أرشيف الوسم: Palestine

نباح أبدي

يوجعني أن أسمع الأنباء في الصباح
يوجعني…
أن أسمع النباح

نزار قباني – هوامش على دفتر النكسة

الأنباء الموجعة قد تنام ولكنها لا تموت، وهي تلاحقنا دون أن نبحث عنها. متأكد بأن جميع شعوب العالم لها نصيب من أنبائها الموجعة، لكننا كعرب مصابون بلعنة أن تتكرر لدينا نفس الأنباء ونصاب بديجافو الألم مرة تلو الأخرى لنفس الأسباب وبنفس الطرق، فيصبح الألم مضاعفا ولا يتعلق بالنبأ نفسه… بل أيضا بشعور قلة الحيلة لعدم مقدرتنا على إيجاد حل لما يتكرر علينا من مصائب.

كلما تجددت أزمة إنسانية لدينا في فلسطين أو لبنان أو سوريا أو العراق أو أفغانستان أو أي منطقة من المناطق التي يتكرر اسمها في نشرات الأخبار يعاد معها نفس الألم، ليس ذلك وحسب، بل يعاد معها نفس النقاش ونفس الأفكار ونفس الحجج والصور والأسماء، حتى أصبحنا لا نفرق بين أزمة وأخرى إلا برقم يبين تاريخها… غير ذلك الرقم ليس هناك اختلاف بينها.

مع كل أزمة نجد أنفسنا مدفوعين ومطالبين بالتفاعل والحديث والدفاع عن من نراه صاحب الحق فيها… وبالطبع صاحب الحق هو نحن… هل في ذلك خلاف! مضطرون لفعل ذلك، فالحياد وعدم الحديث عيب وخيانة وتخاذل، هكذا يقال لنا، فكيف نهرب من ذلك؟ المشكلة التي قد تواجهنا هنا هي سؤال: ماذا عسانا أن نقول؟ كثرة الأزمات وتكرار مواضيعها وصورها استنفدت قدرتنا على التعبير، أصبحنا لا نقدر إلا على التكرار، تكرار أفكارنا السابقة أو تكرار كلام الغير… خاصة في زمن الريبوست والرتويت الذي نعيشه اليوم.

عطسة

عندما يعطس شخص أمامك فإنك لا إراديا تطلب له الرحمة، يعطس ثانية فتعيد الدعاء… بعد خمس عطسات هل ستستمر بطلب الدعاء؟ إن كان جوابك نعم فهل سيكون دعاؤك بنفس الصدق الأول؟ علما أن الدعاء الأول أصلا كان بالغالب أوتوماتيكيا دون إخلاص حقيقي… والأهم من ذلك دون أثر ملموس! فالرحمة من عند الله ينزلها متى وكيف يشاء وليست شيئا ماديا ترى تأثيره مباشرة، بل هو فعل إيماني لا ندرك مغزاه حسيا. بمعنى آخر، عدم ملاحظتك لوجود أثر واضح ومباشر لتفاعلك مع حدث ما، كالعطسة، يمكن أن يصيبك مع التكرار ومع مرور الوقت بنوع من الملل والتبلد الحسي، ملل لا يشبعه إلا أمران: إما توقف العطس نهائيا… أو حدوث نزيف بالأنف!

الاعتياد

الاعتياد على الأنباء الموجعة أمر خطر على كل من قارئ الخبر وعلى المتوجع بالطبع.

مع كثرة الأنباء الموجعة تدخل عقولنا بمرحلة الاعتياد والتكيف، وذلك أمر يحدث مرارا وتكرارا دون وعي منا. قد نتذكر ذلك أثناء أيام جائحة كورونا، بالبداية كنا نقلق من أرقام الإصابات والوفيات اليومية عندما كانت بالعشرات، ثم ارتعنا عندما بدأت تشير النشرات إلى المئات، لكننا مع مرور الوقت اعتدنا على تلك الأرقام وأصبح نزولها قليلا يشعرنا بالراحة رغم أنها كانت ما تزال أعلى من الأرقام السابقة التي كانت تقلقنا، وتمر الأيام فيصبح الاطلاع على تلك الأرقام ضربا من التسلية اليومية كأننا نتابع نتائج مباريات أو نشرة الأحوال الجوية!

ذلك الاعتياد رغم فظاعته إلى أنه رحمة، هو رسالة من عقلنا يخبرنا بها بأننا بخير، بأن علينا نهدأ ولا نجهد أنفسنا بالتفكير بأشياء لا نستطيع لها تغييرا. وهناك رأي بأن ذلك الاعتياد يعتبر مرحلة من مراحل اضطراب ما بعد الصدمة، ينكر المصاب فيها ما يحدث له وتتنمل مشاعره ويحاول النسيان رغم تراكم الآثار عليه.

يتعامل الناس مع ذلك الاعتياد بطرق مختلفة. هناك من ينسى المصيبة أو يتناساها ويعتبرها أمرا لا يخصه، يحاول أن يعيش حياته بشكل طبيعي، يبتعد عن الأنباء المؤلمة ويركز على حياته الخاصة ويبحث عن المشتتات. حالة التناسي حالة مؤقتة، خاصة في زمننا الحالي. لا يمكنك اليوم أن تنقطع عن العالم وأنبائه، فقبل بضعة عقود كنت تستطيع ببساطة أن تتوقف عن مشاهدة الأخبار بالتلفاز والإذاعة أو عن قراءة الصحف، لكن اليوم تصلك تلك الأنباء من كل مكان. تتصفح أي وسيلة من وسائل التواصل الاجتماعي فتشاهد مقطعا مؤلما فجأة وسط مقاطع الموسيقى والأزياء وحتى فيديوات القطط! وحتى إن تمكنت أنت من الهرب من التعرض لتلك الأنباء فغيرك لا يستطيع… وستصلك الأنباء من أولائك الغير.

أنواع الهم

لا يستطيع الكل أن يتوجهون لمسار التجاهل، فهناك أناس آخرون لا يجيدون العوم في بحره، فتراهم غارقين في ألم تلك الأنباء الموجعة لسبب أو لآخر، وحتى هؤلاء أنواع متعددة.

هناك المتضرر الحقيقي، من تمثل تلك الأنباء قصة حياته اليومية، أو من له علاقة مباشرة بأولائك المتضررون. هؤلاء هم أكثر الناس حرصا على متابعة تلك الأنباء، وأكثرهم حرصا على نشرها، ولا يلامون على ذلك. أيام الاحتلال العراقي لدولة الكويت كان الراديو لا يسكت، ومتابعة الأخبار ونشرها وتحليلها ونقاشها هو الشغل الشاغل للكويتيين، ماذا قال بوش؟ بم “يهدد ويقول”؟ وما رد صدام عليه؟ أخبار الحشود وتنقلات حاملات الطائرات ولقاءات رؤساء الدول ومندوبيهم كانت هي الحديث اليومي لهم… بل حتى مادة تساليهم وتسامرهم. هؤلاء لا يلامون، ولا ضير عليهم، لأنهم يبحثون وسط تلك الأنباء عن بارقة أمل بزوال غمتهم، وأكبر خوفهم أن يتوقف العالم عن الحديث عن قضيتهم، لأنه متى ما توقف فإن ذلك يعني نسيانهم وضياعهم للأبد!

هناك نوع آخر من المتابعين للأنباء، وهم المهتمون بالقضية… أو لنقل المهتمون “بقضية”. لا نستطيع الدخول بالنوايا، فباستثناء الفئة الأولى من المهتمين التي تحدثنا عنها أعلاه فإنك إن سألت أي شخص آخر يتابع الأنباء عن سر اهتمامه فإنه سيخبرك دون تردد بأنه من جماعة “القضية”، سيقول ذلك بإخلاص وصدق لأنه يؤمن حقا بأنه بالفعل يهتم بالقضية لذاتها… حتى إن لم يكن كذلك حقا وصدقا! لن يخبرك أحد بأن اهتمامه ذلك له فيه أغراض أخرى إلا ما ندر.

لا نستطيع حصر أسباب الاهتمام بالقضية فهي كثيرة جدا ومعقدة. العرب والمسلمون مثلا يشعرون برابطة فكرية أو عقائدية أو ثقافية تشعرهم بأنهم جزء من حقيقي منها، شعور بأن من يتعرض للعنف أو الظلم هو أحد أفراد عائلتهم، بأن ما يصيب إخوانهم يصيبهم هم، هم من يتعرض للعنف والظلم… حتى لو كان ذلك -واقعيا- غير صحيح. فما الذي يربط عربي بالجزائر أو مسلم في ماليزيا بالفلسطينيين أو الأفغان مثلا؟ سياسيا وجغرافيا واقتصاديا واجتماعيا هم منفصلون تماما ولا قرابة بينهم. لكنهم كعرب ومسلمين تربوا ونشأوا على فكرة أنهم جماعة واحدة، اكتسبوا ثقافة مفادها أن “نصرة” الأخ واجب عليهم، ينصرونه عندما يكون مظلوما… أو حتى ظالما في بعض الأحيان… حرفيا… وليس ليس نصرة الظالم بتقويم مساره كما هو التعريف السليم لنصرة الظالم (تلك نقطة تحتاج لمقال منفصل!). اهتمام هذه الفئة -رغم عدم منطقيته العلمية- أمر قد يستغربه من هو ليس على اطلاع على ثقافة هؤلاء الناس والمبادئ التي زرعت فيهم وبمجتمعاتهم على مدى سنين وقرون طويلة، بل حتى الأجيال الجديدة من تلك المجتمعات قد تستغرب اهتمام أهاليهم الكبار ذاك، ولا يستوعبون الأمر إلا بعد رحلة طويلة من التثقيف والتنشئة التي تسعى لإلباسهم صلة القرابة اللادموية تلك. خلاصة الأمر، أن هذه الفئة من المهتمين بالقضية يعتبرون أنفسهم كأنهم جزء حقيقي من الفئة السابقة ممن يعانون المعاناة الحقيقية، وربما يشعرون بسبب تلك “القرابة” بأن الدور قد يكون عليهم تاليا في حال سكوتهم عن ظلم إخوانهم، خوف من أن يؤكلوا يوم أكل الثور الأبيض، وإن كان في وقتنا الحالي ومع انفتاح العالم على بعضه البعض… لا أحد في مأمن (كما سنذكر لاحقا) مهما تعددت ألوان الثيران.

فئة أخرى من المهتمين بالقضية هم من لديهم إدراك بأن القضية بحد ذاتها… لا تهمهم ولا تتعلق بهم. نلاحظ ذلك بشكل كبير لدى “الأجانب”، أو حتى الأجانب من بعض العرب والمسلمين ممن لا يؤمنون حقا برابطة الدم الوهمية التي يختص بها أفراد الفئة السابقة. الاهتمام هنا نراه ينتهج النهج العقلي أو الفلسفي، أي يكون راجعا لفكرة الحق مثلا أو العدالة أو كنوع من محاولات تقويم مسار الإنسانية وما إلى ذلك. كثير من الفلاسفة والمفكرين حملوا لواء الدفاع عن المظلومين والمستضعفين على مر التاريخ، تبنوا قضايا قد لا تخصهم شخصيا ولا تنتمي لمجتمعاتهم. عندما نتحدث عن الفلاسفة والمفكرين والمثقفين فنحن لا نخص هنا الكبار والمشاهير منهم من كتاب وأدباء وفنانين وأساتذة، بل الحديث هو حتى عن الشخص “العادي” المتمكن من الاطلاع على الأنباء والقادر على البحث فيها وتحليلها وتفسيرها وإصدار حكم ورأي فيها. مرة أخرى… في زمننا هذا ومع سهولة التواصل ويسر الحصول على مصادر المعلومات نجد هذه الفئة في تكاثر. أصل وجود تلك الفئة من المهتمين هو وجود الأساس الفلسفي، وذلك بالطبع يشمل حتى الأديان (ما لم تتلوث بتعصب أو فئوية)، ومنها الدين الإسلامي الذي يدعو لحفظ الحقوق ونبذ الظلم وتحقيق العدالة والمساواة بين البشر.

طيب، هل تلك الفئة الأخيرة من “الإنسانيين” (بما أن لديها الأساس الفلسفي) تهتم حقا بجميع القضايا الإنسانية؟ المفروض نعم، لكن واقعيا لا! ككويتي مسلم مثلا يسهل عليك أن تتعاطف مع فلسطين، لكن هل ذلك التعاطف بنفس قوة تعاطفك مع النزاع في جمهورية الكونغو؟ ماذا عن أوكرانيا؟ طيب هل تتعاطف مع قضية الصيد الجائر للحيتان؟ لن أسأل عن رأيك بحقوق المثليين… أو حتى البدون! بالطبع لا يمكنك الاهتمام بكل شيء بنفس الوقت وبنفس القدر مهما كنت “إنسانيا”… لأنك إن فعلت فلن تعيش! بل إن عقلك يتخير من هذه القضايا بقدر القرب منها وبقدر الاطلاع عليها وعلى حيثياتها. هذا ينطبق على رأي الآخرين بالقضايا التي تهمك أنت، لعقود طويلة لم يهتم الغرب بقضية فلسطين، بالأسابيع القليلة الماضية فقط تولدت لديهم صحوة الاهتمام! ولذلك أسباب.

أول هذه الأسباب هو بالطبع الوسائل التثقيفية، وأهمها الإعلام بكافة صوره وأنواعه، التقليدي والاجتماعي. ثانيها هو فداحة القضية ذاتها، وهو أمر مرتبط بما قبله، ففداحة القضية يصحبها -غالبا- زخم إعلامي. سبب ثالث هو استيعاب الخطر، فإدراك الإنسان لوجود خلل في المنظومة الإنسانية والأخلاقية يجعله يستوعب هشاشة الأمان الذي يعيشه بحياته اليومية، ما الذي يمنع أن يصيبه هو شخصيا ما أصاب غيره؟! إن لم يهتم ويتحدث ويقاوم فما الضمان بأن نفس الظلم الذي يتعرض له الآخرون لن يتعرض له هو ليتحول هو ومجتمعه النائم يوما ما إلى “القضية” في ظل ذلك الخلل؟ وخوف أيضا بأن يكون هو ومجتمعه جزء من ذلك الظلم الذي يتعرض له الآخرون، شعور بالذنب بأنه قد يكون مشاركا بالظلم فعليا دون أن يدري… أو حتى معنويا بسكوته وتجاهله. أو قد تكون شعورا بالصحوة بعد سنين طويلة شعر فيها بأنه مخدوع ومظلل، وبدأت الآن تتكشف له الحقائق وتنجلي سحابة الجهل التي كان يقبع تحتها، فيبدأ بالربط والتحليل ومراجعة الماضي، ويسعى من بعد ذلك لتعديل مفاهيمه والحديث عنها بسبيل إجراء تصحيح لذاته ولمجتمعه.

كل ما سبق، وغيرها من الأمور التي لم يسعني ذكرها، أسباب تؤدي لاهتمام البشر بالأنباء المؤلمة. ظاهريا كلها أسباب معقولة ومنطقية وقد تبدو إيجابية، لكن إن نظرنا لها نظرة أوسع فإنها بكل صراحة ليست إيجابية على الإطلاق!

الأصل… هو أن لا نهتم! لا أقصد هنا أن نتجرد من الأحاسيس والتعاطف! لكن الأصل أن لا تكون هناك قضية مؤلمة نهتم لها أساسا! قد يكون كلامي هنا شاعريا ولا يخلو من السفاهة، لكن يجب أن يكون محور تفكيرنا أن الهدف الأسمى الذي يجب أن نسعى له هو أن نعيش نحن وكل البشر بحالة من الأمن والسلام والتناغم بحيث أن لا تكون هناك حروب ولا قمع ولا عنف ولا ظلم يصيب أيا كان، وبالتالي لا يكون هناك هم نسمع أنباءه في أي مكان، عندها نستطيع أن نعيش بسلام، داخلي وخارجي، ونركز بحياتنا على كل ما هو إيجابي وننهض بالبشرية جميعا. ذلك لن يحدث للأسف الشديد، لكن يجب أن نكون من الوعي بحيث أن نسعى للتفكير بهذه الطريقة، بدلا من أن نجهد أنفسنا بالاقتيات على الأنباء المؤلمة ويصبح الهم هو همنا ومسعانا، فذلك مرض مزمن ونوع من الإدمان المدمر!

عطش الدم

فئات المتعاطفين والمهتمين بالأنباء التي ذكرناها إلى الآن أمرها هين نوعا ما، حالها أهون من حال فئات أخرى معتلة بواحد أو أكثر من أعراض داء الاهتمام!

كما ذكرنا سابقا فإن الغالبية العظمى من المهتمين مؤمنون داخليا بصدق بأنهم ينتمون إلى الفئات السابقة بشكل أو بآخر، لكن قلة نادرة منهم قد يعترفون بأنهم جزء من الفئات التي سأذكرها الآن، وبالغالب لا يدركون أنهم منها أساسا… أو لا يعلمون بوجودها إما إنكارا أو سفاهة!

لا أستطيع ترتيب تلك الفئات من حيث درجة السوء، لذلك قد يبدوا كلامي عشوائيا لأن ملاحظتي لها كانت تتم اعتباطيا أثناء متابعتي لأحوال المهتمين من حولي. لكني أستطيع أن أحدد أسوأ تلك الفئات دون منازع… وهم الاستغلالييون.

للاستغلالية أنواع عدة، لكن أسوأها هم من يركبون التعاطف مع قضية عادلة كمطية لتحقيق مصالح مباشرة على حساب آلام البشر. قد لا يعجبك هذا الكلام، وقد أتهم إن قلته بالعمالة أو التخاذل أو الخيانة، لكن نعم أقولها بكل ثقة، هناك من يتعمد نشر الأنباء الموجعة، بل وحتى اختلاقها، لأنه مستفيد منها. هناك من يستغل تلك الآلم ليكسب تعاطفا معه لم يكن ليحلم به! الناس باندفاعهم مع موجة التعاطف مع الضحايا يتجاهلون أحيانا أن حتى الطرف المستضعف ليس حقا بتلك البراءة، فلا بأس بأن تكون ظالما -قليلا- إن كنت ضحية ظلم أكبر. ليس هنالك خير مطلق كما أن ليس هنالك شر مطلق، تلك هي طبيعة البشر، عندما نختار الوقوف بصف فئة ما فذلك لأننا نسعى بحسن نية لأن نحقق “أعلى قدر” من العدالة، فواقعيا ليس هناك عدالة مطلقة إلا بالأحلام… والروايات والأفلام السينمائية، إن ركزنا تفكيرنا ربما سندرك ذلك، لكن بعض الناس متأكدون من ذلك بيقين، ولديهم من القدرة ما يكفيهم لتمكينهم من استغلال تلك المساحة الرمادية من طبيعة المشاعر البشرية لمصلحتهم. تلك الفئة من الاستغلاليين موجودة دائما على مر التاريخ، تستسهل التخريب والتدمير طالما أنها تجد من يبرر لها ويتعاطف معها تحت أي مسمى، فإما يرفع صوته بتشجيعها أو على الأقل بالصمت عنها مقابل رفعه ضد الطرف الآخر طالما كان أكثر بشاعة منها. هي استغلالية ميكافيلية تهدف لأن يبرر الناس أفعالها أو يسكتوا عنها بحجة أن هناك هدف وقضية أكبر يجب التركيز عليها، ومن قد يحاول ملاحظة تلك الأفعال فيا ويله!

هناك أيضا من يقتات على الأزمات والمشاكل. أثناء جائحة كورونا مثلا هناك من كان يتغذى على مخاوف الناس وقلقهم، ويستغل ذلك الخوف لتمرير أفكاره أو تسويق بضائعه، وذلك ينطبق على كل أزمة. تجار الحروب والأزمات موجودون في كل زمان ومكان، حاضرون لسد أي حاجة تنتج عنها… بمقابل مادي أو معنوي. كل يدعي أن عنده الحل، ولديه البديل، وأنه أفضل من غيره، والناس في ظل خوفها وإحباطها وتحت تأثير عواطفها المتأججة ستصدق أيا من كان طالما أظهر أنه في صفها، وفي ظل اليأس تتنشر فكرة “يالله… على الأقل هؤلاء أفضل من غيرهم!” ويتم الرضا عن القليل، طالما أن ذلك القليل يوافق المشاعر ويهون عليهم نفسيا على الأقل. الأخطر من ذلك هو أنه في ظل ذلك الخوف واليأس والإحباط يتمتع هؤلاء الاستغلالييون (بأنواعهم المختلفة) بحصانة شعبية لا تبرير منطقيا لها، ويصبح انتقاد أعمالهم وأفكارهم وقراراتهم وجشعهم المحتمل من المحرمات شعبيا لدى البعض. من يقوم بذلك النوع من الاستغلال هم تجار، ليس بالضرورة أن تكون تجارتهم مادية، بل يمكن أن تكون فكرية. يركب هؤلاء التجار موجة التعاطف ويستغلون مشاعر الجماهير المتأججة للظهور بدور البطل المخلص، يدسون أفكارهم وأيديولوجياتهم بين نبأ وآخر لعلها تجد لها ملتقطا، وأحيانا تجد ذلك الملتقط إن لم يكن حالا… فربما بعد حين، بالمستقبل ربما عندما يتذكر الناس ما حدث فإن موقفهم “البطولي” سيكون مسجلا ويمكنهم الحديث عنه بالمقابلات والبرامج الوثائقية والبودكاستات، صوتهم وحدهم… لا صوت من تبعهم ولا من سار معهم.

نسمع بالأدلجة، ولكننا بأحيان كثيرة لا نقوى على الاعتراف بوجودها… خاصة إن شعرنا بأنها من صالحنا. عندما يكون الإنسان في حالة ضعف وعجز فإنه يسهل أن يُستغل، خاصة من قبل المستغلين المحترفين ممن يعرفون حيل وألاعيب الاستغلال والتأثير. سأتجرأ و أعطي أمثلة. لهذا السبب نرى بأن الدعوات الدينية يسهل انتشارها في المقابر ومجالس العزاء، أو بمصاحبة الحملات الإغاثية لضحايا المجاعات أو المنكوبين، وذلك لأن الناس في تلك الأماكن وتلك الأجواء يكونون بأضعف حالاتهم ويسهل التأثير عليهم عند تقديم الدين كملاذ وملجأ ومنج لهم في محنتهم وابتلائهم. فهل شاهدنا دعوة دينية في بنك مثلا أو في معرض للعطور أو السيارات؟ لا أنتقد الدين بتاتا هنا، ولا الدعوة الدينية، لكنه مجرد مثال من حياتنا. لماذا تتسابق الأحزاب والتيارات السياسية على نشر أفكارها المختلفة بين طلبة الجامعات؟ أليس ذلك بسبب حالة الحيرة والضياع الفكري والخوف من المجهول الذي يصيب الشباب في مقتبل حياتهم والتي خلالها يسعون للبحث عن معنى لحياتهم؟ الشاب يعاني من الوهن الفكري في الجامعة كما يعاني من فقد عزيزا من الضعف العاطفي في العزاء، وكذلك الجماهير تعاني من الضعف والوهن والانكسار وقلة الحيلة عند متابعتها للأنباء، فتتشبث بأي بارقة أمل قد يقدما من يطرح نفسه كبديل مخلص بيده حل ما أصابها من أزمات… وتلك هي الأدلجة.

ترند

الاستغلال والتكسب من الأزمات ومن المخاوف ليس بالضرورة أن يكون ماديا، خاصة في وقتنا الحالي. عملة التكسب قد لا تكون بالدولار أو الدينار، فاليوم لدينا سلعة تسمى… المحتوى. مثل جميع المسائل الأخلاقية لا نستطيع دائما أن نصدر أحكاما قاطعة على الناس فنقول بأن هذا شخص يتكلم بإخلاص وذاك منافق لا يتحلى بالصدق، ولكن في بعض الأحيان يمكننا التمييز. ليس كل من يتحدث ويعبر وينشر ويجتهد لديه نية صادقة وبريئة دون طمع بلايك أو رتويت أو شير أو سبسكرايب أو فولو! والناس من جميع فئات المتعاطفين لن يتوانوا عن ذلك في كثير من الأحيان بنية حسنة، وذلك أحيانا يكون أمرا جيدا، لكن ليس دائما. هوس الشير واللايك أمر خطير في بعض الأحيان، فمع الاندفاع بهما تمر الكثير من الأمور دون تحقق أو تحليل مما قد يساهم في نشر أمور خاطئة -معلوماتيا أو إعلاميا- مما قد يضر القضية أكر مما ينفعها. “المنصة الفلانية أغلقت حسابي لأني ذكرت الحقيقة!”، “منشوراتي تتعرض لهجوم غير مبرر، ادعموني بالشير وبالتعليقات!”… تواضع يا أخي! إن كان معك حق فسيحمل الناس رسالتك دون طلب! ناهيك طبعا عن من يطلب الدعم المادي ليستمر بنشر الأخضر واليابس من المعلومات… والناس في ظل يأسها وحماسها تصدق وتدعم دون الوافي من التفكر.

وبالحديث عن هوس اللايك والشير نتحدث عن فئة أخرى لها خطر مقارب، وهم أتباع “الترند”. لا أنكر أن تحول أي قضية إلى ترند أو نزعة شائعة أمر يفيد القضية. فائدة الترند هي أنها توصل الفكرة أو المعلومة لأكبر عدد من الناس، والمعلومة أمر جيد، تنبه الناس لكي يبحثوا ويتعلموا ومن ثم ينقاشوا القضية المطروحة. لكن عيب الترند بحد ذاته أمران؛ أولا أنه أمر سطحي، وثانيا أنه مؤقت. اختزال القضية على شكل شعار أو رمز أو حتى أغنية أو رقصة أمر يسطح القضية في بعض الأحيان. إن توقف الناس عند هذا الترند دون تعمق وتدقيق بالأسباب والدوافع وأصل المشكلة ودون نقاش لها ومحاولة حلها بشكل جذري وفعال فإن ذلك سيخلق جمهورا ركيكا لها، جمهور لايقدر على مواجهة أحد، وجمهور لديه إحساس “أنا سويت اللي علي!”. مرة أخرى ذلك أمر يظل إيجابيا وأفضل من الجهل التام، لكنه لا يخدم القضية على المدى الطويل، وذلك هو الهدف الذي يجب أن نسعى له. الترند بطبيعته دائما مؤقت، ليس هناك ترند دائم لأنه حينها لن يكون “ترندا”. نسيان الجماهير لقضية معينة بمجرد بروز غيرها أمر محبط، خاصة لمن يعيشون آثار تلك القضية، وذلك أمر وارد بشكل يسير وسريع بسبب الطبيعة البشرية وطبيعة التواصل الاجتماعي أولا، وأيضا بنفس الوقت لأن هناك من يدرك تلك الطبيعة وقد يتعمد إلهاء الناس بترند آخر لينسي الناس ويشتت اتنباههم، وذلك أمر لا يمكن محاربته عن طريق كثرة النشر بحد ذاته، بل بنوعية النشر. التركيز على ترند أغنية أو رقصة أو “قَطة” لغوية أو رمز يوضع بالأفتار أمر جيد لحظيا، لكن الأفضل والأهم هو التركيز على نشر المعلومة العميقة بيسر، فالمعلومة والحجة والمنطق هي ما يغير قناعات الناس وطريقة تفكيرهم، ويربطهم بالقضية ويكسبهم في صفها على المدى الطويل، بل ويخلق أجيالا واعية تستطيع الدفاع عنها في أي وقت وأمام أي أحد وتتذكرها مهما تغيرت وتبدلت الترندات.

بين القضية والحديث عنها

وياليت القضايا تنتهي بنهاية الترند!

الهدف الأسمى لأي حملة إعلامية هي أن تنتهي هذه الحملة! أن تصل لمرحلة لا نحتاج فيها لأن نناقاش القضية ونتحدث عنها وننشرها للناس… لأنها حُلت. عندما نستمر بنقاش ومتابعة قضية مثل القضية الفلسطينية وتكون همنا لخمس وسبعين سنة فذلك أمر سيء، كذلك الأمر عند نقاشنا المتكرر لقضية البدون، أو الإسكان، أو زحمة وحالة الشوارع، وغيرها من القضايا التي لا يبدو أن لها حل، فذلك دليل على أن نقاشنا الطويل لها نقاش عقيم وليس لها نهاية، وذلك أمر محبط ويدل على وجود خلل كبير. هدف النقاش يجب أن يكون حل القضية، وليس استمرار النقاش بحد ذاته دون هدف أو نتيجة. بمعنى آخر، كما نضرب كمثل، الهدف أن تتكدس الأموال ببيت مال المسلمين لأنه لم يعد هنالك من فقراء، وأن نتوقف عن بناء المستشفيات لقلة المرضى! كمثال آخر نرى بعض القضايا التي كانت سائدة ومنتشرة قبل حين من الزمن بكثرة لكننا توقفنا عن الحديث فيها… إيجابيا. قضية ثقب الأوزون مثلا، كانت قضية كبيرة وكانت حديث الناس خلال فترة نهاية القرن العشرين، لكن لا أحد يتحدث عن ذلك الثقب الآن، السبب؟ لأنه صاحب كل ذلك النقاش أفعال وقرارات أدت بالفعل إلى بدء ذلك الثقب بالالتئام، فأصبحت القضية أقل أهمية من غيرها اليوم، فما أجمل ذلك، وما أجمل أن تسير جميع قضايانا إلى الحل حتى نتوقف عن الحديث عنها ونركز على غيرها.

القدرة على التفرقة بين القضية ذاتها وبين الحديث عن القضية أمر هام. نعم، هناك فئة من الناس هدفها هو الحديث عن القضية بحد ذاته، وتتمنى أن لا يتوقف ذلك الحديث بأي شكل من الأشكال لأسباب عدة قد لا تتعلق بالقضية ذاتها. الحديث عن هذه الفئة صعب، لأنها فئة حساسة ومتعبة بالنقاش. لا يهمني هنا أن أوجه أصابع الاتهام لأي أحد، فالله أعلم بنياتنا منا، بل هدفي أن ألاحظ وأطرح وجهة نظر، لعل كلامي يساهم بنشر نوع من الوعي، وعي بما نراه ونسمعه، ووعي بما نقوله ونكتبه نحن بأنفسنا، لذلك سأحاول أن أصيغ كلامي التالي بنوع من الحذر.

كما ذكرنا في بداية هذا المقال، الاعتياد على الأنباء الموجعة أمر خطر. أن يعتاد الناس على الأنباء المتوالية من عنف وقتل وتدمير فذلك يعني تحطم نفسياتهم بعد سلسلة من الصدمات، ويعني أيضا استمرار معاناة أصحاب القضية لأن الناس من حولهم دخلوا مرحلة الاستهانة بآلامهم، ومرحلة تحولهم من بشر إلى مجرد أرقام تذكر في الأخبار. ذكرنا كذلك أن هدف نقاش القضية الأسمى هو إيجاد حل لها، فماذا يمكن أن يحدث إن طال الأمد ولم نصل إلى حل؟ الناس من طبيعتها الاعتياد على المآسي، فكيف يمكن أن نكسر ذلك الاعتياد والملل؟ أسهل شيء… بالمزيد من المآسي!

لا أحد يتمنى المزيد من المآسي، صح؟ يؤسفني أن أقول… لا مو صح! باطنيا هناك صوت بداخلنا نحن يتمنى أن تستمر المعاناة، فيظهر ذلك “الآخر” المعتدي بشكل أوحش وأبشع ويظهر المظلوم أكثر انكسارا وأكثر استجداء للعطف! هناك صوت يقول “يجب أن لا يتوقف الحديث عن القضية! إن توقفنا عن الكلام عن المأساة فإن الناس ستنسى، إن اعتدنا على “الأرقام” أو انخفضت تلك الأرقام أو لم نرصد الأرقام بشكل أفضل فإن زخم حديثنا سيتباطأ. لا بد أن يستمر الحديث حتى يتحرك الناس ويتعاطفوا معنا، فما الحل؟ حتى إن وصلنا لمرحلة توقف الحديث فيجب أحد أن يفتعل ما نسترد به انتباه الناس إن اقتضى الأمر، فذلك أمرر مبرر لتحقيق غاية أعلى.” من شبه المستحيل أن نقول هذا الكلام علنا، ولكن بلاوعينا ربما تمر منه بعض الخواطر على النفس، أو ربما نعبر عن بعض عباراته بصياغة أخرى مخففة أو بها مداراة أو تورية. الأكيد أننا في بعض الأحيان قد نتقبل بعض تلك الأفكار إن قدمت لنا بقالب عاطفي أو أدبي أو سياسي أو ديني يصورها لنا على شكل أفكار سامية، وقد نكون بالفعل مؤمنين بها بصورتها الأسمى ولا نقبل أو نتجرأ على كسر قالبها المثالي لأنه أمر زرع فينا وبثقافتنا على مدى طويل جدا، وكسر تلك القوالب أمر مرعب. لكن إن رجعنا لحديث النفس الذي أوردناه سنجده بصورة ما يعبر عن نفس غايات الحديث “السامي” ولكن بصورة مجردة ومعراة.

قياس المآسي بالأرقام بشاعة!

قبول استمرار الحديث عن المآسي ونقل أنبائها بشكل مجرد وعشوائي غير مدروس ودون نقد وتحليل وهدف يبررها البعض بأنها وسيلة لجذب تعاطف الآخرين مع القضية، وتلك فكرة مرعبة! معاناة الناس ليست وسيلة تعليمية! لم علينا أن ننتظر أن تقع مصيبة حتى نتحرك وننفر لتعريف الناس بقضايانا والتذكير بها؟ أين كنا طوال أوقات الهدوء والاستقرار… النسبي؟ أم أننا نحن من كنا لاهين ونحن من احتجنا للموت والقتل والعنف والدمار ليذكرنا بأن هناك من يعاني ويحتاج لمن يقف معه؟ انتظارنا للمآسي حتى تقع هي الكارثة الإنسانية الأصلية، وما يحدث لتذكيرنا بعد صمتنا وتجاهلنا ولهونا هو نتيجة لذلك الانتظار. والأخطر من ذلك هو تعمد تسعير العنف والدمار والحروب وتشجيعه بغرض إحداث ضجيج يصحي الناس من غفلتهم. وحديثي هنا ليس عنا نحن وحسب، فما نتحدث عنه هو حال البشر عموما، والمقزز أكثر أن هناك من يدرك تلك الطبيعة البشرية ويفقهها جيدا، ونجح الكثيرون باستغلالها مرارا وتكرارا على مر التاريخ ولغاية اليوم، وسيستمرون باستغلالها طالما كان الناس في غفلة، وكم يؤسفني ذلك.

مرض

فئات المهتمين والمتعاطفين لا تقف عند هذا الحد، فبعض تلك الفئات إنما هي ضحية أمراض نفسية واجتماعية تتجاوز تلك الحدود، أو ربما تختلط بها. شدة الحماس لقضية ما قد تدخل أحيانا في إطار التعصب. إحدى تعريفات التعصب هي أنه الاندفاع بمجهود مع نسيان السبب، وتلك حالة بعض المتحمسين من المهتمين ببعض القضايا، من السهل عليهم فقد البوصلة التي توجههم نحو الهدف مما يؤدي لتشتت أفكارهم وتضييع مجهودهم، فتراهم باندفاعهم في سبيل قضية ما يبدؤون بتوجيه أصابعهم تجاه اليمين والشمال عوضا عن الإشارة للمتهم الواقف أمامهم، وفي بعض الأحيان يبحثون عن أي فرصة لاختلاق الجدل والنقاش والنبش في كلام الآخرين لتصيد ما يمكنهم انتقاده أو مهاجمته أو السخرية منه للظهور بمظهر المنتصر . يعتبر البعض ذلك التعصب أثر من آثار بعض الأمراض النفسية أو اختلالات الشخصية، فالشخصية الضعيفة المتعبة قد تنجرف بحماس يقترب من التعصب بقضية ما لأن ذلك أمر يجعل صاحبها يحس بالأهمية، كما أنها تعتبر القضية مجالا لتفريغ الغضب المكبوت ولإلهاء النفس عن مشاكلها الأخرى. لا أستطيع الإطالة والتفصيل في هذه النقطة لأنها بحاجة لمختصين ولأنها من الأمور المختلف عليها حتى لدى هؤلاء المختصين، لكنها مسألة يمكن ملاحظتها بشكل متكرر.

هوس الإحساس بالأهمية من أمراض عصرنا الحالي، فحين تكون حاملا للواء الدفاع عن قضية وتجد من حولك من يساندك ويؤيدك أو يثني عليك فذلك رافد من روافد السعادة. نعم هي سعادة بأن تدافع عن حق وتجد من يقف بصفك، لا بأس في ذلك، ولكن مع الاندفاع فإن الأمر قد يتجاوز ذلك الأمر ويتحول إلى نوع من النرجسية. الدخول بإطار النرجسية والغرور يتم عادة بالتدريج، مثل أغلب العقد النفسية، فقد يبدأ الأمر بالتعاطف الحقيقي ولكنه مع مرور الوقت يصبح تعاطفا مرضيا، وبالغالب فإن الشخصية ذاتها هي أساس العلة. النرجسي يبدي تعاطفا مع الضحية و في باطنه نية غير ظاهرة بالتفضل عليها. عندما تتعاطف مع شخص محتاج لهذا التعاطف فإنه، ومن يتفق معه، سيميل لك ويشعر بامتنان طبيعي، فإن كنت تفتقد شعور الامتنان هذا ستسعد بالأمر وكأنه جرعة من مخدر! مع الوقت ستدمن شعور الامتنان ذاك ولن تستطيع العيش دونه، وتعتبر عدم الحصول على رد الفعل الذي ترغب به نوعا من الجحود والخذلان وضياع الجهد، شعور “الشرهة علي اللي قاعد أتكلم عنكم!”… رغم أنه أمر طبيعي يتماشى مع طبيعة البشر ومقدرتهم – ورغبتهم – على التعبير عن شعور الامتنان ذاك.

مرض النرجسية لا يخص الأفراد وحسب، بل قد يرتبط بالفكر القومي الجمعي. القومية بحد ذاتها نوع من الأمراض الخطيرة كما تحدثت عنها قديما، وهي نوع من التعصب الذي يصيب المجتمعات ويدفعها لفكرة ضرورة أن يصبح الجميع -قهرا إن تطلب الأمر- وحدة واحدة لا يجب أن تختلف فيها الأفكار والآراء والتصورات، فتفرض إلغاء الفردية والتركيز على الفكر الجمعي. بحالتنا هذه نجد تأثيرها على شكل نوع من التفاخر “بإنجازات” الوطن (أو القبيلة أو الجماعة أو الطائفة أو الحزب) الإنسانية، فالحركة الإنسانية تصبح نوعا من البطولة التي تستحق الاحتفاء بها وليست مجرد واجب لوجه الله لا ينتظر عليه جزاء ولا شكورا، أي أن الهدف أن نصبح كمجتمع “أسود الإنسانية” وأفضل الناس فيها! مرة أخرى، هو أمر جيد أن يتسابق الناس بالخيرات، لكن أفضل تلك الخيرات هي التي لا يدري الناس عنها، لكن عندما تفاخر بمواقفك وبأعمالك الخيرية وتتفضل على الغير فإن ذلك عرض من أعراض الإصابة بالغرور، والغرور لما يصيب… مشكلة.

الغرور القومي ضرره لا يؤذي الضحية وحسب، بل قد يتحول إلى نوع من التفاخر والتعالي على أقوام يعتبرهم المغرور بمنزلة أقل منه. المتعاطف المغرور يسهل عليه أن ينسى القضية وينسى الضحية ويصب مجهوده ويحرك عاطفته تجاه من يراه أقل منه إنسانية، عوضا عن أن يوجه كلامه وأفعاله ضد الظالم والمعتدي يسهل عليه أن يوجهه تجاه من يراه لا يقدم للقضية قدرا كافيا من الدعم… برأيه. قد يبرر المغرور هجومه على ذلك الآخر الأقل إنسانية منه -برأيه- بأن ما يقوم به نوع من التشجيع له لكي يحذو حذوه، أو أنه بهجومه على ذلك الآخر فإنه يدفع الضرر عن المظلوم، وسأحترم هذا الكلام من حيث المبدأ، لكن رغم احترامي فإن الضرر من ذلك الهجوم قد يكون في أحيان كثيرة له ضرر أكثر من النفع. يمكننا الحديث عن إثارة العصبية القومية بين الدول والشعوب والجماعات بسبب هذا التفاخر، عندما تعمم هجومك على شعب أو جماعة بأكملهم بسبب مواقف أفراد منه، أو حتى حكومته، سواء كان ذلك الهجوم مبررا أم لا، فإن ما ستجنيه من ذلك هو استثارة ذلك الشعب وتحريضه على الهجوم المضاد عليك… وعلى شعبك، وآثار الهجمات تلك ليست آنية فقط بل قد يمتد شعور الحزازية والفرقة ذاك لفترات طويلة وقد يتفاقم ويكبر، ومن المستفيد من ذلك غير المتسبب بالمشكلة الأصلية؟ إن كنت أنا ظالما فإن أقصى طموحي هو أن يختلف المظلومون ومن قد يساندهم وينشغلوا بأنفسهم ويرد كيدهم في نحرهم! لا أبالغ إن قلت بأن عصبيتنا وقوميتنا هذه أحد أهم عوامل ضعفنا وأسباب طول عمر أزماتنا المتكررة، ننسى أصل المشكلة ونهاجم بعضنا البعض بنعوت التآمر والخذلان والعمالة والخيانة، لماذا؟ لأننا مغرورون بأنفسنا، كل طرف يرى نفسه الأفضل والأسمى والأعدل والأقوى والأجمل من الآخر… فتضيع الطوشة وينسى صاحب القضية الأصلي. وحديثي هنا ليس عن الحكومات ولا عن أصحاب القرار، فهؤلاء لا يهرولون عبثا، بل هم يراقبون ويعون ما يحدث، ويعرفون متى ومن يشجعون، ومتى يتدخلون إن اقتضى الأمر، فلهم حساباتهم ولهم مصالحهم بكل ما يجري. كما لا أتحدث عن المستفيدين من ذلك الغرور القومي، فهؤلاء يشبهون مغني الحفلات الذي يستغل تفاخر الجماهير عند تنافسهم على من يقدم أكبر “نقطة”! حديثي هنا عني أنا وأنت من الشعوب التي تتابع الأنباء وتتفاعل معها، هم من يجب أن يحسبوا حساب كلامهم ويوجهوا جهودهم بوعي وتركيز لتحقيق أفضل فائدة وتأثير بأقل ضرر، لا أن تتبد الجهود وتتدمر العلاقات أثناء الاندفاع القومي… باسم الخير.

والحل؟

كأن قفلناها؟ يعني نتوقف عن متابعة ونشر الأنباء؟ لا طبعا، تابع وانشر يا أخي العزيز، الأمر ليس ثنائيا… إما ننشر أو لا ننشر! أعتذر إن كان جل كلامي في هذا المقال يبدو سلبيا ومتشائما، لكن المقصد ليس ذم الأنباء المزعجة وكل ما يتعلق بها، بل ضرورة تداولها بوعي وذكاء. الهدف أن نعرف ماذا ننشر وكيف، وأن لا نقرأ الأنباء كما هي بل ندرك ما خلفها. أن نعرف بأن ليس كل ما يقدم لنا بغطاء سامٍ وإنساني هو كذلك، أن لا نساق لخدمة المستغلين وأصحاب المصالح بسذاجة… أو حسن نية. ندرس أنماط المتفاعلين لنفهم أهدافهم، ومن ثم نجيد التعامل معهم. لا أقصد كذلك أن نجعل ذلك التصنيف هدفنا ومبتغانا، لا نستخدمه كوسيلة للتشكيك بالنوايا أو التصيد أو الاحتقار أو الهجوم على البشر، ليس ذلك الهدف. هي ملاحظات، ومعلومة قد تكون مفيدة لنا، لعقلنا ولنفسياتنا، فالعلم بالشيء دائما أفضل من الجهل أو التجاهل.

نعم هو أمر مؤلم عندما ندرك بأن ليس جميع الناس خيرين وصادقين وجهودهم ذات منفعة، لكن تلك هي طبيعة البشر شئنا أم أبينا، العزاء هو أن الأمر نسبي وليس مطلقا. حتى أنفسنا، أنا وأنت، قد تداخلنا بعض الأفكار السلبية مما قد ذكرت دون أن ندرك ما هي، لكن إن علمنا ما تأثير تلك الأفكار علينا سنصحح من أنفسنا ونراجع نياتنا ومن ثم قراراتنا قبل أن نقدم على الضغط على زر الإعجاب أو المشاركة. معرفتك بأن ليس كل ما تقرأه أو تشاهده أمر طبيعي يخفف حتى الضغط النفسي عليك وقد يقلل الألم والاكتئاب، فقط تذكر بأن لا أحد مستفيد من اكتئابك… وإن حاول البعض تصويره بأنه جزأ من الحل! ماذا يستفيد المظلوم وصاحب القضية من اكتآبك؟ وبماذا ينفعه حزنك؟ ما ينفع هو قوتك ووعيك وذكائك ونظامك، أن تعرف أن تقرأ المعلومة وتحللها وتبني عليها فعلا يحقق فائدة ولا يتسبب بضرر… قدر الإمكان.

هناك جملة تتكر بما معناه “لا تتوقف عن الحديث عن فلسطين!”، ورغم كل ما ذكرت في هذا المقال فإني أتفق معها، لسببين. أولا لأن المتابع الواعي والمثقف والجاد إن توقف عن الحديث فإنه سيترك الساحة للمتابع العاطفي والمتعصب والجاهل. نحن بحاجة لمزيد من الوعي، لمزيد من المعلومات والحقائق والحجج مما يؤثر بالناس إيجابا ويشكل جبهة مضادة لفيالق السلبية. السبب الثاني هو أن الصوت فعلا يجب أن لا يسكت حتى لو انفرجت الأزمات الوقتية. علو الأصوات وقت الأزمات ووقت تصاعد العنف والدمار أمر طبيعي، ما هو غير طبيعي هو أن تختفي تلك الأصوات العالية مع الانفراج المؤقت لها أو مع طول الأزمة وملل الناس منها وانشغالهم بغيرها وتناسي أن السبب الرئيسي لها لم يزُل. توقف الحديث عن المشاكل بشكل عام هو نتيجة طبيعية كما ذكرنا من قبل، وهو نتيجة إيجابية تدل علي انفراجها، لكن توقفه دون ذلك الانفراج الجذري يجعل من الأصوات ليست إلا عبثا.

الحديث الإيجابي العاقل يجب أو يوجه بصياغة سليمة وهدف واضح ولجمهور معروف سلفا. لا داع للإطالة في شرح ما أقصده لأنني تحدثت عن ذلك الأمر في مقالات سابقة بإسهاب. الطرح السلبي للقضايا، بغض النظر عن نية أصحابه، قد يضر أكثر مما ينفع، قد يسبب كآبة ومللا وغضبا، وقد يستغله البعض بدهاء وخبث رغم إخلاص المثيرين لذلك الطرح وصدقهم. الحل الأمثل هو أن تتبنى الطرح الإعلامي والتوجيه الثقافي جهات منظمة على درجة عالية من الذكاء والوعي والثقافة والعلم والاطلاع على أصول العمل الإعلامي وبتمويل سخي وإدارة شفافة ومنظمة، وذلك ليس بأمر مستحيل ولا بالغ الصعوبة.

العمل الشخصي الفوضوي لا يمكن أن يحقق هدفا بعيد المدى، مفيد في أوقات وظروف معينة ولا أشك في ذلك، ولكن دون التوجيه والتنظيم فإني لا يمكن أن أثق به ولا أعتمد على نتائجه. وكذلك لا يعتمد على تحركات المنظمات والجهات السياسية والدينية لأنه لا يمكن ضمان توجهاتها ونواياها وأهدافها ومصالحها. نعم قد نلاحظ على وسائل التواصل الاجتماعي أفرادا يؤمنون بقضية ويتحدثون عنها من حين لآخر بحماس وبشبه ثبات، لكن نشر هؤلاء الأفراد عن القضية بوستا أو اثنين بين الحين والآخر وسط منشوراتهم عن هواياتهم وأخبار أبنائهم وآخر المطاعم التي زاروها أو حتى الكتب التي قرؤوها هو أمر لا يعول عليه! مهما كان الفرد مؤثرا ومشهورا ومحبوبا فإن تبنيه للقضية -رغم إيجابيته- لا يمكن أن يكون بقوة التبني المؤسسي لها. الفرد متغير، حتى أحبابه قد ينقلبون ضده في يوم ما، أو يملون حديثه، وينقلبون حتى على أفكاره وقضاياه، وقد يغير هو آراءه… بل قد يموت الفرد! بينما المؤسسة ثابتة، لها أهداف وتوجهات وخطط واضحة لا تتغير بتغير الأفراد، وهنا يبرز الفرق.

من الطبيعي جدا أثناء الأزمات أن تنتشر بين الناس ثقافة قد تبدو في ظاهرها إيجابية. عند الأزمات يظهر علي السطح “ما يشبه الوعي”، وعي وهمي، لا يمكن لأحد أن يقنعني أن تلك الثقافة إيجابية الظاهر أمر جدي ولا أنها تغير حقيقي بالمجتمع! كم من أزمة أشعرتنا بأننا باطنيا بخير، وأن حياتنا ستتغير من بعدها؟ فهل فعلا تغيرت؟ أم أن الطبع غلاب؟ أم أن هناك من هو أشطر منا كشعوب ولديه السلطة والقدرة والمكر كي يعيدنا إلى ما كنا عليه من تجهيل وتسخيف وضياع… وبؤس؟ ربما الأمر خليط من الكل، شعوب ضائعة مع التيار وأصحاب سلطة (سياسية وتجارية وفكرية) ميكافيليين يجيدون السيطرة والتحكم لتحقيق مصالحهم الخاصة، لكن فوق ذلك كله، وسبب تلك الدوامة اللامنتهية من الوعي الوهمي والضياع الحقيقي والجوهري… هو الفوضى!

في عز صدمتنا بجائحة كورونا كتبت مقالا تحدثت فيه بوضوح وتفصيل عن كيف غيرت تلك الأزمة ثقافة الناس، خاصة ثقافتهم الاستهلاكية. أثناء تلك الأزمة كنا موقنين بأننا يجب أن نتغير، بل أننا بالفعل تغيرنا ولا يمكن أن نرجع لسلبيات ما قبل الكورونا من فكر استهلاكي واقتصاد هش كعجينة السمبوسة! أدركنا بالفعل بأننا أشطر من التجار، لكنه كان إدراكا فوضويا وهميا، وغلبونا التجار! كتبت ذلك المقال وأنا أرى بعيني تلك التغييرات الإيجابية التي طرأت على فكر الناس وحديثهم وأفعالهم، كان الأمر أشبه بعالم يوتوبي مثالي مرئي وموثق، لكن رغم ذلك، بنهاية المقال، لم أتفاءل… كما أني لا أتفاءل اليوم! كان لدي آمال، مثل آمالنا جميعا في خضم نشاطنا وتفاعلنا مع أي أزمة، بأن هذه المرة “غير”، بأن تغييرا حقيقيا سيحصل، بأن هذا الجهد الذي بذل سيأتي بنتجية وحل حقيقي، بأن هناك قرارا سيتخذ ونظاما سيقر، لكن من نخادع غير أنفسنا؟ الآمال شيء والواقع شيء آخر، ومع كل أزمة وكل اضطراب بالمجتمع تتكر نفس السلسلة من الصدمة والوعي الوهمي ومن ثم النسيان والعودة للضياع، لأن الوعي لم يتأصل والجذور لم تعالج، لأننا نبحث عن الحلول الأسهل والأسرع، لأننا نعشق المخدر السريع ولا نرتضي لأنفسنا القليل من التعب في سبيل إيجاد نظام حقيقي نسير عليه في حياتنا، وفي ظل فوضانا لن نجني غير خدر زائل، بعده سيعود الألم، ويستمر النباح الأبدي.

فلسطيني تحت الاحتلال العراقي: تاريخ العلاقات الكويتية الفلسطينية أثناء الغزو وبعده

الحديث عن العلاقة الكويتية-الفلسطينية بفترة الغزو العراقي وما بعدها من المواضيع الحساسة جدا والتي تتباين فيها الآراء وتتدخل فيها العواطف بشكل كبير. وحتى التناول الموضوعي لهذه القضية معرض لردود الفعل العاطفية ذاتها من كلا الطرفين، وذلك يدخل الموضوع بمجال قريب من التابوهات المحرمة التي يتجنبها من يسعى لتقديم وجهة النظر الموضوعية المنشودة، لكن لا بد من تسميك الجلد وتحمل ما سيأتي.

ما دفعني للكتابة في هذا الموضوع هو قراءتي لكتاب أيام الغزو: يوميات إسماعيل شموط أثناء احتلال الكويت. قدمت مراجعة موضوعية للكتاب على موقع جود ريدز لمن أراد أن يأخذ فكرة عن الكتاب ومحتواه، لكنه باختصار (كما يوحي اسم الكتاب) هو مذكرات كتبها الكاتب والفنان الفلسطيني إسماعيل شموط خلال أيام الاحتلال الاحتلال العراقي للكويت والتي كان يعيش على أرضها خلال تلك الفترة. بالإضافة للجانب التوثيقي للكتاب فإن القارئ يمكنه أن يستشف بوحا عاطفيا من الكاتب يتعلق بهويته كفلسطيني على أرض الكويت المحتلة، ومن هذا البوح نستطيع أن نستخرج مجموعة من الأفكار هي أساس هذا المقال.

السؤال الكبير

بالبداية نتحدث عن المشكلة المختلف عليها، وهي باختصار سؤال: هل خان الفلسطينيون الكويت ووقفوا بصف المحتل العراقي ضدها؟ وهو سؤال تصعب الإجابة عليه بنعم أو لا، واستسهال الجواب مسألة أخلاقية يجب معالجتها بعمق.

من هم الفلسطينيون الذين نتحدث عنهم هنا؟ هل هي القيادات الفلسطينية؟ هل هم من كانوا خارج الكويت أم داخلها؟ هل هم من بقوا داخل الكويت أثناء الاحتلال أم من خرجوا منها؟ التعميم على مجمل ملايين الفلسطينيين بالطبع أمر لا يجوز، فعن من نتحدث هنا؟

موقف الخارج

الموقف الأشهر هو بالطبع موقف قيادات منظمة التحرير الفلسطينية، فهي من المفترض أن تكون الممثل الرسمي للفلسطينيين والمتحدث باسمهم في ذلك الوقت. المنظمة، مثل الكثير من العرب، كانت في موقف حائر، فموقفها المعلن كان رافضا لغزو دولة عربية لدولة أخرى، لكن هذا الرفض كان يصحبه رفضا للتدخل الأجنبي الساعي لتحرير الكويت… وهذا ليس كل شيء!

من الحيل التي استند عليها المحتل العراقي كانت ربط احتلاله للكويت بالقضية الفلسطينية. إحدى الشروط التي تباناها وأصر عليها النظام العراقي لانسحابه من الكويت في فترات مختلفة من الغزو كانت ضرورة عقد مؤتمر لحل القضايا العربية، وأبرزها القضية الفلسطينية، وإنهاء الاحتلال الإسرائيلي للأراضي العربية. ونعم، هي حيلة للمماطلة ولتعقيد وتبرير جرم الاحتلال وجذب استعطاف الشعوب العربية، وإلا ما العلاقة بين الأمرين؟ هل من الأخلاق أخذ الكويت كرهينة من أجل الضغط على العالم لحل قضية فلسطين؟ خاصة أن التبرير الأساسي لهذا الغزو كان ضم الكويت للعراق لكونها جزءا تاريخيا منه، فمنطقيا هل بالنهاية سيتخلى العراق عن جزء منه (حسب كلامه) من أجل فلسطين؟ أليس ذلك تناقض مع مبدأ الأمة العربية الواحدة التي كان النظام يدعي الإيمان فيها؟

ما يهمنا هنا هو الموقف الفلسطيني المتردد، فالحجة هنا هي أن عدم مساندة العراق تعني التخلي عن فرصة لحل القضية الفلسطينية، كما أن مساندة جهود تحرير الكويت تعني مساندة الوجود الأجنبي بالمنطقة، وتعني الوقوف بصف الولايات المتحدة… وهي الداعم الأكبر لإسرائيل. ذلك الوضع -ظاهريا- سبب للفلسطينيين ولكثير من العرب أزمة أخلاقية أضعفت من موقفهم تجاه دعم الكويت في أزمتها، من ذلك أتى الموقف المتردد ما بين الوقوف مع الكويت وما تعانيه من آثار الاحتلال وبين الحزم في السعي لتحريرها. ذلك يعني أنه لا بأس لدى أصحاب هذا الموقف من معاناة الكويت تحت الاحتلال مقابل الأمل بأن يخضع العالم للموقف العراقي ويتحرك لحل قضية الفلسطينيين. نضيف لذلك تحسر غالبية العرب، بما فيهم الكويتيين ذاتهم، على خسارة العرب للقوة العسكرية العراقية في حالة نشوب حرب لتحرير الكويت، ذلك الجيش “العظيم” الذي كان يؤول عليه أن يكون سندا للعرب وأداة لتحرير فلسطين إن نشبت حرب لتحريرها، جيش كان يقدر بما بين رابع إلى سادس أكبر جيش بالعالم معرض للدمار إن نشبت الحرب… وليست أي حرب، حرب بقيادة أمريكا! فأين نقف؟ مع العراق أم مع الكويت والتحالف المساند لها؟ أم بين البين إن كان ذلك ممكنا؟ بالنسبة للكويتيين، ولغالبية العالم الممثلة في موقف الجامعة العربية والأمم المتحدة، ليس هناك بين بين، وليس هناك مبرر أخلاقي ولا حتى منطقي للوقوف مع المحتل الذي بادر بمحض إرادته باحتلال دولة مجاورة وعاث فيها تخريبا وتنكيلا ثم جاء ليخلط الأمور ويقدم المبررات لاستمرار هذا الاحتلال.

ذلك الموقف الأخلاقي الذي نتحدث عنه هو موقف “ظاهري” كما أسلفنا، لكن واقعيا كلا من الموقفين الرسمي والشعبي لا يحتمل ذلك التبرير الأخلاقي، بل هو موقف داعم لذلك الاحتلال بشكل مفضوح مهما اصطبغ بالمبررات، ولذلك دلائل عديدة لا ينكرها إلا الجاهل بتاريخ ما حصل.

من فلم وثائقي (١٩٩٨)

رسميا، العديد من الأحزاب والحركات الفلسطينية كانت لها مصالح مباشرة مع النظام العراقي، فكان قادة تلك الحركات مستمرون بلقاءاتهم مع الرئيس العراقي وبتقديمهم لفروض الطاعة والتقدير له شخصيا ولموقفه، وكل ذلك كان موثقا ومرئيا أمام الأعين. وبالطبع فإن تلك الحركات كان لها المؤيدون من الشعوب، فهي ليست حركات صورية! ومن ذلك خرجت المظاهرات في الشوارع العربية والأجنبية تدعم شخص الرئيس العراقي وتحمل صوره وتدعوا له بالمجد والنصر. وشعبيا أيضا كانت تلك الجماهير شامتة بالكويتيين وكانت تسخر منهم وتضايق المنفيين منهم، وذلك أيضا موثق بالشهادات وأيضا لا ينكرها إلا جاهل أو متجاهل. فهل هناك ما يبرر تلك المواقف؟ هل رفض الوجود الأجنبي أو الحفاظ على الجيش العراقي يستدعي ذلك الموقف؟ تلك المواقف تحدث عنها شموط ذاته، ونقل على لسان بعض من قابلهم من الفلسطينيين بأنهم يأسفون على ما أصاب الكويت، لكنهم يرون أنه شر مبرر ولا بأس به في سبيل تحقيق “أهداف قومية ووطنية فلسطينية” كما كانوا يعتقدون (إسماعيل شموط، أيام الغزو، ص٣٣٤).

الموقف الرسمي للمنظمة رغم محاولات تغطيته بما ذكرناه من مبررات كان مفضوحا من جوانب أخرى. من المعلومات الخطيرة التي ذكرها إسماعيل شموط بكتابه هو لقاءه بشهر نوفمبر، بعد ثلاثة شهور من الغزو، بعزام الأحمد السفير الفلسطيني ببغداد الذي زاره في منزله، والذي أوضح له نيته من زيارة الكويت وهي افتتاح ملحقية للسفارة الفلسطينية في الكويت(ص٢٨٦)، أي أن السفارة الفلسطينية في بغداد ستكون “الأصل” والملحقية في الكويت هي “الفرع” لها! وذلك اعتراف رسمي من السلطة الرسمية الفلسطينية بكون الكويت منطقة تابعة للعراق! شخصيا لم أسمع بهذا الأمر سابقا، وذلك أمر مبرر لأن السلطة في ذلك الوقت كانت تنكر هذا الاعتراف، لكن مرة أخرى الحقائق التاريخية، كما فضحها شموط، لا يمكن إنكارها مهما حاول الساسة تغطيتها بأحاديثهم.

موقف الداخل

الموقف الأصعب والذي كان له الأثر الأكثر إيلاما هو موقف فلسطينيي الداخل الكويتي، والحديث فيه حساس للغاية. كانت الجالية الفلسطينيه في الكويت بفترة النصف الثاني من القرن العشرين وحتى تحرير الكويت حالة خاصة، تختلف عن حالة بقية الجاليات العربية والأجنبية فيها. نعم هناك المقولة الشهيرة بأن الفلسطينيين ساهموا ببناء الكويت الحديثة، والحديث ما يزال يدور إلى اليوم عن فضل الفلسطينيين على الكويتيين في كافة المجالات من التعليم إلى الطب إلى التجارة، وذلك أمر لا ينكر. بنفس الوقت، الفلسطينيين كذلك لا ينكرون فضل الكويت عليهم، فهي البلد الذي كان يستضيف مئات الآلاف منهم (يقدر العدد بـ٤٠٠ ألف فلسطيني كان في الكويت قبل الغزو) ممن استمروا بالتوافد إليها بعد أن سدت حتى أقرب الدول العربية لهم أبوابها، ومن خير الكويت كانت تلك العائلات تعين وتعيل مئات آلاف أخرى من الفلسطينيين في مختلف دول العالم.

هؤلاء الفلسطينيون كانوا ينقسمون إلى قسمين رئيسيين ركز عليهما إسماعيل شموط كلامه في الكثير من مواقف الكتاب: فهناك الفلسطينيون من حملة جوازات السفر الأردنية، وهؤلاء حالهم كان أيسر أثناء الغزو لتمتعهم بحرية أكبر عند مغادرتهم للكويت، وهناك الفلسطينيون من حملة وثائق السفر المصرية ممن يصعب عليهم حتى دخول مصر ذاتها التي أعطتهم تلك الوثائق بعد نزوحهم إليها بعد حرب ١٩٦٧. مثل كل من كان في الكويت أثناء الغزو عانى الفلسطينيون كثيرا بسبب توقف الحياة فيها وانقطاع دخلهم، ونتيجة لذلك خرج من الكويت من استطاع الخروج. من استطاع الخروج هنا نعني فيها حملة الجوازات الأردنية، بما في ذلك أبناء شموط. ويقدر شموط عدد من ترك الكويت من الفلسطينيين والأردنيين بحوالي ستين ألف عائلة وذلك خلال الشهرين الأولين من الغزو (٢٢١)، وهي أرقام تقديرية ولا بد أنها تزايدت لاحقا (يقدر عدد من غادر بـ٢٠٠ ألف فلسطيني). أغلب من تبقى من الفلسطينيين في الكويت كانوا من حملة وثائق السفر المصرية لصعوبة تنقلهم بتلك الوثائق، بالإضافة لمن لم يستطع الخروج لأسباب مادية أو غيرها، وهناك بالطبع البعض منهم من فضلوا البقاء في الكويت لأي أسباب أخرى، مثل شموط ذاته.

الكويتيون بالداخل كانوا على اطلاع على الموقف الفلسطيني، سواء من خلال ما يسمعونه من أخبار أو من خلال ما شهدوه بأعينهم. لمّح شموط بأكثر من موضع بكتابه بأن بعض الكويتيين كان لهم موقف عدائي تجاه فلسطينيي الداخل الكويتي، وآخرون على العكس، متعاطفون معهم، ومن المؤكد بأن لكل منهم أسبابهم. واحدة من أهم تلك الأسباب كانت التعاون مع المحتل بشكل مباشر أو غير مباشر. يذكر شموط بأن من تعاون بشكل مباشر مع المحتل أو ارتكب أعملا توصف بالخيانة لا يتجاوز “بضع مئات، أو قل ألفا أو ألفين” من أصل مئتي ألف فلسطيني كانوا لا يزالون في الكويت (ص٣٢٢)، وهي كلها أرقام تقديرية غير دقيقة، لكنها بالتأكيد أرقاما ليست بسيطة في تلك الظروف. يبرر شموط تلك الحالة بأنها أمر “طبيعي” في تلك الظروف، وأنها حالة بشرية عادية! تشمل أشكال الخيانة تلك التعاون المباشر مع المحتل عسكريا واستخباراتيا، بالإضافة للأعمال الإجرامية وأعمال استغلال الظروف للاستفادة المالية والتجارية.

فئة أخرى ثار حولها الجدل وتحدث عنها شموط هي من تجاهلوا مبدأ العصيان المدني. فأثناء الاحتلال كان هناك رفض من قبل الكويتيين للالتحاق بأعمالهم ومدارسهم، ما عدا بعض الوظائف الأساسية كمجالات الطب وخدمات الطاقة والاتصالات، والتي اشتغل الفلسطينيون فيها كذلك. لكن شموط يشير بكتابه إلى استغرابه من الفلسطينيين ممن قبلوا العمل في المدارس وألحقوا أبناءهم بها، وإن كان قد برر تصرفهم ذلك بلسانهم بأنهم كانوا بحاجة للمال، ولشغل أوقات فراغ أبناءهم!

كل ذلك والكويتيون يسمعون ويراقبون وإن كان ليس لهم حول ولا قوة للتصرف في حينها. كانت أخبار تلك الخيانات تتداول بينهم، بل وتزداد وتتضخم أثناء انتقالها، وأضف لذلك الأخبار والمواقف السياسية والشعبية المعروفة التي تحدثنا عنها مسبقا. كل ذلك أدى إلى ردة فعل كويتية غاضبة تجاه الموقف الفلسطيني (والعربي بشكل عام) من الغزو بشكل تعميمي! بعض ردود الأفعال تلك كانت متطرفة، كموقف “الصديق” الكويتي “حاد الطباع” الذي قابله بعد أربعة أشهر من الغزو، والذي -ككثير من الكويتيين برأيي- كفر بفكرة العروبة والقومية بسبب المواقف العربية من الغزو، والذي كان يؤمن بضرورة طرد كل من تعاون مع المحتل أو قام بخدمته بأي شكل من الأشكال وأن تكون الكويت للكويتيين بعيدا عن شعارات العروبة والقومية. حديث ذلك الصديق سبب خوفا من المستقبل لشموط، فراح على إثره يعدد تبريرات الفلسطينيين وأفاضلهم، تبريرات لنا أن نأخذ منها ونرد بعضها، ونتيجة لذلك الخوف نراه أيضا مهتز الشعور تجاه فكرة ربط الغزو بحل القضية الفلسطينية التي كان رافضا لها بالبداية! فأين يذهب الفلسطينيون إن طردوا من الكويت؟ فهم على خلاف الجنسيات الأخرى التي خرجت من الكويت لا وطن لهم ليعودوا إليه، وأغلبهم يصعب استقبالهم في أي مكان بسبب وثائق سفرهم، فماذا سيكون مصيرهم إن لم تحل قضيتهم؟ تلك الحالة الفلسطينية من الشتات ليست بجديدة، فبعد خروجهم من أرضهم بسبب الحروب المتتالية طردوا قبلا من الأردن بعد أحداث أيلول الأسود عام ١٩٧٠، وبعضهم هجّروا من لبنان بعد اجتياح ١٩٨٢ (ومنهم شموط ذاته). لذلك خوف شموط من استمرار ذلك الشتات نجد له بعض التبرير.

الموقف الكويتي

من المؤكد بعد كل ما سبق بأن الموقف الكويتي من الفلسطينيين (والعرب عموما) لم يكن بلا مبرر، قد يكون متطرفا بالعداوة لدى بعض منهم، وقد يكون مبالغا بالتسامح وحسن النية لدى القلة من البعض الآخر. لكن بنظر الكل فإن موقف الفلسطينيين بكافة فئاتهم الرسمية والشعبية بشكل عام لم يكن كما كان مأمولا منه، كما رأيناه بالتاريخ الموثق. من ناحية يرى الكويتيون بأن استضافتهم لمئات آلاف للفلسطينيين عبر العقود الماضية وتوفيرهم لأمل بالحياة لهم ودعمهم المادي والمعنوي لقضيتهم طوال تلك السنين يجعلهم يستحقون موقفا أكثر حزما ودعما ووضوحا عندما احتاجوا له بأزمتهم، فكانت خيبة آمالهم كبيرة بعد ما شاهدوا من تخاذل وصل لحد الخيانة وتأييد المحتل، موقف لا يتناسب ولا يرقى لمستوى مواقف الكثير من الشعوب التي دعمت قضية الكويت بكل وضوح، كالشعوب الخليجية. ومن ناحية أخرى نرى حتى أكثر الفلسطينيين تعاطفا مع الكويتيين، كإسماعيل شموط، يجعلون لأنفسهم استحقاقا يتيح لهم حق الوجود في الكويت بحجة أنهم هم من عمّرها وأدارها قبل الغزو وأثنائه (ص٣٢٠) وذلك باسم العروبة والقومية، وبالتالي لا يستحقون ردة الفعل الكويتية تلك. ولا يلام هؤلاء ولا هؤلاء.

نعم، بعد التحرير مباشرة وفي ظل الفوضى حدثت أعمال انتقامية من بعض الكويتيين ضد بعض الفلسطينيين، قد لا تكون موثقة بوضوح، والعذر كان الانتقام من الخونة المعروفين ممن تعاونوا مع المحتل أو سببوا الأذى لغيرهم. لا يمكن لأحد تبرير تلك الأعمال الانتقامية الفوضوية، لكن يدعي البعض أنها لم تكن انتقاما من الفلسطينيين بشكل عام، بل من بعض من ثبت تعاونهم مع المحتل. هي أعمال متطرفة وحدثت وسط الفوضى كما قلنا، وكان يجب أن تتم وفق القانون وتحت أعين القضاء، وهي رغم أنها كانت انتقائية وليست عامة إلا أنها أثارت الرعب في الأوساط الفلسطينية وأدت إلى هجرة أغلبهم من الكويت بعد التحرير مباشرة. الموقف الكويتي الرسمي لاحقا منع عودة من غادر الكويت من الفلسطينيين بعد قطعٍ للعلاقات مع الدولة الفلسطينية استمر ما يقارب العشرين عاما.

الموقف الشعبي الكويتي من الفلسطينيين ومن ما أطلق عليه اسم “دول الضد” ظل متكهربا لسنين طويلة. في فترة ما بعد التحرير ألغى الكويتيون في المدارس صيحة “تحيا الأمة العربية” التي كانت تقال قبل تحية العلم كل صباح. هل هذا الموقف مبرر؟ هل يلام الكويتيون على ذلك بعد ما مروا به من أحداث وما شاهدوه من مواقف؟ لا يمكن لأحد أن يجيب على هذه التساؤلات، ولا يحق لأحد محاولة الإجابة ببساطة لأنها كانت ثقافة عامة جاءت كرد فعل على أحداث صعبة وبغاية التعقيد. لكن ذكرها ودراستها ومعرفة أسبابها أمر بغاية الأهمية حتى نفهم ما حصل.

عودة المياه

بالطبع مع مرور السنين تغيرت الأحوال، فالعلاقات الدبلوماسية مع دول الضد عادت طبيعية. حتى الفلسطينيون أنفسهم اعترفوا لاحقا بخطأ موقفهم من الغزو رسميا وتصالحوا مع الحكومة الكويتية وأعادوا افتتاح سفارتهم في الكويت. يجدر القول كذلك أنه حتى شعبيا لم يتخل الكويتيون عن دعم القضية الفلسطينية حتى قبل عودة العلاقات الرسمية، ويتمثل ذلك بالتعاطف الإنساني وبالدعم المادي، واستمر هذا الدعم والتعاطف إلى يومنا هذا.

Palestine from Moayad Hassan on Vimeo.

والسؤال هنا، إن كانت القضية الفلسطينية هامة للكويتيين اليوم كما كانت منذ عقود من الزمن لم إذا استذكار الماضي واستحضار موقف طارئ تضررت فيه هذه العلاقة واضطربت؟ وهل تذكر الموقف الفلسطيني من الغزو العراقي للكويت يفيدنا بشيء سوى تأجيج الخلافات وزيادة الشقاق بين الشعوب؟

والجواب هو نعم، استذكار تلك المواقف أمر هام ومفيد. حفظ التاريخ وتوثيقه شيء لا غنى عنه، وإلا لكنا نعيش حياتنا بتخبط وسبهللة! أضف لذلك أنك إن لم تكتب تاريخك… سيكتبه غيرك لك! تناسي المشاكل وعودة الود أمر محمود ويتيح لنا العيش بهناء دون تعصب وشد قد يعرقل تركيزنا على ما هو أكبر وأهم بهذه الحياة، لكن التناسي لا يعني نسيان ذلك التاريخ ومحوه باسم العفو عما مضى. وحديثي عن فائدة التاريخ هنا مرتبط بفهمنا ونقدنا وتحليلنا لهذا التاريخ، لا السرد الانتقائي المباشر بغرض الاستحضار والاحتجاج. فعندما نتذكر تاريخ الموقف الفلسطيني من الغزو علينا أن نسأل أسئلة مثل لماذا حدث ما حدث؟ ما الدوافع التي حدت الفلسطينيين لاتخاذ هذا الموقف؟ وهل كل ما سمعناه وقرأناه في حينها أو فيما بعد كان صحيحا أم أن هناك روايات أخرى لم نسمعها؟ تلك بعض الأسئلة التي يجب أن تطرح، لا تذكر الماضي بغرض استحضار الأحقاد، ولا تجاهله نهائيا واعتبار أنه شيء انتهى ولا قيمة له اليوم.

نعم التعاطف مع قضية الإنسان الفلسطيني شيء محمود دائما، مثل التعاطف مع أي إنسان معرض للظلم والقهر، لكن التعاطف لا يعني تغليب العاطفة، فحتى التعاطف يجب أن يكون عقلانيا! بل إن أساس ما حدث بين الكويتيين والفلسطينيين من مشاكل وشقاق كان سببه الأساسي وغلطته الكبرى تغليب العواطف على العقل. الأمل الزائف بقدرة النظام العراقي على حل القضية الفلسطينية، مشاعر القومية العمياء وشعاراتها وإحساس الاستحقاق، الخوف من المصير المجهول لما بعد الحرب، كلها عواطف سيطرت على الفلسطينيين وبعض العرب ودفعتهم لاتخاذ موقفهم المهزوز. والعكس صحيح، مشاعر الضعف والمظلومية وقلة الحيلة والغضب الناتج عنها ولد لدى الكويتيين حقدا دفعهم للانتقام الجسدي والعاطفي تجاه من كان ضدهم في أزمتهم. لو تركنا تلك المشاعر تسيرنا لاستمرت معاناتنا للأبد، فكل تعبير عن تلك المشاعر من طرف سيصحبه ردة فعل مشابهة ومضادة من الآخر، ولن نستقر إلا بالتعقل والتفكر والنقاش… لا النسيان.

لا أحب مقولة أن العرب شعوب عاطفية، فكل البشر عاطفيين، لكن ربما ثقافتنا وأدبياتنا وتاريخنا اللغوي العربي عوامل تساعد على التعبير عن تلك العواطف بشكل أوضح من غيرنا، لذلك يبدو أن عندنا نوع من التطرف العاطفي الذي يدخلنا في طريق المشاكل والشقاق. من ناحية أخرى نضيف أن لدينا تخوف من فكرة عرض التاريخ، ناهيك عن دراسته بتعقل وموضوعية، فذلك التاريخ إن رُجع له فإنه يستخدم عادة كأداة لخدمة رأي أو سلطة أو جماعة، وبالتالي تُخشى إثارته من الأساس في وقت الرخاء لتجنب الاضطراب، وحيلة طمس التاريخ كثيرا ما تلجأ لها السلطات لذلك السبب. تلك كلها أسباب تجعلنا عرضة للانزلاق في مسار التطرف، وفي حالتنا هذه تطرف بالأحقاد أو تطرف بالنسيان. أسهل طريق نتخذه لتجنب الخلافات والمشاكل هو بتجاهلها ومحاولة طيها ونسيانها وعدم الحديث عنها، وهذا أمر لا يقل خطورة عن الحارة المقابلة من طريق التطرف، فذلك التجاهل ليس إلا قنبلة موقوتة معرضة للانفجار في أية لحظة.

لذلك لنتحدث، ولنتذكر، ولنناقش، ولندون ونكتب ومن ثم نقرأ، بذلك فقط سنصل إلى الثقافة العاقلة التي تتعلم من التاريخ وتستفيد منه، وبذلك سنتجنب الأخطاء ونتفادى المشاكل وتصبح لدينا القدرة على أن نبني مواقف وقررات مدروسة تنفعنا وتنفع البشر.

حياة شفيق الغبرا غير الآمنة: قراءة نقدية

حياة غير آمنة - شفيق الغبرا

 

يحكي لنا شفيق الغبرا في كتابه حياة غير آمنة: جيل الأحلام والإخفاقات قصة محاولة فئة محددة من جيل محدد إحداث تغيير في تاريخ هذه الأمة… وفشلهم في تلك المحاولة!

 

إن كنت قد تأكدت من شيء بعد قراءتي لهذا الكتاب فهو رسوخ اعتقادي المسبق بأن الخلل متأصل في عمق ثقافتنا العربية، وتأثير هذا الخلل – كما تبين لي – لا علاقة له بالمستوى التعليمي أو الأكاديمي للأفراد، السرية الطلابية، تلك المجموعة المثقفة المتعلمة اليسارية المؤمنة بالعدل والمساواة واحترام الرأي واختيارات الإنسان وحقوقه، سرية محاربة منظمة تكونت من خيرة الشباب الجامعي في بيروت في فترة ما بعد النكسة (حرب ١٩٦٧) وسعت لمقاومة الإحتلال الإسرائيلي للأراضي العربية… ومقاومة قوى التخلف والرجعية العربية في نفس الوقت، يحكي لنا شفيق الغبرا كيف تكونت هذه السرية وكيف انضم لها وكيف تفاعلت هذه السرية مع ما أحاط بها من أحداث وكيف اضطرت لتغيير مسارها مرة تلو الأخرى مجاراة لتلك الأحداث.

يخبرنا الغبرا عن أهمية بيروت كواحدة من أهم المراكز ثقافية في الوطن العربي، وعن دور لبنان كحاضن لشتات اللاجئين والمشردين من أبناء الوطن العربي، وعن الجنوب اللبناني على وجه التحديد كخط المواجهة الأخير مع العدو الأهم و”القاعدة الآمنة” الأخيرة لحركة المقاومة، وكما نعلم فإن البوتقة اللبنانية التي جمعت مختلف أطياف الثقافات العربية انشرخت منذ ضلت أولى الرصاصات طريقها لتتوجه ناحية الأخ العربي بدلا عن المحتل الإسرائيلي، لكن هذا الانشراخ لا يهمني هنا… فأسبابه السياسية والاجتماعية كثيرة ومعقدة ومتداخلة وما كان لأحد أن يسيطر عليه، فبيروت بثقافتها وانفتاحها وحريتها لم تستطع مواجهة مد المصالح والأطماع وطوفان الطائفية والقومية الذين أغرقوها وجرفوا كل ما كانت تتباهى به من جمال… أو غالبيته على الأقل.

ما كان يهمني أثناء قراءتي لهذا الكتاب هو معرفة كيف انحرف مسار تلك الفئة النخبوية من الشباب العربي وكيف ترتبت الأقدار مكونة سدا بينها وبين أهدافها التي قامت عليها، وإصبع الإتهام هنا لا يمكن توجيهه بسذاجة نحو جماعة معينة أو فكرة واحدة أو حدث تاريخي محدد، بل هي سلاسل طويلة من الأحداث يتداخل معها ويشبكها ببعضها البعض إرث عميق من الأفكار والمعتقدات والقيم التي تربت عليها الأجيال، فنجد الغبرا من خلال أحاديثه مع من عاصرهم في ذلك الوقت يجد من يوجهه لهذه الحقيقة… حقيقة أن مشكلتنا الكبرى ليست بالاحتلال ولا المقاومة وحسب، بل مشكلتنا هي بطريقة تفكيرنا القائمة على الفردية وضعف الفكر القيادي والتخطيط بالإضافة لما يسود بيننا من طائفية وطمع وغرور وعدم تقدير لاختلاف الرأي ولا لحقوق الإنسان ولا للمرأة والأقليات، تلك هي القضايا الأهم والتي دون علاجها لن ينفعنا الرصاص ولا المتفجرات… وهذا بالضبط ما أثر على حركة الشباب وحرف مسارها.

قضى شفيق الغبرا ٦ سنوات كمناضل “رسمي” في لبنان، بدأت منذ استقر في بيروت في أوائل مارس ١٩٧٥ منظما للسرية الطلابية، وانتهت (عمليا) بمغادرته لها عام ١٩٨١ عائدا للكويت ومنها إلى الولايات المتحدة، خلال السنوات الثلاث الأولى من عمره النضالي لم يطلق الغبرا رصاصة واحدة تجاه أي هدف إسرائيلي!

لقد انجرت حتى أكثر التنظيمات العسكرية مثالية (السرية الطلابية كمثال) لعملية تشويش للأهداف التي قامت من أجلها، فصحيح بأن التبريرات التي ساقها الغبرا لانحراف مسعاها في محاربة الإسرائيليين وتحرير الأراضي المحتلة قد تكون منطقية نوعا ما… كمحاربة المتواطئين مع إسرائيل تارة وحماية “القاعدة الآمنة” للمقاومة من خطر الأنظمة والتنظيمات التي قد تهدد استقرارها أو تقيد تحركاتها أو تمنع نموها، لكن بالنهاية هؤلاء المتواطئون وتلكم الأنظمة والتنظيمات ومن انضم تحتهم من أفراد يبقون عربا وأشقاء وليسو هم المحتل أو العدو الأساسي الذي تآلف من أجل قتاله هؤلاء الشباب، والغبرا يعبر بأكثر من موضع بالكتاب عن مدى أسفه لاضطراره للقيام بهذه المواجهات التي كان من الأولى تجنبها.

إن أكثر ما آسفني أثناء قراءتي لهذا الكتاب هو الحديث عن أسماء من سقطوا في تلك المعارك العبثية التي لم تحقق لنا هدفا يذكر… ربما أكثر إيلاما من فكرة الفشل ذاتها! فكل بضعة صفحات من الكتاب نقرأ عن المفكر الشاب فلان الذي سقط في المعركة الفلانية، والمهندس الشاب فلان الذي قتل بانفجار لغم أرضي، والأديب الشاب فلان الذي قضى نحبه أثناء قصف المنطقة العلانية، وهكذا نستمر بقراءة أسماء هؤلاء الشباب الجامعي المثقف والطموح والذي بكل تأكيد كنا سنستفيد من حياته أكثر بألاف المرات من أخبار موتهم.

عندما نقرأ قصص هؤلاء الشباب برواية من عاشرهم وتعرف عليهم عن قرب وعاش نفس عيشتهم فإن ذلك يجعلنا أكثر إدراكا بأن ما نسمعه ونقرأه يوميا في نشرات الأخبار عن سقوط الضحايا في الحروب والمعارك المستمرة حولنا ليس مجرد أخبار تروى ولا أرقام تحصى، كل فرد يموت من حولنا في هذه الحروب له أهل وأصدقاء وله قصة وحياة وطموح وأهداف كان من الممكن أن يحققها في حياته فينفع بها نفسه وينفع أمته، فإن أدركنا ذلك أليس علينا إذن أن نكتفي بما خسرنا ونوجه طاقاتنا نحو الحياة بدل توجيهها إلى الموت؟

لو لم يقرر شفيق الغبرا الإنسحاب من حياة النضال في الوقت المناسب فلربما كنا قد خسرناه كبقية من خسرنا من شباب ولما استطعنا أن نقرأ كتابه هذا… وغيره من مؤلفاته، لكنه عاد إلى وطنه واستمر في حياته وحصل على أعلى الشهادات ورجع ليربي أجيالا من الشباب (وأنا أحدهم!) ويثقفهم بالقضية التي آمن بها، بالتالي بدلا من أن يكون رقما آخرا خسرناه بالحرب أصبح إنسانا منتجا أفاد أمته وقضيته أكثر من فائدة جميع الرصاصات والمتفجرات التي كان سيوجهها لو كان بقي مرابطا في الجنوب اللبناني.

عندما تحدثت في مقالي السابق عن ثقافة الرماد وكيف أن الأفكار السائدة لدينا والداعية للعنف والمتباهية فيه هي واحدة من أخطر ما نواجهه اليوم من مشاكل تؤدي لحالة التخلف التي نعيش بها فإني أرى من خلال هذا الكتاب تجسيدا تاريخيا موثقا على كلامي، كما أرى بفكرة انسحاب شفيق الغبرا من دوامة العنف واختياره لطريق العلم والثقافة كبديل هي قمة النضج التي يجب أن نسعى إليه ونحاول زرعه في أجيالنا القادمة، لا أدري إن كان الغبرا ذاته اليوم سعيدا بقراره هذا ومقتنعا فيه أم نادما عليه، ولكني أنا سعيد به، وسأسعد بأي قرار مشابه له من أي شاب اليوم، سأسعد بأي قرار يسعى لزراعة الحب بدلا عن #زراعة_الكراهية.

ثقافة الرماد

ثقافة الرماد

 

عندما أتعرض يوميا في تويتر ووسائل الإعلام العربية لسيل من الأفكار الداعية للعنف تحت مسميات مثل الكرامة والتضحية أو حتى الدفاع عن النفس فلا أستغرب، فبثقافتنا العربية نجد العنف مرتبطا بالشجاعة، وذلك يبدوا لنا جليا في الأدب والتاريخ وحتى الفن كما أوضحت في مقال نحن أبطال الجهاد، وقس على ذلك نوستالجيا البطولة العربية المتمثلة بأشعار عنترة بن شداد وقصص الزير سالم وملاحم أبو زيد الهلالي وأفلام فريد شوقي!لكي نكون واقعيين فإن كل أمة لها أبطالها “العنيفين”… لا خلاف على ذلك، لكن الفرق هو أن بقية الأمم تحاول حصر هذا العنف بزاوية الخيال الأدبي… إلا نحن! نعم تعتز كل أمة بأبطالها التاريخيين رغم دمويتهم… لكن عند دراستهم اليوم فإنهم يقدَّمون على شكل قصص وروايات وأفلام أقرب للخيال حينا… أو كدراسات أكاديمية تحلل وتفسر أسباب نجاحهم (إن كانوا قد حققو نجاحا) وتنقدها نقدا موضوعيا يظهرهم كشخصيات إنسانية تحمل الخطأ والصواب في أفعالها، فلا يقدَّمون أو تقدم بطولاتهم كمثال تربوي يحتذى بمدى العنف والدموية الذي يحتويه.

واقعيا… نحن ما زلنا نروج للعنف على أنه “حق مشروع” ولا ضير منه! مع أنه لو تبصرنا بهذه الجملة لاستوجب علينا أن نخجل من أنفسنا صراحة! بالطبع للهروب من قباحة كلمة “العنف” فإننا نجمّلها ونستبدلها باسم “المقاومة” حينا وباسم “إعلاء الحق” حينا آخر… وإلى آخره من الكلمات الداعية إلى إقصاء “الآخر” الذي لا يعجبنا لأي سبب كان، أي كأنك تقول بأنه من حقك أن تقتل وتدمر وتشعل الفتن وتثير المشاكل فقط لشعورك بأنك “مظلوم” مثلا أو تجابه الشر أو حتى تحاول إثبات موقف، بل ومن حقك مقاتلة كل من ينكر عليك “حقك” هذا!

بمحض الصدفة تاريخ كتابة هذا المقال (٣٠ يوليو ٢٠١٤) يتزامن مع الذكرى الرابعة والتسعون لميلاد فريد شوقي، نجم القوة والفتوة والعنف في الأفلام العربية القديمة!
بمحض الصدفة تاريخ كتابة هذا المقال (٣٠ يوليو ٢٠١٤) يتزامن مع الذكرى الرابعة والتسعون لميلاد فريد شوقي، نجم القوة والفتوة والعنف في الأفلام العربية الكلاسيكية!

قبل أن أبدأ بإيضاح وجهة نظري – التي قد لاتعجب الكثير من القراء – بهذه المسألة علي أولا أن أعرف المقصود بكلمة “العنف”، يعرف العنف بأنه: “سلوك يتضمن استخدام القوة المحسوسة بغرض إلحاق الأذى أو الإضرار أو قتل شخص أو شيء ما”، ويطلق العنف كذلك على القوة العاطفية أو القوة الطبيعية المدمرة (التعريفات من قاموس أوكسفورد)، من ذلك نستنتج بأن المقصود بالعنف هو فعل التدمير بحد ذاته بغض النظر عن أهدافه إن كانت شريرة أو “سامية”.

فهل نحن كأمة عربية نهتم بهذا المعنى للعنف؟ يكفي القول بأن صفحة تعريف “العنف” بالويكيبيديا العربية وقت كتابة هذا المقال هي فقرة واحدة (٤-٥ أسطر)، بينما الصفحة الإنجليزية مجرد المرور السريع عليها يصيبك بالملل لطولها! الصفحة الإنجليزية تحتوي على ١٣٢ مصدرا، بينما العربية تحوي ٤ مصادر… مكتوبة باللغة الإنجليزية!! وهذا دليل مادي بسيط على مدى اهتمام ثقافتنا العربية بمفهوم العنف.

لكي تصل فكرة العنف لمستوى القبول كما هو موجود في ثقافتنا فإنه لا بد من أنه قد تمت عملية تأسيس ثقافي متين لها، فهي فكرة ليست هينة إطلاقا، التأسيس الثقافي لديه الإمكانية بأن يربط أي معنى بأي رمز إن مورس بشكل مركز ومخطط له، حتى لو كان ذلك المعنى غير منطقي، مثال على التأسيس الثقافي – كما أقوم بشرحه لطلابي – هو معنى الألوان، الألوان بشكل عام عبارة عن رموز، حالها حال الأشكال والكلمات والمفاهيم، والرموز يمكن أن تحمل عدة معان حسب المؤثرات الثقافية (مثل اللغة، التربية، التعليم، الديانه، الظروف الاجتماعية والاقتصادية… الخ)، فلو تم تدريسك وتأكيد فكرة أن اللون الأبيض مثلا هو لون حزين منذ طفولتك فستكبر وأنت مؤمن بهذا الأمر، فإن كبرت وشاهدت عروسا ترتدي فستانا أبيض بيوم زفافها ستستغرب وتستنكر الأمر!

قس الكلام المذكور أعلاه على مفهوم العنف وربطه بالشجاعة والكرامة والنخوة ودفع الظلم كما تم تعليمنا، إن كنت مؤمنا بهذا الإرتباط فإنك لا تلام بصراحة! نحن أمة نشأنا على تلك الأفكار العنيفة وتم تأسيسنا عليها ثقافيا عن طريق التربية الأسرية والمناهج الدراسية والسرد التاريخي والإعلام وحتى الدين، شاهد معي هذا المثال الصارخ حول الكيفية التي تتم بها زراعة العنف والكراهية بنفوس أطفالنا والذي أسردت لها مقالا كاملا يحمل عنوان زراعة الكراهية كنت قد كتبته عام ٢٠٠٨:

 

 

تحدثت في المقال عن امتعاضي من الإصرار على إذاعة هذه الأغنية الكارثية تربويا على إحدى قنوات الأطفال المشهورة (قناة سبيس تونز)، وكيف أن الخطورة ليست فقط في محتواها العنيف والإقصائي… بل بمحاولة بث هذه الأفكار وتعميمها على عقول كافة المشاهدين من الأطفال، يعني كل أب أو حتى مؤسسة تربوية قد يكون لهم الحق في تنشئة أبنائهم بأي فكر يريدون مهما كان غير مقبول بالنسبة لنا، لكن المصيبة هنا هي محاولة فرض هذه التنشئة على عامة أطفال الأمة، وقد يكون ما نشاهده ونقرأه اليوم من أفكار عنيفة يطرحها شباب التويتر هي – جزئيا – ناتج لما شاهدوه وسمعوه على سبيس تونز قبل ٦ سنوات، طبعا أنا هنا لا ألوم هذه الأغنية أو هذه القناة لوحدها كسبب لفكر العنف الموجود لدينا… فتلك سذاجة! ولكن كما بينت أعلاه فإنها منظومة ثقافية متأصلة ومتجذرة لدينا تبث هذه الأفكار والمفاهيم وتجعلها جزءا منسوجا ضمن خيوط نسيجنا الثقافي.

هل معنى ذلك أننا أمة كتب عليها أن تعيش العنف والكراهية ولا أمل لها بالتغير؟

طبعا لا!

الثقافة عملية مستمرة، تغييرها يحتاج لإيمان بأهمية التغيير وإصرار على المبدأ ومجابهة شجاعة للأفكار السائدة، وحديثي في هذا المقال ليس موجها لدعاة العنف بل هو لرافضيه، أدعوهم ليرتفع صوتهم وينجلي خوفهم من الأصوات العالية المحيطة بهم… وهي أصوات مرعبة بالفعل! دعاة العنف في مجتمعاتنا لا يستسهلون ممارسة ذلك العنف على مخالفيهم وحسب… بل يستسهلونه حتى ضد مع يطرح أفكارا نابذة للعنف الذي يدعون إليه حتى لو كانوا من أبناء جلدتهم، فالداعي للسلم ولنبذ العنف بالنسبة لهم تطلق عليه صفة الذلة والخنوع والاستسلام حينا والخيانة والعمالة حينا آخر، من الأمور التي طالما أصابتني بالحيرة هي أننا كلما اشتعلت أزمة من حولنا نسعد عندما نشاهد أو نسمع أحدا من “الطرف الآخر” يعارض العنف، لكن عندما تكون المعارضة من طرفنا فتصبح محرمة! تجدنا نسارع للمشاركة بنشر صورة للمظاهرات الداعية لوقف العنف ضدنا، لكن عندما نسمع رأيا يطالب بوقف العنف من قبلنا فإننا أوتوماتيكيا نسميه صوتا انبطاحيا صهيونيا… فيالها من موازين مختلة لدينا!

من خلال ملاحظاتي على تويتر مثلا وجدت أن من يشاركونني رأيي الداعي للسلم كثر… لكنهم صامتون! على عكس الرأي السائد الآخر، أنا نفسي كنت أؤثر الصمت كلما اشتعلت الأزمات وعصفت بالأمة من حولي، فبالصمت السلامة، لكني وصلت لمرحلة لم أستطع معها الاستمرار بذات الصمت! وأنا اليوم أدعوا المسالمين الصامتين أمثالي أن يكفوا عن ذلك…

قولوا لا للعنف! لا لزراعة الكراهية!

نعم للسلام… نعم لزراعة الحُب!

قولوا نعم للعلم، للفن، للأدب، للثقافة، للتنمية، للبناء، للعلاقات الطيبة، للمعيشة الرغدة، للإنسان وحياته وحقوقه البشرية!

اقرأوا التاريخ ثانية ليس بغرض المتعة أو التغني بالأمجاد أو التحسر على الماضي، بل اقرؤوه قراءة نقدية محايدة غير متأثرة بأكاسيد الأفكار السائدة المترسبة في عقولكم، ليس كل سائد صحيح، وليس هناك معنى عالميا لكل رمز، إن أدركنا هذه الحقيقة فسنكون قد خطونا الخطوة الأولى في طريق إصلاح المفاهيم، فإن فعلنا ذلك سنجد بأن ما من أمة حققت مجدا بعنف، لم يحدث نماء وسعادة لأي شعب أثناء حرب، بجميع حروب العالم… الفائز والخاسر فيها لم يتقدم ويتحضر ويقوى ويحقق الرخاء والسعادة إلا بعد أن يتم السلام والاستقرار.

الأمر بغاية البساطة ولا يحتاج لشهادة في الفيزياء أو الفلسفة حتى ندرك بأنه إن كان معي ألف دولار فيمكنني أن أشتري بها صاروخ غراد… أو أوفر بها علاجا أو وجبات طعام أو خياما تكفي لمساعدة ألف شخص، الخيار الأول خيار العنف والثاني خيار السلام، فماذا سنختار؟

——————

شارك برأيك على تويتر من خلال الهاشتاغ:

#زراعة_الكراهية

منطقة مغلقة | שטח סגור | Closed Zone

عندما تريد أن تقدم عملا فنيا يتحدث عن قضية إنسانية مثل قضية حصار غزة فيمكنك أن تقدم عملا مثل هذا:


ارفعو الحصار (youtube)


سبع دقائق من الصياح والمناحة و”الطرارة” وصور المآسي والدمار والقتل والتدمير مما لا تعرضه أغلب المحطات المحترمة إلا ما بعد الساعة الثامنة حفاظا على مشاعر أطفالها!

أو يمكنك إنتاج دقيقة ونصف مثل هذه:




فما الفرق بين الإنتاجين؟

الفرق بسيط، العمل الأول منتج بـ”عاطفة” فياضة لا نشك بصدقها، ولكن هل يا ترى درس منتج هذا العمل تأثير الرسائل والرموز التي حواها؟ هل فكر بجمهوره المستهدف؟ هل فكر بتأثير هذه الرموز على الجمهور غير المستهدف؟ هل أخذ بالحسبان مسألة اللغة المستخدمة؟ أقصد هنا كلا اللغتين المنطوقة والمرئية، هل العمل موجه للعالم أم للعرب؟ هل المعنى هو -كما فهمته – هو إشعاري “بالخجل” من نفسي لأني -كما يفترض المنتج- خذلت غزة وتخليت عنها؟ ما هو “الأكشن” المتوقع مني كمشاهد أن أقوم به؟ أحزن؟ أبكي؟ ألطم؟! أو “أتعاطف”.

العمل الثاني، كما فهمته، هو عمل تبصيري، أي أنه وخلال ثوان قليلة يشرح للمشاهد بشكل مبسط رؤية المنتج للوضع القائم في غزة، عرض لنا مبدأ واحدا فقط وبشكل مركز… وهو مبدأ الحرية… حرية الحركة بالتحديد، عناصر العمل ورموزه وحتى عنوانه جميعها مترابطة ومركزة، أهم عنصرين بالعمل هما الطائر والشاب، وكلاهما يعبران عن نفس المبدأ المرموز له بوضوح لأي مشاهد، ولا أظن بأني بحاجة لشرح أكثر لأن أهم ما يميز العمل هو بساطته.

العمل الأول كما هو ظاهر من إنتاج شركة خاصة… فجزاهم الله خيرا، العمل الثاني من إنتاج جمعية غير ربحية تحمل اسم “مسلك: مركز للدفاع عن حريّة الحركة “، مدير الرسوم المتحركة العمل هو يوني جودمان… وهو نفس مدير الرسوم المتحركة لفيلم والتز مع بشير Waltz with Bashir الفلم الإسرائيلي الذي رشح للأوسكار عام 2009، إن كان الاسم يبدو مألوفا فربما لأنني تحدث عن الفلم في موضوع سابق.