كل مقالات moayad

Dr. Muayad H. Hussain (Moayad Hassan). Posting works and articles in the fields of culture and visual communication which include art, photography, cinematography and design. Living in Kuwait and working as an Assistant Professor of History of Ar and Art Criticism at the Collage of Basic Education (Jaber University). Phd in History of Art from University of Birmingham, UK.

اقتصاد السمبوسة

قد يختلف معي المتخصصون بالاقتصاد لما سأطرح في هذا المقال، لكن الحديث الذي سأسطر سيأخذ منحى ثقافيا وليست اقتصاديا بحتا، رغم أن المجالين بينهما ارتباط وثيق. 

أزمة الوباء وتداعياتها من حجر وحظر تجوال وتباعد اجتماعي والخوف والحذر الناتج عنها وضحت لنا أمرا قد كان خاف علينا إلى حد ما، وهو مقدار التناسب بين احتياجاتنا وبين اهتماماتنا، بكافة الجوانب… وبالجانب الاقتصادي على وجه التحديد. اكتشفنا مثلا بسبب ما فرض علينا من قيود أن الكثير مما كان يحصد اهتمامنا عبارة عن كماليات ليس لها فائدة فعلية، وهي كماليات وجدنا أنفسنا مضطرين لتركها إما خوفا أو إجبارا.

بمعنى آخر… نحن قادرون اليوم على التخلي بسهولة عن الكثير من القطاعات التجارية التي كنا نعتقد بأن الحياة لا يمكن أن تستمر إلا بها. تلك القطاعات أخذت منا اهتماما عاطفيا كبيرا بسبب ملاحقتها لنا وإحاطتها بنا، فأصبحت جزءا من حياتنا واقتربنا من كوننا عبيدا لها، بمعنى آخر… دخلت في نسيجنا الثقافي

ما هي تلك القطاعات التجارية؟ دون تحديد، فقط فكر بما كنت معتادا أن تنفق عليه أموالك قبل شهرين أو ثلاثة وقارنه بما تنفقه اليوم، أو ارجع لكشف حسابك البنكي لتتأكد. كم من تلك الأنشطة التي اختفت من سجل إنفاقك أنت محتاج لها في عزلتك؟ كم منها تشتاق لها عاطفيا حتى لو لم تحتجها؟ وكم منها لا يفرق معك فقدانها… أو ربما أنت سعيد ومرتاح بالتخلص منها؟ كم من تلك الأنشطة وجدت لها بديلا يغني عنها؟

الأمر لا يقتصر فقط على ما تنفقه شخصيا، حاول أن تتذكر الإعلانات التي كانت تطاردك بالشارع أو التلفزيون أو على الإنترنت، أو فكر بأشياء لم تكن تنفق عليها فعليا، بل تهفو لها نفسك من حين إلى حين عندما تراها أو تسمع بها من حولك. تذكر تأثير كل ذلك التسويق المباشر وغير المباشر عليك، تأثيره على نفسيتك وعلى تصرفاتك وحديثك وأطباعك. عملية التسويق والرسائل اللاواعية الموجهة للجمهور لها تأثير لا يقل عن تأثير عملية الشراء ذاتها، فالشراء أو الصرف يأتي غالبا نتيجة لذلك الثأثير وليس المسبب له.

مجموع المؤثرات والتصرفات والأفكار التي تحدثنا عنها هي جزء مما يطلق عليه اسم المزاج الاجتماعي (Social Mood)، وذلك المزاج الاجتماعي هو دافع له تأثير مباشر على الحركة التجارية… ومتأثر بها بنفس الوقت. بمعنى آخر توجهات السوق تتوافق مع أفكار وتوجهات وعادات المستهلك، وليس احتياجاته فقط. 

لنحاول تبسيط ما يحدث أثناء عملية التسويق. في الأحوال المثالية المجردة المنتِج أو التاجر يعرض سلعا معينة، المستهلك يشتري منها ما يحتاج ويترك الباقي، التاجر يحاول عرض المزيد من المنتجات المطلوبة ويقلل مما لا يحتاجه الناس، ومسألة الحاجة تلك متغيرة حسب الوقت أو الظروف أو الموسم. كذلك الأمر بالنسبة لعملية العرض، فحتى المستهلك يتأثر بما يعرض له بالسوق ويكيف حاجاته مع ما هو متوفر. بشكل عام عملية العرض والطلب هنا تسير بخط شبه مستقيم ومتوقع.

الكلام في الفقرة السابقة يتكلم عن أحوال مثالية مجردة شبه وهمية في زمننا هذا، فالتاجر بالغالب لن يجلس مكتوف اليدين منتظرا أن يحتاج المستهلك لبضاعته أو خدمته، بل يقوم بخلق تلك الحجة! وهنا يأتي دور التسويق. من خلال التسويق يتم الإيحاء للمستهلك بأنه محتاج لتلك الخدمة، أو أن حياته ستصبح أفضل مع ذلك المنتج. تلك العملية يمكنها أن تحدث تأثيرا اجتماعيا خارجيا بمزاج المستهلك، فيسعى نحو المنتج المسوق دون أن يلاحظ إن كان منه حاجة حقيقية أم أنه واقع تحت تأثير سحر التسويق.

والعكس يحدث كذلك، توجهات الناس وأفكارهم وعاداتهم وثقافتهم المتغيرة قد تتطلب منتجات أو خدمات جديدة، أو تتوجه نحو مجال معين عوضا عن مجال كان سائدا بالسابق. ومرة أخرى على المنتج أو التاجر أن يتكيف مع ذلك التغيير، فإما يبتكر منتجات تلبي متطلبات المستهلك، أو يركز نشاطه على تلك المجالات التي عليها الطلب الأكبر. الفرق هنا عن الحالة المثالية الوهمية التي ذكرناها سابقا هو أن تلك التوجهات والعادات والثقافة المتغيرة ليس بالضرورة أن تبرز بسبب حاجة فعلية، بل هي حاجة وهمية بسبب أنواع التسويق المختلفة الشائعة، لذلك قد يكون ما يتطلبه المجتمع عبارة عن كماليات استهلاكية يمكن الاستغناء عنها. الفرد بالغالب لا يدرك وهم حاجته بسبب المزاج الاجتماعي الذي يحيط به، ورغم ذلك نجد أن تأثير الطلب على تلك الحاجة الوهمية يمكنه أن يغير السوق. وهنا نصل لنقطتنا الأساسية.

في حالتنا، خلال العقدين الأخيرين تقريبا، مزاجنا الاجتماعي كان يميل للمنتجات الاستهلاكية بشكل جارف. قد تتذكرون قصصكرسبي كريم ومحل فيرجن التي تحدثت عنها قبل سنوات، أو قد تكونون قرأتم فصل Zoology بكتاب الصورة الكبيرة. وبالطبع نتيجة لتوجهنا الاستهلاكي ذلك تكيف السوق ليلبي تلك الحاجات الاستهلاكية، فأصبح التنافس على توفير تلك الحاجات عال جدا، بل وأهملت بشكل ما بقية الاحتياجات الحقيقية أو الأكثر أهمية لمسألة توازن السوق.

 ذلك التنافس التجاري والتركيز على الاحتياجات الاستهلاكية أوهمنا بأننا بخير، بأن السوق منتعش والمشاريع الجديدة تعيش حالة ازدهار. بل صرنا نفخر باستهلاكيتنا ونعتقد بأننا من روادها… وبالتالي زاد استثمارنا فيها اقتصاديا واجتماعيا وثقافيا. وبالطبع، ذلك الوهم بدأ بالتلاشي بسرعة كبيرة مع بدأ غزو الفكر الفيروسي لمجتمعنا. لم نستوعب التغيير الذي حصل بالبداية، بل حاولنا أن نعيش حياتنا المعتادة، لكن مع مرور الوقت فرض علينا أن نتنازل عن تلك الحياة ونستبدلها بحياة كنا نعتقد بأنها وهم، ولكنها حقيقة جديدة.

بوقت كتابة هذا المقال نحن في مرحلة الاعتياد التدريجي على هذه الحياة الجديدة. أصبحت الحياة الاستهلاكية السابقة إما ذكرى نسترجعها بين حين وآخر، أو أحلام وطموحات نرجوا عودتنا لها بعد أن تنجلي الغمة. لكن بين تلك الأحلام والذكريات نعيش… فقط نعيش.

حالة العيش هذه يجب أن لا تمر دون استفادة منها، لا بد من دراستها وتحليلها والتفكر فيها، وعلينا أن نعي أن حياتنا السابقة لن تعود كما كانت! لا أود الحديث عن مستقبل ما بعد الوباء فذلك موضوع طويل، لكن يكفي القول بأن تأثير صدمة الوباء نتج وسينتج عنه تغييرات ثقافية واجتماعية واقتصادية وسياسية واضحة، وعلينا أن نتحدث عنها ونتكيف معها منذ الآن.

الحياة الاستهلاكية كما أراها حمل وانزاح عنا! التفكير والتخطيط بالعودة لها سيكون غباء ثقافيا… بكل صراحة. لا أقول بأنه علينا التخلي تماما عن تلك الأنشطة الاستهلاكية لنعيش حياة التقشف! لا يمكن استمرار ذلك التقشف، بل المهم بداية هو أن نعي مقدار تفشي الفكر الاستهلاكي الذي كان المسيطر علينا، وندرك بأننا نستطيع أن نعيش حياة طبيعية دون المبالغة فيه، والدليل أننا اليوم… نعيش.

آسف على القسوة التي لن تعجب البعض، لكن من الناحية الاقتصادية لو أفلست وأغلقت أغلب تلك الأنشطة التجارية الاستهلاكية الثانوية فنحن كمستهلكين لن نخسر شيئا، بل إن خسارة أصحاب تلك المشاريع هي خسارة شخصية لهم. فمشاريعهم لا جدوى ولا نفع اجتماعي عام حقيقي منها، فهي عبارة عن مكائن للاستنفاع من احتياجات الناس الزائفة!

لا فرق بالكلام السابق بين مشاريع صغيرة وكبيرة. نعم قد نتعاطف مع خسائر بعض أصحاب تلك المشاريع لأسباب شخصية أو إنسانية، لأن منهم أقرباؤنا وأصدقاؤنا، وكذلك نتعاطف مع موظفيهم البسطاء محدودي الدخل ممن سيتأثرون كثيرا بفقدان وظائفهم، لكن علينا أن ندرك كذلك أن ما يحدث اليوم هو نتيجة سوء اختيار وسوء تقدير لجدوى تلك المشاريع وأهميتها، ونتيجة اعتماد على مزاج اجتماعي معين مع جهل أو تجاهل أن المزاج قابل للتغير.

الذي يحدث اليوم لا أعتقد بأنه يمكن أن يطلق عليه اسم “كارثة طبيعية”، بل هو تغير إنساني طبيعي. فلله الحمد لم يحدث (حتى الآن) زلزال أو حريق أو غزو أو أي ظرف خرب الممتلكات أو أباد البشر. فالمستهلكون موجودون والمنتج موجود، لكن المستهلك لا يريد أو يخاف أو ليس من مصلحته استهلاك بعض المنتجات المعروضة حاليا، سواء كان ذلك بإرادته أو كان أمرا مفروضا عليه، بل يُقبل (أو حتى يجازف بالإقبال)على ما يحتاجه فعلا لتيسير حياته، هذا هو الشيء الذي تغير.

لعقود طويلة تناقشنا حتى الملل عن أهمية تنويع مصادر الدخل عوضا عن الإنتاج النفطي، وعن خطور الاعتماد على مصدر واحد للدخل، خاصة مع علمنا بأنه معرض للنضوب. بنفس الوقت عندما “أتيحت الفرصة” للشعب لدخول المجال التجاري كرروا نفس الغلطة… بمباركة من الحكومة طبعا، حتى أصبحنا ملوك الاستهلاك وسلاطين تكرار الأفكار! نتيجة لذلك أصبح الوضع حاليا كما يقال: خبزٍ خبزتيه… اكليه!

هذه الأزمة ستكون درسا اقتصاديا قاسيا لنا (وللعالم أجمع) ستظهر نتائجه لاحقا بشكل مؤلم للكل… من تجار وحكومة وشعب! وكي أكون صريحا، كالعادة لن نتعلم منه للأسف ما لم نعي وندرك ما يجري ونتكيف معه ونحدث تغييرا حقيقيا بحياتنا، فالعيش بالجهل والأوهام والأحلام لن ينفع!

تشاؤمي مما سيحل بنا يكاد يبلغ أشده، لذلك أقترح على الحكومة والتجار الاستثمار بمجال العلاج النفسي… سنحتاجه كثيرا بالمستقبل القريب على ما يبدو.

وباء ثقافي

‫الوباء كارثة ضارة – لا خلاف على ذلك – لكن ذلك لا يمنع أن هناك من قد يستفيد منه بشكل ما.‬

‫الكلام الذي سأذكره قد يكون متعجلا، فنحن ما زلنا بوسط معمعة الوباء، لكن ذلك لا يمنع من أن نأخذ خطوة للوراء وننظر للصورة الكبيرة. 

إن كنت من الإيجابيين المتفائلين الحالمين لا تكمل معي…

كوارث أدبية

‫برواية V for Vendetta الشهيرة يصاب العالم بكارثة عظيمة، الحرب النووية حسب الرواية، وبسبب تلك الكارثة تعم العالم الفوضى والخراب والمجاعة وغيرها من المصائب. ‬‫وبوسط تلك الفوضى تتحالف مجموعة من الأطراف (في بريطانيا حيث تدور أحداث الرواية) وتسعى للسيطرة على الأوضاع وإعادة النظام مرة أخرى، وتنجح بذلك.

‫"شيء جميل... النظام أفضل من الفوضى والخراب!"‬

‫لا لوم عليك إن فكرت بذلك…‬

‫لكن المشكلة هنا هو أن تلك الأطراف التي أعادت النظام هي مجموعة من الأحزاب الفاشية المتطرفة بالتعاون مع المؤسسة الدينية وبعض الشركات التجارية الكبيرة.‬

بعد استتباب الأمن طبعا بدأ النظام الجديد بفرض أجندته وأفكاره على الشعب، وبالتأكيد صاغ تلك الأفكار على أنها لمصلحة الشعب وأنها السبيل الوحيد لنجاته ولعزته ولحمايته من الأخطار الخارجية… والدليل طبعا هو أنها أنقذته من قبل من الفوضى والدمار!

المبرر دائما جاهز… وهو المصلحة العامة. يتم إعلان الأحكام العرفية العسكرية وحظر التجول، من أجل المصلحة العامة. مراقبة الإعلام والسيطرة الرسمية عليه، من أجل المصلحة العامة. إسكات الأصوات المعارضة وقمع الحركات المحتجة على ما يحدث، من أجل المصلحة العامة. السيطرة على الثروات العامة والتصرف بها دون قيد أو رقيب، من أجل المصلحة العامة! وبالطبع… من أحرص على تلك المصلحة العامة من الحاكم الأوحد الحكيم المخلّص؟!

عاش الشعب بعدها سنين طويلة من القمع والقهر والسيطرة الأحادية بسبب اليأس الذي كان يعاني منه، ولثقته الزائدة بالمخلص المنقذ البطل الشجاع، والأهم من ذلك لانعدام بصيرته ورؤيته للنتائج المتوقعة لتلك الثقة. 

مخدرات

الأزمات والأخطار تعتبر من أفضل المخدرات التي تهبّط الشعوب… وتنعش الأنظمة. فهي تخلق بالشعوب إحساسا وهميا بالوحدة والـ”لحمة” والالتفاف حول أي دعوة للخلاص، وترى في تلك اللحمة دليلا على نجاح مسعاها، رغم أن التلاحم وقت الأزمات تصرف طبيعي تلجأ له جميع الكائنات الحية عند تعرضها للخطر. وطبعا الأنظمة – بكافة أشكالها – تدرك ذلك وتقدم نفسها على أنها المخلّص الأوحد والبطل المنتظر المستحق للمباركة والتبجيل، مستغلة بذلك الروح القومية الناتجة عن إحساس الخوف. نرى ذلك الأمر يتكرر عبر التاريخ بشكل دائم… وغالبا ما تنجح الأنظمة باستغلال تلك الحيلة، سواء كان ذلك الاستغلال لأغراض أخلاقية أو غير أخلاقية. بل في بعض الأحيان حين لا يتوفر ذلك الخطر أو التهديد الخارجي تلجأ الأنظمة لخلقه من العدم كلما تطلب الأمر.

الناس في حالات اليأس والخوف يصيبها نوع من “العمى المؤقت”، فتصبح مستعدة لأن تتنازل عن الكثير وتتعاون مع الشيطان إن كان في ذلك ما تعتقد بأنه خلاصها. والنظام الذكي بارع في تسخير تلك المخاوف لصالحه، يعرف كيف يوجه تلك المخاوف ناحية “الآخر”، ويعرف كيف يسلط ضوء الخلاص على نفسه ليجذب العميان إليه.

كشف الخدعة

كما في قصة V for Vendetta الشعوب قد تنخدع بحيلة العدو “الآخر” لفترة من الوقت، لكن لن يطول الوقت حتى تنتبه لفداحة ما فعلت! والإدراك المتأخر سيحتاج لاحقا لعملية إصلاحية صعبة ومؤلمة!

كل ما تحتاجه الشعوب هو فتح أعينها حتى ينجلي العمى المؤقت لترى الصورة الكبيرة مرة أخرى، لكن السؤال هو متى سيحدث ذلك؟ هل بالوقت المناسب أم بعد أن يفوت الأوان؟

الرهان هو على الوعي، فقبل كل شيء يجب أن تكون الشعوب واعية وفطنة لما يجري حولها. أن تحرص على أن تتابع الأحداث وتستشف المقاصد من ورائها، أن تسأل عن الأهداف والغايات والنتائج لأي قرار يصدر… في وقت الشدة على الخصوص، وذلك أمر صعب وقت التأزم والفوضى، لكنه ليس مستحيلا. 

الثقة بحكمة الأنظمة أمر ضروري، لكنها يجب أن تكون ثقة مبنية على المصارحة والشفاية والمشاركة باتخاذ القرار. الحزم في وقت الشدائد أمر هام جدا، لكن الحزم لا يعني أبدا استغباء الشعوب واستصغار شأنها واعتبارها جموع جاهلة لا تعرف أين تكمن مصلحتها. 

يجب أن يستمر الناس بالمراقبة والنقاش والنقد والتوجيه، حتى وإن تحول ذلك النقاش لجدال عقيم، ذلك أمر طبيعي جدا… ولا يعني أبدا بأنه شق لما يسمى بالوحدة أو اللحمة الوطنية. لا بأس أبدا من القسوة بأسلوب طرح الرأي… أو حتى السخرية والتهكم والتندر، ذلك أيضا أمر طبيعي وصحي. بل بالعكس، نعرف أم الأمور خرجت عن وضعها الطبيعي عندما نجد من يطالب بتوحيد الخطاب وتلطيف الأسلوب وعدم الخروج عن الصراط المستقيم الذي خطه لنا النظام العاقل الحكيم! تلك هي بداية القمع والقهر والسيطرة الأحادية التي تحدثنا عنها… وذلك ما لا نرجوه ولا نبغاه!

الرقيب المسكين: لماذا يلام المثقفون على رقابة الكتب؟

حاجز رقابة الكتب

 

نشرت جريدة الجريدة مقالا مطولا بعنوان كواليس الرقابة في الكويت: حماية للمقدَّسات أم تكميم أفواه؟ تحدث فيه الكاتب عن نطام رقابة الكتب بالكويت متهما إياه – بالطبع – بقمع الآراء وتكميم الأصوات وتقييد الحريات والرزوخ تحت طائلة الجهل والتخلف والتناقض، وهو أمر نتفق به مع الكاتب، ولكن… مرة أخرى… توجه الاتهامات إلى وزارة الإعلام (الحكومة) وكأنها العملاق الشرير الراعي للجهل والتخلف والمعادي لمصلحة الشعب! وتلك صورة ليست حقيقية… بالكامل 🙄، فالمتفهم لآلية عمل إدارة رقابة المطبوعات يعلم بأن ما يسيطر عليها أقرب للجُبن من الشر!

من يكتب تقارير الكتب التي انتشرت مؤخرا هم موظفون يشكلون أضعف حلقة من حلقات السلسلة الرقابية، التقارير التي تخشى من أي ذكر لكمة “نهد” أو من صورة بطن “ليتيل ميرميد” المكشوف، وخشيتهم تلك مبررة كما سيتضح لنا لاحقا. قبل ذلك علينا أن نفهم آلية عمل إدارة رقابة المطبوعات بوزارة الإعلام حتى نستطيع فهم تلك المخاوف التي أنتجت تلك التقارير المخجلة.

 

 

إبداعات رقابة الكتب

آلية الرقابة

إدارة رقابة المطبوعات بوزارة الإعلام هي إدارة حكومية تقليدية، ومشاكلها تشبه مشاكل أي إدارة حكومية أخرى من روتين وبيروقراطية… وربما بعض الفساد وسوء الإدارة. يقدم الكاتب/الناشر/المطبعة لها نسخا من الكتاب من أجل أن يحصل علي “الفسح” الذي يمثل تصريحا منها لبيعه ونشره في المكتبات الكويتية، وبعد خطوات إدارية معينة يصدر عن الإدارة إما كتابا بالفسح أو عدمه.

عند تقديم الكتاب للإدارة يتولى الاطلاع على محتوياته واحد من مجموعة من المراقبين، وبعد الاطلاع يكتب الرقيب تقريرا إما بالفسح أو بوجود “ملاحظات” على محتوى الكتاب، فإن وجدت ملاحظات يعتبرها الرقيب بوجهة نظره مخالفة لمواد قانون المطبوعات فإنه يدرجها بتقريره مع ذكر تلك الفقرات أو الصور مع أرقام صفحاتها ويرفع الكتاب للجنة رقابة المطبوعات.

لجنة رقابة المطبوعات هي لجنة تتكون من مجموعة من الكتاب والأدباء والعلماء والأكاديميين بتخصصات مختلفة (المفروض يعني!)، تجتمع اللجنة أسبوعيا (المفروض يعني!) لمناقشة التقارير المرفوعة لها من مراقبي الكتب وهي التي تصدر القرار النهائي إما بالأخذ بما ورد بتلك التقارير أو ببعض منه ومن ثم منع الكتاب، أو عدم اقتناعها بما ورد وبالتالي إصدار قرار بالفسح.

في حال صدور قرار بالمنع فيتم إخطار الكاتب/الناشر/المطبعة بذلك، وهنا يكون مقدم الكتاب أمام واحد من الخيارات التالية:

– الاستسلام، وبالتالي يمنع الكتاب ويكتفى بنشره خارج الكويت
– إصدار طبعة جديدة معدلة تراعي ملاحظات الرقيب، ومن ثم تقديمها مرة ثانية للإدارة
– التظلم

في حال التظلم فإن الكتاب – المفروض – يعرض على لجنة التظلمات التي تشكلها إدارة المطبوعات، فإن رفضت اللجنة التظلم يمكن للكاتب أن يلجأ للقضاء.

عملية طويلة ومملة ومعقدة كما نرى، لكن يجب أن يفهمها كل كاتب وناشر ومهتم بمسألة الرقابة والحريات.

الرقيب الحقيقي

تذكرون الأصوات التي تتعالى بشكل خاص مع كل معرض كتاب المتباكية على القيم والأخلاق والعقيدة والوحدة الوطنية من قبل “شرفاء” الأمة ومحتسبيها؟ وصور صفحات الكتب التي تنتشر على تويتر بغضب حينا وبسخرية حينا آخر؟ مطالبات بريئة… أليست كذلك؟ ما يحدث بعدها أن تلك الأصوات تلتقط من قبل “شرفاء” النواب المنساقين للفزعة الشعبية… فيصبون جام غضبهم وويلات دعواتهم على من؟ … نعم، وزير الإعلام!

من تعتقدون سيحاسِب وزير الإعلام كرد فعل على غضب النواب ممن التقطوا أصوات محتسبي الشارع؟ الحلقة الأضعف بالطبع! موظفو الرقابة! كيف فاتتكم هذه الصفحات؟! لم لم تقوموا “بواجبكم” على أكمل وجه؟! بهذه الحالة ما حيلة موظفي إدارة الرقابة سوى أن يسدوا الباب على أي احتمال لأن يتعرضوا للمحاسبة لاحقا… حتى لو كان احتمال تعرضهم للمسؤولية سببه بطن “ليتيل ميرميد”! ولهم الحق بذلك! “التساهل” بالنهاية ليس من مصلحة الرقيب، أمنع الكتاب وأرتاح أفضل لي من أن أغامر بفسحه ليتقط من من أحد المحتسبين ليضع صفحاته على تويتر لأوبخ أنا على تقصيري بعملي!

كموظف بإدارة الرقابة لن تنفعني مبادئ الحرية والديموقراطية ولا الثقافة ولا الأدب ولا الفلسفة ولا التاريخ… إن كان الثمن سيخصم من معاشي! الكتاب والمؤلفون والمثقفون ليسو شيئا مهما! لن ينفعوني بشيء! ولا هم أهل قوة وسلطة وتأثير علي!

بهذه المنظومة التي فصلناها نجد أن المحرك الأساسي لعجلة الرقابة ليس موظف الرقابة، ولا وزير الإعلام، وبالتأكيد ليس الكاتب والمثقف، من يضغط باتجاه المنع والقمع والتحسس من الحريات هم رجال السياسة من النوابتحقيقا لرغبات الشعب الورع التقي الوطني المرهف الحساس الحريص على أخلاق العباد ودينهم ووحدة صفهم 😒. السياسي من الذكاء بحيث أنه يعي ذلك، يعرف كيف يتلون من أجل أن يرضي شخصية المحتسب العساس في أسواق الثقافة!

ما رأي الشارع؟

بالتأكيد الشارع (حاليا) ليس متعاطفا مع الكتاب والمؤلفين… فبوجهة نظره هم أهل البدع والتفسخ والانحلال كما نقرأ باستمرار… أهل “النهود“… مخربي الأخلاق وشاقي وحدة الصف المتآلف!

لم لا يتعاطف الشارع مع الكتاب ودعواتهم للحريات؟ لم يرفض الشارع مبادئ الحرية وتعدد الأراء؟ الجواب الشائع والطبيعي هو… بسبب وقوعه تحت سيطرة قوى التخلف والجهل والظلام، وهي سيطرة لها بعد تاريخي عميق وأخذت عقودا طويلة حتى تكتمل سيطرتها على وجدان ذلك الشعب. بكل صراحة لا نستطيع أن نلوم الشارع على موقفه، لأنه مقتنع – بشكل أو بآخر – بأن للرقابة دور إيجابي في حفظ المجتمع، وهي قناعة حقيقية بالنسبة له ما لم يثبت له غير ذلك.

الجواب الأخص والأهم… لأن الشارع لا يستطيع فهم ألائك الكتاب والمثقفون من يملكون رأيا مخالفا لما هو سائد! فكلامهم “سواحيلي” بالنسبة لهم!

أعجبك مقال الجريدة المذكور بأول هذه التدوينة؟ لقد أعجبك فقط لأنك تريده أن يعجبك! “الشارع” لن يعجبه المقال… لأنه لن يقرأه! فهو مقال طويل معقد ومليء بكلمات مثل “الحق المجتمعي” و”منطق المزايدة” و”المقرر الأيديولوجي“! مقال لم يوجه للشارع أساسا… بل موجه لجمهور خاطئ… لأناس لا يحتاجونه أساسا! فمن يستمتع بقراءة مثل تلك المقالات الطلسيمة هو غالبا قارئ رافض لمبدأ المنع، كل “قارئ” بطبيعة الحال هو شخصية رافضة للمنع… كما يرفض الصياد منع الصيد ويرفض الرياضي منع الرياضة مثلا.

كيف نغير الوضع الحالي؟

بالطبع يجب تغيير ثقافة الشارع، ومن سيغير ثقافة الشارع سوى المثقفون؟… ولكن…
ما يقوم به معظم مثقفونا في نشاطاتهم وتصريحاتهم وندواتهم وتغريداتهم هو بكل بساطة عملية فرد للريش واستعراض للعضلات البلاغية المستنكرة للقمع وكتم الأصوات وتكبيل المعاصم! استعراض عنتري لن يخيف وزير الإعلام… ولا موظف إدارة الرقابة الذي كتب تلك التقارير التي استحقرناها أو سخرنا منها! لم سيخاف الوزير من تغريدة مؤلف قصص؟ أو يخشى موظف الرقابة من شاعر؟ أو يهتز نائب برلمان لكلام كاتب مقالات فلسفية؟

كتابنا ومؤلفونا ومثقفونا الأعزاء… ليس لكم قيمة!
إن أردتم أن يحسب لكم حساب… وإن أردتم أن تصبح لكم قوة حقيقية… فحاولوا كسب الشارع! ليفهمكم الشارع قبل كل شيء، ليتعاطف معكم الشارع، ثم ليدافع عنكم الشارع! ولن يحدث ذلك إلا إذا خاطبتموه بلغته ولسانه. الكلام البلاغي وكلمات مثل “منطق المزايدة” و”المقرر الأيديولوجي” لن تثير لدى الشارع سوى رغبته بالتثاؤب!

عوضا عن ذلك حدثوه بلغة “فيها نزوات الأطفال وفيها إحساس البسطاء” (كما يقول نزار قباني) وبأدوات قريبة من قلبه… كالشعر والقصة والأغاني والمسرح والدراما… وليس الفلسفة والمقالات النقدية والتغريدات المبهمة والندوات التي لا يحضرها سوى “ربعكم” من المثقفين! وحتى مع كل ذلك اصبروا عليه، كما تصبرون على شقاوة طفل مدلل، فتغيير المجتمع عملية طويلة ومتعبة ومعقدة، لكنها ممكنة إن تعاملنا معه بذكاء.

كندل الكامل

 

كتبت عن الكندل قبل ما يقارب الثمان سنوات، وتكلمت عن مدى إعجابي بهذا الجهاز الرائع الذي لا ينقصه سوى دعمه للكتب العربية، ويتضح اليوم بأن المثل القائل “الحلو ما يكملش!” ليس ذا قيمة… لأن كندل -بعد انتظار طال ثمان سنوات- أصبح يدعم اللغة العربية بشكل شبه كامل!

ليش شبه؟ لأن دعم الكتابة العربية للكندل لغاية الآن موجود بأبسط صوره، أي ما زال الدعم لا يشمل ترتيب النصوص المتقدم ولا عرض الوسائط المتعددة وغيرها من الحركات التي تميز بعض الكتب الإلكترونية. للمتخصصين أكثر نقول بأن الدعم العربي مبني على صيغة ملفات الوورد docx ولا يدعم صيغة الـ epup حتى الآن. بمعنى آخر هو مناسب للكتب المعتمدة على الكتابة النصية بكل أساسي لا المعتمدة على الصور والوسائط المتعددة والإخراج الفني الجمالي.

كنت أنتظر هذا الدعم منذ فترة طويلة، لذلك بمجرد ما تم الإعلان الرسمي له قمت بإصدار أثنان من كتبي على هذه المنصة الرائعة. يمكن لمن يريد بأي مكان بالعالم أن يقوم بتنزيل كتاباي الصورة الكبيرة ومدخل إلى النقد الفني وقراءتهم على أجهزة وبرامج الكندل المختلفة خلال ثوان معدودة وبسعر أرخص من قيمة النسخة الورقية… أو حتى إنزال نسخة تجربية مجانية منهما.

ماذا عن كتاب ما وراء الفن؟ ليس بعد، ربما بعد دعم الـ epup 😀

مستقبلا منصة الكندل ستكون ذات أثر كبير في مسيرة الكتابة العربية بشكل عام. فهي منصة تمكن للكاتب من أن يتجاوز عقبة الناشرين ومناشيرهم، وعقبة الرقابة الحكومية طبعا. العقبة الوحيدة الباقية هي بالطبع عقبة المخ العربي العازف عن لقراءة… لكن تلك قضية أخرى.

ملاحظات:

  •  كتبي متوفرة على مختلف متاجر الأمازون… أشهرها الأمريكي طبعا، عليك زيارة متجر الدولة التي سجلت الكندل عليه لتتمكن من شراء الكتاب
  • أجهزة الكندل القديمة ما زالت لا تدعم العربية، بعضها يدعمها بعد التحديث
  • برامج الكندل على الهواتف والأجهزة الذكية كالآيفون والآيباد والأندرويد تدعم العربية
  • إن كنت ترغب بنسخة ورقية من كتبي تجدها لدى مكتبة تكوين

شخباري

 
تذكرت أن لدي مدونة اليوم عندما قرأت خبرا عن الذكرى الرابعة والعشرين على عرض فلم فتى الكاراتيه بينما كنت أتصفح تويتر، فجاء على بالي موضوع فتى الكاراتيه الذي كتبته قبل ١٠ سنين… عشر سنين!

لا أريد الخوض في إحصائيات حول المدونة، الزبدة هي أني فقدت اهتمامي بالمدونة منذ مدة طويلة. أسباب ذلك؟ كثيرة، أهمها الانشغال بمنصات التواصل الاجتماعي التي قتلت وقت الكتاب والقارئين بنفس الوقت، وكذلك لأن كمبيوتري المحمول كان معطلا ولم يتصلح إلا مؤخرا… والهاتف والآيباد ليسا بديلان عمليان للكتابة الجادة.

أوكي خلاص… كفى تبريرا… ماذا حصل خلال الفترة السابقة؟

أهم ما حصل هوإنشائي لمشروع أيقونة، ومن خلال هذا المشروع حدثت الكثير من الأحداث التي لم أتطرق لها علي مدونتي هذه، منها:

١- إصدار ثلاث كتب، وهي:
ما وراء الفن، الصورة الكبيرة، مدخل إلى النقد الفني. أول كتابين منهما ولدا من رحم هذه المدونة بالإضافة لمدونة تصويري.

٢- تنظيم معرض الصورة الكبيرة لأعمالي الفوتوغرافية والفنية، والمساهمة بتنظيم معرض St. لزوجتي الفنانة والمصورة الفوتوغرافية عذوب الشعيبي.

٣- تقديم العديد من الندوات والورش العملية المتعلقة بالفن والنقد والتصوير الفوتوغرافي.

٤- أجريت معي مقابلة تلفزيونية خفيفة على البرنامج الثاني لتلفزيون الكويت.

٥- أشياء أخرى لا يسعني ذكرها الآن.

بمعنى أخر، الحياة مستمرة، لم تدون هنا كما كان يحدث بالسابق… لكنها مستمرة.

لنعتبر هذا الموضوع تسخينا يسبق محاولة العودة لعادة التدوين ونختمه بهذا الفلم القصير من تصويري…

 

Fireflys from Moayad Hassan on Vimeo.