكس، متعاطفون معهم، ومن المؤكد بأن لكل منهم أسبابهم. واحدة من أهم تلك الأسباب كانت التعاون مع المحتل بشكل مباشر أو غير مباشر. يذكر شموط بأن من تعاون بشكل مباشر مع المحتل أو ارتكب أعملا توصف بالخيانة لا يتجاوز “بضع مئات، أو قل ألفا أو ألفين” من أصل مئتي ألف فلسطيني كانوا لا يزالون في الكويت (ص٣٢٢)، وهي كلها أرقام تقديرية غير دقيقة، لكنها بالتأكيد أرقاما ليست بسيطة في تلك الظروف. يبرر شموط تلك الحالة بأنها أمر “طبيعي” في تلك الظروف، وأنها حالة بشرية عادية! تشمل أشكال الخيانة تلك التعاون المباشر مع المحتل عسكريا واستخباراتيا، بالإضافة للأعمال الإجرامية وأعمال استغلال الظروف للاستفادة المالية والتجارية.

فئة أخرى ثار حولها الجدل وتحدث عنها شموط هي من تجاهلوا مبدأ العصيان المدني. فأثناء الاحتلال كان هناك رفض من قبل الكويتيين للالتحاق بأعمالهم ومدارسهم، ما عدا بعض الوظائف الأساسية كمجالات الطب وخدمات الطاقة والاتصالات، والتي اشتغل الفلسطينيون فيها كذلك. لكن شموط يشير بكتابه إلى استغرابه من الفلسطينيين ممن قبلوا العمل في المدارس وألحقوا أبناءهم بها، وإن كان قد برر تصرفهم ذلك بلسانهم بأنهم كانوا بحاجة للمال، ولشغل أوقات فراغ أبناءهم!

كل ذلك والكويتيون يسمعون ويراقبون وإن كان ليس لهم حول ولا قوة للتصرف في حينها. كانت أخبار تلك الخيانات تتداول بينهم، بل وتزداد وتتضخم أثناء انتقالها، وأضف لذلك الأخبار والمواقف السياسية والشعبية المعروفة التي تحدثنا عنها مسبقا. كل ذلك أدى إلى ردة فعل كويتية غاضبة تجاه الموقف الفلسطيني (والعربي بشكل عام) من الغزو بشكل تعميمي! بعض ردود الأفعال تلك كانت متطرفة، كموقف “الصديق” الكويتي “حاد الطباع” الذي قابله بعد أربعة أشهر من الغزو، والذي -ككثير من الكويتيين برأيي- كفر بفكرة العروبة والقومية بسبب المواقف العربية من الغزو، والذي كان يؤمن بضرورة طرد كل من تعاون مع المحتل أو قام بخدمته بأي شكل من الأشكال وأن تكون الكويت للكويتيين بعيدا عن شعارات العروبة والقومية. حديث ذلك الصديق سبب خوفا من المستقبل لشموط، فراح على إثره يعدد تبريرات الفلسطينيين وأفاضلهم، تبريرات لنا أن نأخذ منها ونرد بعضها، ونتيجة لذلك الخوف نراه أيضا مهتز الشعور تجاه فكرة ربط الغزو بحل القضية الفلسطينية التي كان رافضا لها بالبداية! فأين يذهب الفلسطينيون إن طردوا من الكويت؟ فهم على خلاف الجنسيات الأخرى التي خرجت من الكويت لا وطن لهم ليعودوا إليه، وأغلبهم يصعب استقبالهم في أي مكان بسبب وثائق سفرهم، فماذا سيكون مصيرهم إن لم تحل قضيتهم؟ تلك الحالة الفلسطينية من الشتات ليست بجديدة، فبعد خروجهم من أرضهم بسبب الحروب المتتالية طردوا قبلا من الأردن بعد أحداث أيلول الأسود عام ١٩٧٠، وبعضهم هجّروا من لبنان بعد اجتياح ١٩٨٢ (ومنهم شموط ذاته). لذلك خوف شموط من استمرار ذلك الشتات نجد له بعض التبرير.

الموقف الكويتي

من المؤكد بعد كل ما سبق بأن الموقف الكويتي من الفلسطينيين (والعرب عموما) لم يكن بلا مبرر، قد يكون متطرفا بالعداوة لدى بعض منهم، وقد يكون مبالغا بالتسامح وحسن النية لدى القلة من البعض الآخر. لكن بنظر الكل فإن موقف الفلسطينيين بكافة فئاتهم الرسمية والشعبية بشكل عام لم يكن كما كان مأمولا منه، كما رأيناه بالتاريخ الموثق. من ناحية يرى الكويتيون بأن استضافتهم لمئات آلاف للفلسطينيين عبر العقود الماضية وتوفيرهم لأمل بالحياة لهم ودعمهم المادي والمعنوي لقضيتهم طوال تلك السنين يجعلهم يستحقون موقفا أكثر حزما ودعما ووضوحا عندما احتاجوا له بأزمتهم، فكانت خيبة آمالهم كبيرة بعد ما شاهدوا من تخاذل وصل لحد الخيانة وتأييد المحتل، موقف لا يتناسب ولا يرقى لمستوى مواقف الكثير من الشعوب التي دعمت قضية الكويت بكل وضوح، كالشعوب الخليجية. ومن ناحية أخرى نرى حتى أكثر الفلسطينيين تعاطفا مع الكويتيين، كإسماعيل شموط، يجعلون لأنفسهم استحقاقا يتيح لهم حق الوجود في الكويت بحجة أنهم هم من عمّرها وأدارها قبل الغزو وأثنائه (ص٣٢٠) وذلك باسم العروبة والقومية، وبالتالي لا يستحقون ردة الفعل الكويتية تلك. ولا يلام هؤلاء ولا هؤلاء.

نعم، بعد التحرير مباشرة وفي ظل الفوضى حدثت أعمال انتقامية من بعض الكويتيين ضد بعض الفلسطينيين، قد لا تكون موثقة بوضوح، والعذر كان الانتقام من الخونة المعروفين ممن تعاونوا مع المحتل أو سببوا الأذى لغيرهم. لا يمكن لأحد تبرير تلك الأعمال الانتقامية الفوضوية، لكن يدعي البعض أنها لم تكن انتقاما من الفلسطينيين بشكل عام، بل من بعض من ثبت تعاونهم مع المحتل. هي أعمال متطرفة وحدثت وسط الفوضى كما قلنا، وكان يجب أن تتم وفق القانون وتحت أعين القضاء، وهي رغم أنها كانت انتقائية وليست عامة إلا أنها أثارت الرعب في الأوساط الفلسطينية وأدت إلى هجرة أغلبهم من الكويت بعد التحرير مباشرة. الموقف الكويتي الرسمي لاحقا منع عودة من غادر الكويت من الفلسطينيين بعد قطعٍ للعلاقات مع الدولة الفلسطينية استمر ما يقارب العشرين عاما.

الموقف الشعبي الكويتي من الفلسطينيين ومن ما أطلق عليه اسم “دول الضد” ظل متكهربا لسنين طويلة. في فترة ما بعد التحرير ألغى الكويتيون في المدارس صيحة “تحيا الأمة العربية” التي كانت تقال قبل تحية العلم كل صباح. هل هذا الموقف مبرر؟ هل يلام الكويتيون على ذلك بعد ما مروا به من أحداث وما شاهدوه من مواقف؟ لا يمكن لأحد أن يجيب على هذه التساؤلات، ولا يحق لأحد محاولة الإجابة ببساطة لأنها كانت ثقافة عامة جاءت كرد فعل على أحداث صعبة وبغاية التعقيد. لكن ذكرها ودراستها ومعرفة أسبابها أمر بغاية الأهمية حتى نفهم ما حصل.

عودة المياه

بالطبع مع مرور السنين تغيرت الأحوال، فالعلاقات الدبلوماسية مع دول الضد عادت طبيعية. حتى الفلسطينيون أنفسهم اعترفوا لاحقا بخطأ موقفهم من الغزو رسميا وتصالحوا مع الحكومة الكويتية وأعادوا افتتاح سفارتهم في الكويت. يجدر القول كذلك أنه حتى شعبيا لم يتخل الكويتيون عن دعم القضية الفلسطينية حتى قبل عودة العلاقات الرسمية، ويتمثل ذلك بالتعاطف الإنساني وبالدعم المادي، واستمر هذا الدعم والتعاطف إلى يومنا هذا.

Palestine from Moayad Hassan on Vimeo.

والسؤال هنا، إن كانت القضية الفلسطينية هامة للكويتيين اليوم كما كانت منذ عقود من الزمن لم إذا استذكار الماضي واستحضار موقف طارئ تضررت فيه هذه العلاقة واضطربت؟ وهل تذكر الموقف الفلسطيني من الغزو العراقي للكويت يفيدنا بشيء سوى تأجيج الخلافات وزيادة الشقاق بين الشعوب؟

والجواب هو نعم، استذكار تلك المواقف أمر هام ومفيد. حفظ التاريخ وتوثيقه شيء لا غنى عنه، وإلا لكنا نعيش حياتنا بتخبط وسبهللة! أضف لذلك أنك إن لم تكتب تاريخك… سيكتبه غيرك لك! تناسي المشاكل وعودة الود أمر محمود ويتيح لنا العيش بهناء دون تعصب وشد قد يعرقل تركيزنا على ما هو أكبر وأهم بهذه الحياة، لكن التناسي لا يعني نسيان ذلك التاريخ ومحوه باسم العفو عما مضى. وحديثي عن فائدة التاريخ هنا مرتبط بفهمنا ونقدنا وتحليلنا لهذا التاريخ، لا السرد الانتقائي المباشر بغرض الاستحضار والاحتجاج. فعندما نتذكر تاريخ الموقف الفلسطيني من الغزو علينا أن نسأل أسئلة مثل لماذا حدث ما حدث؟ ما الدوافع التي حدت الفلسطينيين لاتخاذ هذا الموقف؟ وهل كل ما سمعناه وقرأناه في حينها أو فيما بعد كان صحيحا أم أن هناك روايات أخرى لم نسمعها؟ تلك بعض الأسئلة التي يجب أن تطرح، لا تذكر الماضي بغرض استحضار الأحقاد، ولا تجاهله نهائيا واعتبار أنه شيء انتهى ولا قيمة له اليوم.

نعم التعاطف مع قضية الإنسان الفلسطيني شيء محمود دائما، مثل التعاطف مع أي إنسان معرض للظلم والقهر، لكن التعاطف لا يعني تغليب العاطفة، فحتى التعاطف يجب أن يكون عقلانيا! بل إن أساس ما حدث بين الكويتيين والفلسطينيين من مشاكل وشقاق كان سببه الأساسي وغلطته الكبرى تغليب العواطف على العقل. الأمل الزائف بقدرة النظام العراقي على حل القضية الفلسطينية، مشاعر القومية العمياء وشعاراتها وإحساس الاستحقاق، الخوف من المصير المجهول لما بعد الحرب، كلها عواطف سيطرت على الفلسطينيين وبعض العرب ودفعتهم لاتخاذ موقفهم المهزوز. والعكس صحيح، مشاعر الضعف والمظلومية وقلة الحيلة والغضب الناتج عنها ولد لدى الكويتيين حقدا دفعهم للانتقام الجسدي والعاطفي تجاه من كان ضدهم في أزمتهم. لو تركنا تلك المشاعر تسيرنا لاستمرت معاناتنا للأبد، فكل تعبير عن تلك المشاعر من طرف سيصحبه ردة فعل مشابهة ومضادة من الآخر، ولن نستقر إلا بالتعقل والتفكر والنقاش… لا النسيان.

لا أحب مقولة أن العرب شعوب عاطفية، فكل البشر عاطفيين، لكن ربما ثقافتنا وأدبياتنا وتاريخنا اللغوي العربي عوامل تساعد على التعبير عن تلك العواطف بشكل أوضح من غيرنا، لذلك يبدو أن عندنا نوع من التطرف العاطفي الذي يدخلنا في طريق المشاكل والشقاق. من ناحية أخرى نضيف أن لدينا تخوف من فكرة عرض التاريخ، ناهيك عن دراسته بتعقل وموضوعية، فذلك التاريخ إن رُجع له فإنه يستخدم عادة كأداة لخدمة رأي أو سلطة أو جماعة، وبالتالي تُخشى إثارته من الأساس في وقت الرخاء لتجنب الاضطراب، وحيلة طمس التاريخ كثيرا ما تلجأ لها السلطات لذلك السبب. تلك كلها أسباب تجعلنا عرضة للانزلاق في مسار التطرف، وفي حالتنا هذه تطرف بالأحقاد أو تطرف بالنسيان. أسهل طريق نتخذه لتجنب الخلافات والمشاكل هو بتجاهلها ومحاولة طيها ونسيانها وعدم الحديث عنها، وهذا أمر لا يقل خطورة عن الحارة المقابلة من طريق التطرف، فذلك التجاهل ليس إلا قنبلة موقوتة معرضة للانفجار في أية لحظة.

لذلك لنتحدث، ولنتذكر، ولنناقش، ولندون ونكتب ومن ثم نقرأ، بذلك فقط سنصل إلى الثقافة العاقلة التي تتعلم من التاريخ وتستفيد منه، وبذلك سنتجنب الأخطاء ونتفادى المشاكل وتصبح لدينا القدرة على أن نبني مواقف وقررات مدروسة تنفعنا وتنفع البشر.

The Prophesy in Khalifa Qattan’s Deep Wound

Khalifa Qattan, The Deep Wound, 1984

During [1. This analyses of Qattan’s work is an extract from my History of Art PhD thesis.] a period of personal depression in the 1980s, Khalifa Qattan produced what has become one of his most famous paintings, The Deep Wound, pictured above. The painting contains several elements which I will first point to, and then discuss how they were analysed symbolically by Lidia Qattan, adding my own thoughts on their possible interpretation.
 

خلال الثمانينات من القرن العشرين قام الفنان الكويتي خليفة القطان برسم إحدى أشهر لوحاته والتي أطلق عليها اسم “الجرح العميق”، اللوحة في ذلك الوقت كانت تعبر عن حالة الإحباط التي كان يعاني منها الفنان نتيجة لظروف خاصة كان يمر بها، تحوي اللوحة على الكثير من الرموز التي سأقدم لها شرحا وتحليلا في هذا المقال مستعينا بكتابات الفنانة والكاتبة ليديا القطان.

 
It is a self-portrait in which an imprisoned, long-bearded and wounded Qattan looks straight at the viewer. The main figure is faced by six Arabian men observing him, with some sort of an animal. There is also a whirlpool, from which a figure similar to a Jinni is emerging (or being sucked in), and a fiery cave with another figure hanging upside-down from its feet. Two strange looking tree trunks can be seen: one green and decayed or cut, and one red and carrying an egg-shaped white object. The green tree trunk looks like a hand reaching for the taller red one. In the background we see a cracked wall and a pillar of fire and smoke. On the two prison bars the figure is holding is written in Arabic: ‘Happened 9-12-1983 Khalifa‘ and ‘Painted 9-2-1984 Qattan‘. It is very rare for Qattan to sign and date his work, therefore one is led to believe that the writing on the bars is not a mere signature, but part of the work itself. The date and signature are another symbol (or in Peircean theory an indexical sign), placed intentionally in the painting by Qattan. Lidia Qattan tells us that the artist painted this work ‘as a spontaneous reaction to a traumatic experience that befell Khalifa and left a deep scar in his soul‘.[2. Lidia Qattan, Prophosy of Khalifa Qattan, Kuwait, 1991, p. 84] We do not know what the direct cause of this traumatic experience was. Khalifa and Lidia Qattan on the other hand have associated this painting with events that happened more than six years later, giving it what could be called a ‘prophetic’ merit.
 

العنصر الأساسي للوحة هو رسم ذاتي للفنان، نراه في منتصف اللوحة وقد أطال لحيته وأطل علينا عبر قضبان كتب على أحدها “حدثت ٩-١٢-١٩٨٣ خليفة” وعلى الآخر “رسمت ٩-٢-١٩٨٤”، من المعروف أنه من النادر جدا أن يقوم الفنان خليفة بالتوقيع على أعماله أو تأريخها، وذلك يجعلنا نوقن بأن تأريخ هذه اللوحة له دلالة رمزية ولم يأت اعتباطا، كأن الفنان هنا يريدنا أن نأخذ عامل الوقت بالحسبان عند قراءة هذه اللوحة، تحوي اللوحة كذلك العديد من العناصر الغريبة مثل الجرح على صدر الفنان والريشة في جيبه، تحوي كذلك على عناصر مثل ست رجال بالزي العربي ومعهم حيوان صغير، وعناصر مثل الزوبعة والجني والكهف والنيران المشتعلة وشجرتين حمراء وخضراء. رغم أن هذا العمل أنتج عام ١٩٨٤ إلا أن ليديا القطان تذكر لنا بأن هذا العمل – بطريقة ما -قدم لنا تنبؤا لأحداث حدثت بعد أكثر من ست سنوات لاحقة.

 
The symbols of The Deep Wound, though intentionally chosen by the artist as a representation of a personal ‘traumatic experience‘, were in 1991 read in a different way. In The Prophesy of Khalifa Qattan, Lidia Qattan interprets the symbols of The Deep Wound as relating to the events of the Iraqi invasion of Kuwait, which started on August 2nd, 1990. According to Lidia Qattan’s analysis, the sadness on the figure’s face represents the feelings of Kuwaitis after the tragic events that followed the invasion; there is the shock of the event itself and of the atrocities that followed it. The long beard resembles the appearance of many Kuwaiti men who let their beards grow during the months of the occupation due to a general feeling of depression or to the lack of men’s toiletries, which started to run out before the end of the occupation. The wound on the figure’s chest signifies the stab of the Arab neighbour, and the hands holding the green bars signify the solidarity of Kuwaiti people during the months of the crisis. The six Arabian spectators, according to Lidia, stand for the six Arab nations who stood with Saddam against Kuwait in the meetings of the Arab League, the countries of Al Dhed (الضد opposition) as they became known to Kuwaitis [3. The countries of ‘opposition’ are those Arab countries that did not support the Arab League resolution passed on 3/8/1990 condemning the Iraqi invasion of Kuwait. Those countries are: Jordan, Yemen, Sudan, Tunisia, Libya, Algeria, Mauritania, Iraq and the Palestinian Liberation Organisation.], and the small animal represents the Palestinian Liberation Organisation, since Palestine was not a country in its own right. The crack on the wall can also be interpreted as a symbol of the rift that opened up between the Arab nations as a result of this war. The whirlpool and the figure emerging from or being sucked into it is Iraq, with all the trouble caused to it by this war. The tortured figure hanging from its feet represents the mutilated bodies of Kuwaiti and Arab men and women who had been tortured by the Iraqi soldiers and intelligence agents (Mukhabarat). The tall red tree, according to Lidia Qattan, symbolises the hand of the Kuwaiti resistance, holding a bomb or explosives, while the green one is the spirit of Kuwaitis after the liberation: damaged, but ready to rebuild the ruined country. I would argue that another possible interpretation, based on Circulism’s symbolic system, is that the white egg shape is the spirit of Kuwaitis held high in the sky, since white in Qattan’s table of colour meanings [3. See The Apple] represents purity and faith, which could hardly describe a bomb. Since green is the colour of jealousy and envy, the green tree could be a hand reaching for that white spirit, trying in vain to destroy it. Finally, the fire and smoke bring to mind the burning oil wells sabotaged by the Iraqis, causing a blackened sky and long-lasting destruction to the environment.
 

إن الرموز التي اختارها خليفة القطان لتعبر عن حالته النفسية في منتصف الثمانينات تمت لها عملية “إعادة قراءة” عام ١٩٩١ لتقدم لنا ثانية وهي تحمل رسالة مختلفة، نفس اللوحة ونفس العناصر فسرت مرة أخرى لتعبر عن مأساة الغزو العراقي للكويت في الثاني من أغسطس ١٩٩٠ وما صاحب هذا الغزو من أحداث، فوجه الفنان الحزين يعبر عن كآبة هذا الغزو ولحيته الطويلة تشبه كثيرا لحى الكثير من رجال الكويت في الداخل التي أطلقت إما لحالة الإحباط التي أصابتهم أو بسبب نضوب أدوات ومستلزمات الحلاقة بالأيام الأخيرة التي سبقت التحرير، الجرح على صدر الفنان يمثل الطعنة التي تلقاها من جاره الغازي.. وإمساكه بالقضبان يمثل تلاحم الكويتيين خلال شهور المحنة، الرجال العرب الست ونظراتهم المريبة يمثلون ما عرف بدول “الضد” التي ساندت العراق في غزوه للكويت ولم تشارك في جهود تحريرها.. بالإضافة للحيوان الصغير الذي يمثل منظمة التحرير الفلسطينية التي لم تكن دولة في ذلك الوقت، الشرخ في الجدار خلف الفنان يمثل انشقاق الدول العربية وتفرقهم الذي تسبب به هذا الغزو، الإعصار الذي يسحب الجني هو الدمار الذي أصاب العراق بينما النيران المشتعلة فتشابه نيران آبار النفط التي أشعلت وأعمدة الدخان التي خلفتها، الشجرة الحمراء – كما أراها – تمثل ارتفاع عزيمة أهل الكويت الممثلة باللؤلؤة البيضاء المرفوعة، أما الخضراء (والأخضر هو لون الحسد حسب تعريف نظرية “الدائرية” التي ابتكرها خليفة القطان) فتمثل الأحقاد التي تحاول انتزاع تلك العزيمة وهزها.

 

Khalifa Qattan, From the Trees series, 198?

 
The Deep Wound was not the only painting to be reinterpreted or reread in the light of the events of the Iraqi invasion of Kuwait and the Gulf War. Fifty-two other paintings that had been produced by Khalifa Qattan before the 1990s were exhibited in Kuwait and abroad in a show entitled The Prophesy, which was intended to narrate the story of the invasion and the war. Khalifa and Lidia Qattan probably intended the show to be an expression of patriotism, which was a common feeling among Kuwaitis at the time. During the Iraqi occupation Qattan did not paint any work related directly in its subject matter to the situation in which he was living; instead he continued working on the trees series he had begun during the late-1980s. The trees he painted may not have the symbolic power of his other Circulist works, but instead expressed the feeling of personal depression and helplessness. The depression deepened during the days of the occupation, but Qattan could not express his feelings freely in his art. There was a danger that the Iraqi Mukhabarat might suspect his intentions if he were to paint subjects criticising the occupation or even referring to it. Being a Kuwaiti painter was dangerous enough at that time, since there was a fear that artists would be forced to cooperate with the occupiers and paint in support of the Iraqi propaganda. The trees Qattan painted were executed in harsh, fast knife or brush strokes, with bold, strong colours, such that some of the trees showed a resemblance to the darkened skies and burning land he saw or imagined Kuwait as.
 

لم تكن “الجرح العميق” هي اللوحة الوحيدة التي تمت إعادة تفسيرها تفسيرا يعبر عن مأساة الغزو، ٥٢ لوحة أخرى أعاد خليفة القطان تقديمها في معرض يعبر عن الغزو أطلق عليه اسم “التنبؤات”، خلال أيام الاحتلال لم يقم خليفة القطان برسم أي لوحة تعبر عن الغزو بشكل مباشر، بدلا من ذلك استمر خليفة القطان بالعمل على سلسلة “الأشجار” التي كان قد بدأها خلال أيام الاكتئاب بالثمانينات، رسم الأشجار كان يمثل عملية تنفيس نفسي لخليفة القطان، فهذه السلسلة من اللوحات رسمت بضربات لونية سريعة، بالطبع فإن الفنان لم يكن يستطيع أن ينتج أعمالا تعبر عن رفض الغزو أو انتقاده في حينها لأن في ذلك مخاطرة كبيرة في ظل حملات التفتيش التي كانت تقوم بها قوات الجيش والمخابرات العراقية، الأشجار من ناخية أخرى تعتبر موضوعا مسالما شكلا وإن كان في جوهره تعبير عن حالة الغضب التي شعر بها الفنان والذي ظهر بلوحات تشبه بشكل كبير سماء الكويت المظلمة.

 

الصورة الكبيرة

لتحميل التدوينة الصوتية


من السهل أن ننجرف وراء الزخم الإعلامي المشحون بالمشاعر والعواطف التي لا نملك إلا أن نكون من المتأثرين بها لكونها تلامس أهم أملاكنا الوجدانية… وهي مبادئنا ومعتقداتنا. فنحن نتأثر بشدة -في غالبيتنا- عندما نسمع أو نقرأ أو نشاهد ما يقدم لنا على أنه حديث عقائدي أو وطني أو عاطفي وذلك حسب ميولنا وحسب ما نشأنا عليه من أفكار.نحن في الكويت مثلا لدينا حس وطني عال قد نستغرب عندما نكتشف بأنه غير موجود لدى شعوب أخرى، ففي بريطانيا مثلا لا تشاهد العلم البريطاني مرفرفا إلا فوق المباني الرسمية… كمراكز الإطفاء مثلا، ولا يتشجع الإنجليز لرفع أعلامهم إلا وقت كأس العالم… ونحن نتحدث هنا عن العلم الإنجليزي وليس البريطاني! من المناظر النادرة التي شهدتها مؤخرا في بريطانيا هي انتشار العلم البريطاني في لندن تحديدا خلال أيام معدودة أثناء الاحتفالات بزواج الأمير ويليام. من ناحية أخرى فإن هناك بعضا من البريطانيين يمقتون ذلك العلم لكونه رمزا للاستعمار والتسلط، ليس معنى ذلك أن البريطاني يكره وطنه! ولكن ما أقصده هنا هو أن تقدير البريطاني للشعور “الوطني” يختلف عن تقديرنا نحن.

الكويتي من ناحية أخرى متشبع بما يطلق عليه اسم “الوطنية” ومتخم بها، فالكويتي على سبيل المثال قد يصعب عليه تقبل فكرة أن يترك وطنه ويهاجر للعيش في وطن آخر (وإن كان هذا الأمر عرضة للتغير في ظل الظروف المعاصرة… وذلك موضوع آخر) لكونه نشأ على فكر قومي يعتبر البعد عن الوطن نوع من الخيانة له لأن خيرنا يجب أن يبقى في ديرتنا و”دهننا في مكبّتنا”، وثانيا لأنه عاش في ظل رخاء يحسده عليه الكثيرون إنطلاقا من مبدأ ديرتنا التي “فيها اللي نبي”، وأضف لذك سلسلة طويلة من الأغاني والمقولات التي نشأ عليها الكويتي كـ”عمار يا كويتنا”… “كلنا للكويت”… “وطن النهار” و”وطني حبيبي”، بينما لو بحثت في الأغاني الوطنية البريطانية لما وجدت أيا منها منذ أيام الحرب العالمية الثانية، شخصيا لا أعرف من الأغاني الوطنية البريطانية سوى نشيدة “ليحفظ الله الملكة“… بالأضافة للأغنية التي انتشرت أيام كأس العالم الأخير طبعا.

يتعزز هذا الحس الوطني العالي لدينا لأسباب عديدة أبرزها هو حداثة شعور الانتماء الوطني لدينا، فعمر كيان مثل الكويت يعتبر صغيرا نسبيا ولا يتعدى بضع مئات من السنين عاش أهل المنطقة قبلها متنقلين إما بحريا أو صحراويا، لذلك فمبدأ الإستقرار لديهم حديث النشأة إذا ما قورن بالمناطق ذات التاريخ الحضاري الراسخ، واهتزاز ذلك المبدأ “الوطني” في عقلياتهم يسبب لهم نوعا من “القلق الحضاري“. أضف لذلك حالة الكويت الخاصة بسبب موقعها الجغرافي وتاريخ نشأتها والتهديد خارجي الدائم الذي يهدد وجودها. لتلك الأسباب نجدنا مندفعين في التركيز على وطنيتنا ومحاولة زراعتها في صلب ثقافتنا. كمثال على حالة “القلق الحضاري” لدينا نلاحظ التركيز على استخدامنا للفظة “دولة” قبل ذكر اسم “الكويت” في المحافل الرسمية، كقول “تلفزيون دولة الكويت” أو “إذاعة دولة الكويت” الأمر الذي تم استحداثه بعد التحرير من الغزو العراقي مباشرة… وذلك على خلاف جملة “هنا الكويت” التي ظل يشتهر بها البث الإذاعي الكويتي لعقود طويلة.

والسؤال الذي يطرح الآن… ما المشكلة في كوننا وطنيين؟
شفيها يعني؟ أليست الوطنية شيء زين؟!

بالتأكيد، “الوطنية” تعتبر واحدة من القيم الجيدة، فهي دافع للعطاء والتضحية في سبيل غاية أكبر (رغم أنها ليست القيمة الوحيدة أو الأهم… ولا يجب أن تكون)، ولكن إن حدثت مبالغة في تقدير تلك القيمة الوطنية فإنها ستتحول إلى طاقة هدامة!

 

كيف تنقلب الوطنية علينا؟

الفكر الوطني بحد ذاته هو فكر إيجابي ويأتي بدافع الحب والعاطفة تجاه الوطن… لا خلاف على ذلك، ولكن كيف ومتى تتحول الوطنية إلى قيمة سلبية؟

تبدأ الوطنية بالتحول للسلبية عندما تنتقل روح هذا الشعور النبيل إلى إحساس بالتفوق على الآخر [1. الآخر: هو من مصطلحات النظرية الاستشراقية ويعني الشعب أو الفئة أو العرق المختلف عن ما ننتمي إليه] ، وهذا “الآخر” قد يكون جنسية أخرى أو مذهب آخر أو طبقة اجتماعية أو عرق أو حزب أو قبيلة غير التي ننتمي إليها، في هذه الحالة فإن مبدأ الوطنية سيتحول إلى مبدأ آخر… وهو “القومية”.

ما الفرق بين الوطنية و القومية؟

تشترك الوطنية (Patriotism) و القومية (Nationalism) في كونهما مبدأين يدعوان إلى أن يربط الحب الأفراد بوطنهم، أما الفرق بينهما -باختصار شديد- فهو أن القومية تتجاوز الوطنية لتسعى إلى توحيد صفوف الأفراد ذوي العرق أو اللغة أو التاريخ المشترك وذلك بهدف تحقيق مصلحتهم وغرض تفوقهم على الغير، والخط الفاصل بين المصطلحين كما نرى دقيق… ولكن أثر هذه الاختلاف كبير وخطير !

يكفي القول أن من أخطر منتجات الفكر القومي هي فكرة العنصرية والتفوق العرقي، وهذه الفكرة كانت أساس حزب العمال “القومي” الاشتراكي الألماني… والمعروف أيضاً باسم الحزب النازي!!

هل معنى ذلك أننا سنتحول إلى نازيين؟!

إننا لسنا بانتظار أن نتحول إلى نازيين وعنصريين… لأن العنصرية أصبحت جزءا منا ومن ثقافتنا بالفعل دون أن نشعر، فنحن أصبحنا نمارسها بشكل يومي مع تقبلنا لها بكل حسن نية!

لست أبالغ في رؤيتي هذه فالناتج الثقافي للقومية الكويتية أصبح شيئا دارجا وملحوظا في لغتنا المستخدمة. ضع في حسابك أن تلك القومية الكويتية ليست وليدة يوم وليلة بل هي نتاج تراكمات ثقافية على مر العقود، قد تكون بدأت خلال فترة الرخاء الاقتصادي في الخمسينات والستينات من القرن العشرين واستمرت إلى يومنا هذا [1. يمكنك الرجوع لموضوع “ثقافة السور في العقلية الكويتية” لمزيد من التفاصيل]، لكن يجب الأخذ بالحسبان أيضا بأنني لا أعتقد بأن العامل الاقتصادي هو العامل الوحيد الذي أدى إلى ظهور واستمرار تلك القومية الكويتية، فتلك القومية أصبحت جزءا أصيلا من النسيج “الثقافي” الكويتي ولا يمكن عزلها دون الأخذ بعين الاعتبار التعقيدات الاجتماعية والسياسية والاقتصادية المرتبطة بها… الكلام قد يبدو معقدا لكن يمكن تبسيطه.

من الزلمات إلى الطراثيث

تعتبر اللغة واحدة من أهم الدلائل الثقافية لفكر المجتمع، لذلك قيل “من تعلم لغة قوم أمن مكرهم”، لأن اللغة وخباياها يمكنها أن تخرج لنا الكثير من خبايا أي شعب من الشعوب. لدراسة تأثير القومية الكويتية يمكننا الرجوع لتحليل المطلحات اللغوية الدارجة في وصف “الآخر”. في المجتمعات المتمدنة هناك حذر كبير -على الأقل عند التعامل الإعلامي- عند وصف الأقليات أو الثقافات الأخرى، ففي الولايات المتحدة على سبيل المثال يعتبر اليوم من المحرمات استخدام لفظ “الأسود” في وصف سمر البشرة… لذلك يتم استبدالها بلفظة “الأمريكي الأفريقي”، كذلك الأمر مع “الزنجي” أو “الأحمر” والتي تم استبدالها بلفظة “الأمريكي الأصلي”… و هلم جرا.

نحن بالكويت لا نتوانى ولا نتحرج من وصف أسمر البشرة بلفظ “الخال” أو حتى “العبد“، ليس فقط باللغة الدارجة.. بل حتى إعلاميا ومن خلال الدراما التلفزيونية أو المسرحية، والمسألة ليست مسألة لفظة لغوية وحسب… فاللغة ليست سوى انعكاس لحالة المجتمع الذي ينظر لذلك “الخال” على أنه شخص “مختلف” على أقل تقدير!

قس على ذلك سلسلة المصطلحات والمسميات العرقية والطائفية ابتداء من “الزلمات“، المصاروة“، “الكواولة“، “العجم (العيم)”، “القيز“، “الجنقل“.. وانتهاء بـ”المزدوجين” و”الطراثيث” وحتى “الماك تشيكن“!

قد يقول قائل بأن ما تلك إلا مجرد دعابات ومادة “للنكت” البريئة! وذلك حتى لو كان صحيحا (وهو غير صحيح برأيي وفي كثير من الأحيان يتجاوز مجرد الدعابة) فإن ذلك لا ينفي كونها مصطلحات طائفية وعنصرية في جوهرها. فالنكتة التي تصور المطيري النذل أو الحساوي البخيل أو العازمي أو الهندي أو الصعيدي الغبي هي بالأساس انعكاس لنظرة “تعميمية” أو “صورة نمطية” للخلفية الثقافية للموصوف سواء قيلت بحسن نية أم لا، فالنكتة بحد ذاتها في جوهرها رسالة اجتماعية وانعكاس لحالة المجتمع وليست لفظا اعتباطيا دون أصل، وهي تعتبر مثالا اوردته هنا لأبين كيف أن اللغة -وهي أحد مكونات الثقافة- قد تشربت لدينا في الكويت بالمصطلحات العنصرية… وهي بذلك دليل على عنصريتنا اللاواعية.

لكن وطنيتنا تدعو إلى توحدنا.. فهي الحل

مرة أخرى أعيد التأكيد علي أني لا اقصد بأن الوطنية بحد ذاتها هي شيء سيء أو مدمر ويقود للنازية بشكل مباشر، لكن ما اقصده هو أن التعامل مع الوطنية يجب أن يتم بحذر وتعقل لا بـعاطفية وحماس… على الأقل ليس دائماً.

هناك مقولة بأن “القومية قبل الاستقلال هي شيء جيد… بعد الاستقلال شيء سيء!“، فالوطنية أو القومية بين أفراد شعب ما تألف بين الصفوف وتوحد الأفراد ذوي العرق أو اللغة أو التاريخ المشترك في وجه أي تهديد خارجي، لكن استمرار فرض نفس النظام الوحدوي بعد الاستقلال جاء بنتائج وخيمة تاريخيا في مختلف بقاع العالم الثالث… وما تلك النتائج عنا ببعيد إذا ما تأملنا ما جرته القومية العربية علينا من دمار وتخلف وحروب وانقلابات منذ فترة الاستقلال وحتى اليوم.

الشماعة

انتشر بعد تحرير الكويت بفترة قصيرة مصطلح “شماعة الغزو“، ويقصد بهذا المصطلح إرجاع أي خلل حاصل في البلد لسبب جاهز… وهو الغزو العراقي لدولة الكويت، والحديث هنا عن أي خلل… سواء كان ماديا كخراب المنشآت أو تردي حال الخدمات أو معنويا كانتشار العنف أو ارتفاع معدل الطلاق أو حتى انتشار “الجنوس”! أسهل جواب في مادة الاجتماعيات أو التربية الاسلامية لسؤال “علل” لمشكلة ما كان أمران: “الغزو العراقي الغاشم” و”ضعف الوازع الديني”! تجسد الغزو على شكل “شماعة” كان أمرا طبيعيا في البداية لأن حدثا جليلا كالغزو أحدث تغييرا في المعايير التي نقيس بها أمورنا الاجتماعية والسياسية، أصبح هاجس الغزو ذو تأثير يقترب من تأثير الدين ذاته من حيث القوة!

يمكنني القول بأنه بعد عشرين عاما من الغزو العراقي لدولة الكويت مازالت تلك الشماعة مغروسة بالجدار الكويتي ليتم الإشارة لها أو حتى التهديد بها من حين لآخر كلما دعت الحاجة، قد يكون حمل الثقل المعلق بتلك الشماعة قل… لكن ما حملته تلك الشماعة لا ينفك التذكير به بالخطاب الإعلامي الرسمي والشعبي، ويتضاعف التأثير “الشمّاعي” عند مزجه بالقضية “الوطنية” التي تحدثنا عنها أعلاه ليتشكل من اختلاطهما محلول مركز من “المخدر الثقافي”!

المخدر الثقافي

قد يكون كل ما سبق تمهيدا لما سيأتي من كلام، لكنه تمهيد ضروري جدا لتتضح لنا الصورة الكبيرة لوضع الكويت الثقافي والسياسي.

ما هي أشهر أنواع اللحمة في الكويت؟ اللحمة العربية؟ الاسترالية؟ المشوية؟ المفرومة؟! ولا واحدة منهم، أشهر لحمة لدينا سمعة هي اللحمة الوطنية 🙂 ! لا يكاد يخلو أي خطاب سياسي -رسميا كان أم شعبيا- من ذكر اللحمة الوطنية والتكاتف الاجتماعي ووحدة الصف، نسمع هذه المصطلحات بشكل يومي من قياداتنا السياسية ومن نوابنا ونشطائنا السياسيين… ومؤخرا لا تمر ساعة على التايم لاين في تويتر دون أن نقرأ تويتة تحتوي على إحدى هذه المصطلحات! الكل لدينا أصبح “وطنيا” وحريصا على “مصلحة الوطن” وبالتأكيد… على “لحمتنا” الوطنية. والنقطة التالية لذكر اللحمة؟ هي طبعا التذكير بتكاتفنا في وجه المحن التي ألمت بنا والتي -طبعا- أشدها كانت محنة الغزو الغاشم وكيف وقف الجميع سني وشيعي وبدوي وحضري صفا واحدة في مواجهة المصاعب ولم يستطع المعتدي تفريق ذاك الجمع. بعد ذلك يتم التلويح بما يحيط بنا من أخطار وبالأزمات المتكررة التي تعج بها المنطقة وكيف أن “لحمتنا” هي السد المنيع والحصن الحصين ضد هذه الأخطار والأزمات، كم مرة سمعنا هذا الخطاب خلال العشر سنوات الماضية؟

شفيها لحمتنا الوطنية؟ ما فيها شي… أشهى من اللحمة البتللو 🙂 ، ليس هناك أدنى شك بأن اللحمة الوطنية هي المكون الأساسي لجميع وصفات الاستقرار السياسي والاجتماعي، لكن التركيز على فكرة اللحمة بالشكل الحاصل يؤدي إلى أمران خطيران:

أولا، أنا متأكد بأن نية من يطرح فكرة اللحمة الوطنية صافية وليس له من ورائها أي مآرب خفية، ولكن أدبيات من يقوم بطرح هذه الأفكار تتميز غالبيتها العظمى بضعف الأسلوب والافتقار للأسس الإعلامية العلمية الصحيحة. تكرار ذات المصطلحات والعبارات والأفكار مرة تلو أخرى لا يؤدي بالضرورة لترسيخ الفكرة… بل قد يأتي ذلك التكرار بنتائج عكسية! ترديدنا لعبارات الوحدة والتآلف ونبذ الطائفية والقبلية و”بدو وحضر سنة وشيعة كلنا كويتيين” تزرع في عقلنا الباطن فكرة أن هناك “كارثة” واقعة وحقيقية… وتظل تنفخ في هذه الكارثة داخل رؤوسنا دون أن ندري حتى نبدأ بتصديق وجود تلك الكارثة. تصديق وجود الكارثة يؤدي إلى تهيئة الجو وإيجاد البيئة المناسبة لها، هي عملية “جذب” كما يقول أهل التنمية الذاتية، إن استمريت بالتفكير بمشكلة غير موجودة فإنك تقوم بجذبها لك حتى تصل لك بطريقة أو بأخرى، أو كما يقول المثل “اللي يخاف من العفريت يطلعله”!

الكلام هنا ليس سحرا ولا خزعبلات، بل إن أساسه هو نظريات علمية اختبرها علماء النفس والاجتماع وتيقنوا من صحتها. فعلى أرض الواقع فإن من يستمر بالتفكير “بالمصلحة الوطنية” فإنه لا إراديا سيبدأ بالبحث عن من يظن بأنهم “أعداء” الوطن! فكيف أكون وطنيا أذود عن مصلحة الوطن دون أن أعرف من هو “المُذاد” منه؟! وجود خطر خارجي يهون المسألة، لذلك نرى الولايات المتحدة مثلا لا تستطيع العيش دون عدو خارجي… النازية تارة والشيوعية تارة والإرهاب تارة آخرى، لكن الخطر الخارجي ليس موجودا دائما… لهذا السبب الإثارة القومية بعد الاستقلال شيء سيء كما ذكرنا.

“أنت وطني وحريص على وحدة الصف”… هكذا وبهذا الاسلوب يتم توجيه الخطاب الإعلامي لي، تمام؟ ألحين… ما دمت أنا وطني… فلابد من أن على هذه الأرض من هو “أقل مني وطنية”… “ولا ليش قاعدين يقولون لي إني لازم أكون وطني؟ معناته في ناس غيري مو وطنيين! لو كنا كلنا وطنيين جان ما وجهو لنا هذا الخطاب… صح ولا لأ؟! في ناس شياطين قاعدين يعيثون فسادا بالبلد! قد يكونون خونة أو مصلحجية أو سراق للمال العام أو “قبيضة” أو “مؤزمين”… قد يكونون نوابا أو تجارا أو عساكر أو حتى رئيس مجلس الوزراء ذاته!”.

لا تلام إن كنت فكرت بنفس الأسلوب المذكور بالفقرة السابقة! هذه هي إحدى الطرق التي يعمل بها عقل الإنسان… وهي إحدى تفسيرات ما يطلق عليه اسم قانون الجذب. تبدأ لا إراديا بتحليل الخطاب الذي وجه لك وكأنه تحذير لك بوجود مشكلة، بعد ذلك تبدأ بالبحث عن أسباب تلك المشكلة، ثم تنتقل لعملية “التأشير” على مسببي المشكلة! فلان وفلان وفلان هم من يثيرون الفتن بالبلاد! الجماعة الفلانية هي بؤرة الفساد! إنهم المتشددون… إنهم العلمانييون… إنهم الانبطاحييون… إنهم الطائفيون… إنهم… إنهم… إنهم… ! فليرحل فلان! فلتسقط الحكومة! حلّو المجلس! غيرو الدستور!! إلا الدستور!!! أنا مو وطني؟ أنا مو حريص على مصلحة الوطن؟ ما أحب الكويت؟ أنا لم أمقت فلان ولم أحارب جماعته إلا لأني أحب الكويت!… ومنهو مثل الكويت؟!

وهنا ننتقل للسبب الثاني لخطورة التركيز على فكرة اللحمة الوطنية، فكما قلنا أولا أن تكرار الفكرة دون دراسة وفهم قد يؤدي لإثارة عكسية لها، ثانيا، فإن التركيز على اللحمة الوطنية (أو الوطنية بشكل عام) يظهرها بمظهر الحل السحري لجميع مشاكلنا… وهذا أمر أبعد ما يكون عن الحقيقة!

نرجع هنا لمبدأ الشماعة، فكما كنا في فترة بعد الغزو نعلق جميع مشاكلنا على شماعته أصبحنا اليوم نعلقها على شماعة الوطنية… والوطنية من مشاكلنا براء، أطغى الطغاة كانو يتشدقون بالوطنية ومصلحة الوطن… وإن نظرنا للأمور من وجهة نظرهم فإنهم محقون! كما يقول نزار قباني في السيرة الذاتية لسيّاف عربي:

أيها الناس:

أنا الأول والأعدل،
والأجمل بين جميع الحاكمين
وأنا بدر الدجى، وبياض الياسمين
وأنا مخترع المشنقة الأولى، وخير المرسلين…

كلما فكرت أن أعتزل السلطة، ينهاني ضميري
من ترى يحكم بعدى هؤلاء الطيبين؟
من سيشفى بعدى الأعرج، والأبرص، والأعمى…
ومن يحيي عظام الميّتين؟
من ترى يخرج من معطفه ضوء القمر؟
من ترى يرسل للناس المطر؟
من ترى يجلدهم تسعين جلدة؟
من ترى يصلبهم فوق الشجر؟
من ترى يرغمهم أن يعيشوا كالبقر؟
ويموتوا كالبقر

كلما فكرت أن أتركهم
فاضت دموعي كغمامة..
وتوكلت على الله
وقررت أن أركب الشعب…
من الآن… إلى يوم القيامة…

وعليّه! مسكين… وايد يحب هالوطن ويحرص على مصلحة أولائك الطيبين 🙁 ، وعلى فكرة… إن كنت تفكر بجلد جماعة التأزيم السياسي أو صلب جماعة سراق المال العام فحالك لا يختلف كثيرا عن حال هذا السياف العربي! هو وطني وأنت وطني… كلاكما تؤمنان بأن الوطنية الحقة تحتم عليكما اتخاذ “إجراء” تجاه ذلك الآخر، تلك هي الفكرة السحرية التي تزرعها ما يطلق عليها اسم “الوطنية” في رؤسنا دون أن ندري. تلك هي “الوطنية” التي نسمعها في إعلامنا وخطاباتنا ونغني لها وننشد لها الأشعار، تلك هي وطنية “اللحمة” ووحدة الصف، هي نفس الوطنية التي اعتبرها الحكام المخلوعون ملهمتهم للبقاء بالسلطة.

التعرض المستمر للرذاذ الوطني سبب لنا حساسية مفرطة تجاه كل ما نظن بأنه ضد “المصلحة العامة”، النتيجة هي أننا جميعنا أصبحنا ساسة نبحث عن تلك المصلحة، وأصبح انجرافنا السياسي سهلا عند التعرض لأي مثير لتلك الحساسية. الأمر ليس له علاقة بكوننا عرب أو “حارّين”، وليس له علاقة بالتدخلات الخارجية أو المؤامرات التي تحاك ضدنا، بل السبب هو أننا ضيقنا الخناق على ثقافتنا. كل منا جلس في مكانه وأخذ يفكر في وطنه حبيبه… وطنه الغالي… وطن النهار، يفكر في دانته… حياته ودنيته ، يفكر في أحلى بلد… أغلى بلد، يتغنى بحريته وديموقراطيته وحكمة حكامه، وربما يتحسر على ماضيه الجميل الزاهر، ومرة أخرى يتسائل بينه وبين نفسه… منهو مثل الكويت؟

تخيل معي الوضع: كل منا صور للكويت صورة جميلة من منظوره و برؤيته… لكنه ظل ينظر لتلك الصورة الجميلة وهو جالس في مكانه. الشخص الجالس بمقربة منه قام برسم صورة أخرى لحبيبته الكويت ولكن من زاوية أخرى وبألوان مختلفة. عندما التفت أحدهم لصورة الآخر لاحظ اختلافها عن صورته… فتذكر “اللحمة”… فثارت ثائرته! أصبح الإثنان لا يريان إلا مدى قبح صورة الآخر وعدم تماشيها مع صورته، أخذ الإثنان يتهمان بعضهما بالأنانية والحقد بل وحتى العمالة أو التأثر بمن هم ليسو منا وفينا. اختلف الإثنان مع شخص ثالث ورابع وخامس صوروا للكويت صورا جميلة بألوانهم ومن زواياهم، اختلفوا من يحب الكويت أكثر! ومن صور للكويت صورة أجمل، ما لم يدركه الجميع هو أنهم لو أخذوا خطوات قليلة للوراء ونظروا للصورة الكبيرة التي قاموا معا بتشكيلها لوجدوا بأنها أجمل وأزهى وأكبر وأعظم من عمل كل فرد منهم بمفرده!

مشكلتهم الأساسية هي أنهم فهموا اللحمة الوطنية بشكل حرفي كما صورتها لهم الأشعار والغناوي والشعارات الإعلامية والسياسية… وطن واحد وشعب واحد… الكل فيه سواسية لا يتفرقون حتى بأحلك الظروف! لم يدركوا بأن كونهم سواسية لا يعني كونهم متشابهين شكلا ولونا ومنظورا وذوقا.

مشكلة إعلامنا وخطابنا السياسي هو أنه كون لدينا ثقافة ضيقة الأفق… بحسن نية ربما. حاول تحفيزنا على أن نتجاذب عن طريق رشنا بمثيرات الوطنية، ولكنه لم يدرك بأن ذلك مستحيل! فبدلا من أن نتجمع كلنا في كتلة واحدة (كما كان يتصور) تكلكعنا على شكل بقع هلامية تتلاصق حينا ولا تلبث أن تنفصل وتصطدم بغيرها بحركة عشوائية، وهذا هو واقعنا الحالي، بقع هلامية! فهل رش المزيد من المحفزات الوطنية سينفع؟ ليس ذلك حلا… الحل ليس بتحفيز التجاذب بل باحترام التنافر!

 

ليس حلا أن يجلس الجميع في بقعة واحدة لينظروا للوطن من زاوية واحدة ويصورنه بألوان موحدة… مستحيل! هذا هو ما حاول أن يفعله هتلر وحزبه القومي!! بل المعقول هو أن يدرك كل واحد منا بأنه مختلف عن الآخر. فكرة أننا جميعنا كويتيون وما عندنا بدو وحضر وسنة وشيعة هي فكرة خاطئة خاطئة خاطئة!! لدينا طوائف… ولدينا قبائل… ولدينا جماعات وملل وتوجهات وكتل…. ولدينا أحزاب (و إن كنا ما نزال نخاف من هذه الكلمة)! ما المشكلة في تقبل ذلك؟! هذه هي تركيبة مجتمعنا… وكلما أسرعنا في تقبل الشتات في هذه التركيبة وتوقفنا عن محاولة لملمتها “تحت لواء اللحمة” كلما كان أفضل.

لنتوقف عن الغناء عن اللحمة… بل لم لا نتوقف عن الغناء للوطن! أقسم بأن الوطن لو نطق لما طلب من أحد قط أي يغني عنه وعن حبه. “إهيا ديرتنا وفيها اللي نبي”… مصيبة هذه الأغنية لكثر ما أخطأنا في تفسيرنا لها! “يا وطن ياللي انولدت من جديد” كانت بمحلها قبل عشرون عاما… أما اليوم فلا معنى لها! “ياللي تحب الكويت لا تقطع الآمال”… ليش تفاول علي؟ “كانت مدينتنا ذهب”… و ستبقى دائما يا كئيب! وغيرها الآلاف من الأغاني “الوطنية” التي كل يظن بأنها موجهة له وحده والتي لا تؤدي إلا إلى زيادة “تكلكع” الشعب، وغيرها التي تزرع بعقولنا صورة كوننا شعب الله المختار المفضل على جميع شعوب العالمين. التلفزيون الرسمي ليس لديه أسهل من أن يملأ ساعات بثه بالأغاني الوطنية وكأنه يحاول تخدير الناس، والمصيبة الكبرى بأن تلفزيون “المعارضة” يبث نفس الأغاني لكي يوحد الناس ضد الفساد والمفسدين، اجتمع الطرفان بالأسلوب واختلفوا بالغايات… والكل بالنهاية لا يملك إلا حسن النية… الأمر الذي لا يسمن ولا يغني من جوع، فما فائدة النوايا إن كان أسلوب العمل خاطئ ومتخلف وغير مدروس؟

بدلا من الغناء للوطن لنغن للعمل ولنغن لحب بعضنا… كل بلحنه وطريقته ولهجته… أو حتى بصَمته إن أراد. لا أقول لنضع العاطفة الوطنية جانبا… بل أقول لنضعها في مكانها… في الأعياد الوطنية وقبل مباريات كرة القدم… بس، أما خطابنا السياسي يجب أن يكون عقلانيا ومنطقيا ومطروحا بلغة الأرقام. على ساستنا ومكائنهم الإعلامية أن تحترم عقل هذا الشعب وتقدم له حلولا يدركها بذلك العقل لا بقلبه. نعم هناك فساد ومفسدون… لا نحتاج لمن يخرج علينا ليسب ويلعن فيهم ويخرجهم من ملة الوطن… بل نحتاج لمن يرسم لنا خطة من عدة مراحل توضح لنا كيف يمكن القضاء على هذا الفساد، نحتاج كذلك لشباب يدرك بأن المطلوب هو الحلول… لا التذكير بالمشاكل.

يؤلمني بحق ويوجع قلبي عندما أرى هذه الطاقة الشبابية في الساحات والتجمعات وحتى المدونات وعلى تويتر لا هم لها سوى ترديد نفس كلام الساسة ونفس ما يسمعونه في وسائل الإعلام!! حرام عليكم! لا ألومكم يا شباب… فقد عشتم سنين طويلة مخدرين ثقافيا، لا مدارسكم علمتكم أسس الإبداع ولا مجتمعكم احترم قدراتكم الخلاقة، وها أنتم أصبحتم كأجهزة التسجيل… بعد أن كانت تسمع كلام المعلم أصبحت تسمع كلام الساسة والإعلام وتعيد “تسميعه”. تنتظرون نشرة أخبار التاسعة لتعملوا “رتويت” لأهم ما جاء بها من أنباء، أين شخصياتكم؟ أين ثقافتكم؟ أين فنونكم وإبداعاتكم؟ هل من أبداع في ترديد كلام الساسة كصيحات في الساحات والتجمعات؟ ألا يذكركم ذلك بترديد القصيدة وراء الأبلة/الأستاذ؟ هل من إبداع في تلوين “الأفتار” بلون معين خلال ساعة معينة؟ ألا يذكركم ذلك بموضوع الرسم الشهير “ارسم اللي سويته بالعطلة”؟ هكذا بنيت ثقافتكم للأسف… وهكذا أصبحتم!

المطلوب من الشباب اليوم هو أن يكونوا هم القادة الحقيقيين، هم من يحاسب المقصرين ويقف في وجوههم، هم من لديهم الوعي والإدراك الكافي الذي يؤهلهم لأن يقرأوا ويحللوا وينقدوا ما يوجه لهم من رسائل. عندما يبدأ مهرجان خطابي بأغنية عليهم المطالبة بإيقافها… فنحن أتينا لنسمع حلولا لا أغاني… إذا بنسمع أغاني وطنية عندنا يوتيوب! عندما يتكلم الخطيب عن اللحمة الوطنية عليهم أن يوقفوه ويطالبوه بشرح خطته العملية لحل المشكلة! لا تسمح لأحد أن يزايد على وطنيتك… ولا تسمح لنفسك بأن تزايد على وطنية غيرك، كلكم وطنيين وتحبون أرضكم… ومجرد تفكيرك بأنك أفضل من غيرك عرقا أو فكرا أو توجها سيجعل منك “قوميا” عنصريا بغيضا… مثل هتلر، فهل ترضى بأن تكون هتلرا صغيرا جديدا؟ ثقف نفسك، اقرأ ما يفيدك… لنفسك لا لكي تشعر الآخرين بتفوقك الثقافي عليهم. إن كنت ستعتمد على ما علموك إياه بالمدرسة أو الكلية أو الندوة أو حلقات العلم… فلا بالله رحنا وطي! هذا الموضوع وما فيه من معلومات ما هي إلا أطراف خيوط لمعلومات بسيطة ولكنها هامة جدا وستساعدك على إدراك ما يجري حولك… والإدراك هو أول الخطوات نحو التغيير… والمستقبل بيدك، اتعب على نفسك وركز وانتبه لما هو حولك، كن قائدا واعيا ولا تكن إمعة يحركها الآخرون، والله يعينك و يعيننا.

Jehan Rajab’s Invasion Kuwait: An insider’s look at the Iraqi occupation of Kuwait

Many books has been written about the Iraqi invasion of Kuwait in 1990 and the Gulf War of 1991 from a political or military perspective, such as Mohammed Heikal’s, but few are written as humanistic memoir of how life was within occupied Kuwait or about the struggling and frustration the occupation caused to the people living in Kuwait during that period, especially in English.

Jehan Rajab, the author of the book Invasion Kuwait: an English Woman’s Tale, was born in Brazil, educated in Gibraltar and Britain and lived in Kuwait for over 30 years before publishing her book. She is married to the Kuwaiti artist and art collector Tareq Rajab and worked in the management of the Tareq Rajab Museum and as the director of the New English School in Kuwait. Having lived in Kuwait for a long period of time, and stayed for the whole period of the Iraqi occupation inside Kuwait, she managed in her book to present a view on the events of the Iraqi occupation from an ‘insider’s‘ perspective that is significantly different from Heikal’s, a perspective that could be called a ‘Kuwaiti’ perspective.

Rajab didn’t just live the occupation from the inside; she, as I will demonstrate, understood the cultural impact of that occupation and expressed it in an insider’s manner. Rajab, for instance, understood the Arabic language, and in her book she dedicated pages of glossary to explain the Arabic terms she used in her book. What is more significant than the linguistic knowledge is that she is aware of the cultural background of that language. As an example of how she understands that Arabic language/culture one can refer to her explanation of the Arabic word ‘Dhuif’ when she talked about how Saddam Hussein referred to the westerner hostages he held during the first five months of the occupation as ‘guests’ (Dhuif). Rajab explains the sarcasm in the use of that Arabic word by saying Dhuif, the Arabic word for guests, who were so honoured in the Arab world, now had different and less pleasant connotations.‘[1. 1 Jehan Rajab, Invasion Kuwait: An English woma’s tale, London, 1996, p. 61] By that explanation Rajab is trying to show Saddam Hussein manipulating the horrifying concept of hostage holding by processing the word ‘hostage’ through his propaganda and making it sound less threatening by replacing it with the word ‘guest’. ‘Guest’, which is in the Arabic culture, since Arabs are the main target of his propaganda, is a meaning that has a great honorary status reminiscent of the old Arab traditions glorified by the stories of the like of Hatam Al Taee, the seventh century Arab poet who legends tells of how he used to slaughter 10 camels every night to feed his guests.

In Rajab’s narration, unlike Heikal’s, the main theme of the book is the hardship of living the everyday life in Kuwait during the occupation. Be that hardship originating from the fear of being killed or kidnapped, fear of being looted, or hardship from the lack of food, services such as electricity, water and rubbish disposal, or lack of reliable sources of information. All of which are matters Heikal did not mention in his book. In Rajab’s narration we find the Iraqis portrayed as the occupiers, and the Allied Forces as the liberators who are here to help the oppressed Kuwaitis, unlike Heikal’s narration of the war being the final result of a long global political and economic dispute over the Arabian oil, lead by the United States against the Iraqi power. In the book she talks about the damage Kuwaiti hospitals suffered and how that affected  health services in Kuwait to the extent that when she got ill, and when her son suffered an injury, they preferred to stay at home instead of going to the hospital knowing that there is not much help to be found there [2. Ibid., pp. 139-40]. She talks about how ‘while peace activities were calling for one more chance for “peace”, the people of Kuwait were each allowed five small flaps of bread a day [while staying in queues] at the main bakery once or twice a day — queues that curled like some grey fearsome snake round and round and round the block again. In the end there was no bread at all.‘ [3. Ibid., p. 90]

Invasion Kuwait by Jehan Rajab on Amazon.co.uk

Those scenes of hardship and terror are not to be found in Heikal’s book or in the majority of books published about the ‘Gulf War’. Most of the books consider the ‘War’ itself, the 1991 war, as the main event; everything else is either a preparation to that war or a consequence of it. Rajab’s book on the other hand is not titled War Kuwait, but speakingly Invasion Kuwait, since the main events it describe starts from the 2nd of August 1990 and ends on the 26th of February 1991, events which took place mainly within the borders of Kuwait, anything out of this time and place is considered marginal.

The politics and military preparations which Heikal wrote about in so much detail and were treated by him as the core of this war were looked at by Rajab as a waste of time. She expressed how desperate Kuwaitis were with the delay of action against the Iraqi forces by saying things like ‘Everyone felt that the Allied Forces in Saudi Arabia were being built up too slowly.‘ and ‘we all longed to see an American marine or desert rat coming up the street‘ [4. Ibid., p. 132]. There were numerous visits to Baghdad by politicians and peace activists in order to convince Saddam Hussein to withdraw from Kuwait and prevent the war, Rajab believed that those visits were used by the Iraqis ‘as a way of playing of time.‘ [5. Ibid., p. 141] She expresses the feeling of Kuwaitis towards the idea of the use of force to expel the invading forces by saying ‘While killing and war were the last things anyone in Kuwait wanted, we wondered if words of peace were much use to the Iraqis, who had such different intentions. We also wondered of how these activists might have felt had they been in our position, expecting every day to die from possible starvation, torture or plain murder. Did they really feel that the probable death of over 250,000 people was just a small matter? We did not particularly want to be a sacrifice to the idea of peace.‘[6. Ibid., p. 64]

Rajab in her book presents the missing voice of the Kuwaiti perspective of what is called the Gulf War. She presents the human voice, not the usual political, economic or military voices we are used to hear in the literature written about this ‘War’.