كل مقالات moayad

Dr. Muayad H. Hussain (Moayad Hassan). Posting works and articles in the fields of culture and visual communication which include art, photography, cinematography and design. Living in Kuwait and working as an Assistant Professor of History of Ar and Art Criticism at the Collage of Basic Education (Jaber University). Phd in History of Art from University of Birmingham, UK.

ثقافة المغازَل بالمجتمع الكويتي

“المغازل” له تاريخ طويل بالثقافة الكويتية، كحاله في كل المجتمعات بكل العالم، لكن بالطبع كل مجتمع له ظروفه الاجتماعية والثقافية التي تميزه، لذلك سأحاول بهذا المقال أن أقدم قراءة لثقافة المغازل بهذا المجتمع الكويتي.

بعصرنا الحالي ومع الانفتاح على العالم وزيادة الوعي نرى أن ما نطلق عليه اسم “المغازل” هو فكرة معقدة ولهاالكثير من التشعبات. على سبيل المثال من الكلمات المتداولة هذه الأيام هي كلمتي “التحرش” و”الإطراء”، لكي نضع الأمور بالسياق فإن هاتين الكلمتين لم تكونا معروفتين أساسا بالمجتمع الكويتي قبل ١٥ أو ٢٠ سنة، كل ماكنا نعرفه هو فعل المغازل، ومعناه -بالغالب- أن يقوم الشاب بمحاولة جذب انتباه الفتاة بغرض التعرف عليها أوالتقرب منها، وذلك هو التعريف الذي اعتمدته في هذا المقال، أما تفصيلاته الحديثة، رغم أهميتها العظمى، فلن أتناولها هنا لأنها تحتاج إلى دراسة مستقلة لكي تأخذ حقها.

كلمة المغازل كانت شائعة، لكن هل الفعل كان منتشرا؟ وهل كان مقبولا؟ 

منتشر نعم، وأي محاولة لتصوير المغازل بأنه فعل دخيل أو مستجد هو كلام فارغ! موجود منذ أيام “الطيبين” ولغاية اليوم ولم يختف أو يتلاشى بأي فترة كانت. تاريخنا الأدبي والشعري والغنائي مليء بقصص الفتاة التي شاهدها البطل بالسوق تجر العباءة وانفتن بعينها أو زولها أو ردفها أو… فناداها وصدته وألح عليها وزجرته وتقرب منها فلا أدري ماذا حدث بعد ذلك… وبالطبع جميع هذه القصص والأشعار كتبها ذكور، وجميعها -كما يريد خيال المؤلف- انتهت بانتصار البطل… أو حسرته وعذابه!

طيب هل كان المغازل مقبولا؟ هذا السؤال صعب. بشكل عام يعتمد على من هم أطراف عملية المغازل. لندع الجانب الديني جانبا هنا، لكن بشكل عام يمكننا أن نقول بأن المغازل كان… ولا زال… “مطلوبا” من الشاب… وليس فقط مقبولا! الشباب فيما بينهم يشجعون بعضهم بعضا على التجرؤ على محادثة البنات، والشاب الذي لا يسعى لذلك ينظر له على أن فيه نقص ما… على عكس الشاب الجريء الشجاع المقطع السمكة وذيلها والذي يكون محل إعجاب وتقدير وحسد من رفقائه.  والأمر لا يقتصر على الرفقاء الشباب… بل نجد حتى الأهل… وحتى الأم قد يصل بها الأمر لأن تشعر بالفخر بابنها إن علمت بأنه “يكلم” بنات، سواء كان ذلك الفخر ظاهرا أم خفيا، كذلك أخواته وقريباته على أقل تقدير لا يمانعون كون قريبهم يكلم بناتا أو يغازل أو له مغامرات مع الجنس الآخر.

الأمر من الجانب الآخر مختلف طبعا، البنت من المستحيل أن يكون قبولها لتودد الشباب أمرا مقبولا! ربما يقبل من بعض رفيقاتها… لكن بالطبع نفس الأم التي قد تشجع ابنها على المغازل سيكون مصير ابنتها داميا إن علمت أنها طرف في عملية المغازل! كذلك من الأمور التي قد لا يتقبلها المجتمع هي أن يقوم الشاب بمغازلة ما يطلق عليهاسم “بنات الحمايل”. فالبنات نوعان؛ بنات متاحات للمغازل… وبنات حمايل لا يجوز الاقتراب منهن. طبعا تعريف “الحمايل” تعريف مطاط حسب ثقافة من تسأله عن ذلك التعريف. بين الشباب وبعضهم لا فرق بين بنت حمايل وغيرها… بالعكس كل ما زادت “حمولة” البنت قد يكون ذلك انتصارا أكبر للشاب بين رفاقه، طالما أن تلك البنت ليست من أقارب أحد الشباب أو شيء من هذا القبيل.

من ذلك نلاحظ تناقضا  واضحا وصريحا بمسألة تقبل المغازل أو رفضه، وفي خضم هذا التناقض تحدث الفوضى. 

المغازل لم يختف منذ زمن “الطيبين” إلى وقتنا الحالي، لكنه تطور وتبدلت بعض أساليبه. السوق كان ولازال مقصد المغازلين، كذلك الشارع، الكافيه، المدرسة وقت الهدة، الجامعة، مقر العمل… وغيرها من الأماكن التقليدية. مع ظهور ثورة الاتصالات انتقل الأمر كذلك إلى الإنترنت ووسائل التواصل الاجتماعي المختلفة. لا توجد وسيلة تواصل اجتماعي لم تُسخّر للمغازل، سواء التقليدية منها كالسناب شات وتويتر، وقبلها الآي آر سي والمنتديات… وحتى الوسائل غير التقليدية كلنكد إن! حتى لو كان هناك مجال لاستخدام طلبات وديليفرو للمغازل لما أعتقوه الشباب!

من الملاحظات التي قد تحتاج دراسة أعمق هو أن مغازل الشوارع قد خف نوعا ما مع انتشار وسائل التواصل الاجتماعي. الانفتاح الذي وفره الإنترنت سهل عملية التواصل بين الجنسين، فهو قلل من أهمية وخطورة الاتصال المباشر ومناورات “أخذ الرقم” والملاحقة والمحاورة والمصارعة. سهل الأمر على الطرفين لكي نكون صادقين، فأعطى حتى البنت مجالا أأمن للتعرف على الشاب والسيطرة النسبية على مجريات الأمور. بالطبع هذا لا يعني أن مغازل الأونلاين أفضل ولا أكثر قبولا من المغازل التقليدي، فهو ولّد نوعا آخر من المشاكل والمضايقات إن نظرنا له بتمعن، وذلك أمر يحتاج لدراسات أخرى، لكن القصد هو أن طرق المغازل تنوعت كما قلنا… وخفف مغازل الأونلاين ضغوطات “الأوفلاين” بشكل ما إن صح التعبير… إلى أن حدثت الجائحة!

تأثيرات جائحة ٢٠٢٠ الاجتماعية والثقافية مازالت في مهدها ورصدها ودراستها ستستغرق سنين طويلة، بالنسبة لموضوعنا فبعض تلك الآثار واضحة جلية.

مثل الكثير من الظواهر فإن مغازل الشوارع اختفى لفترة ما بسبب حالة الحظر وبسبب التباعد الاجتماعي، وبقي المغازل أونلاين بشكل حصري وربما بشكل أكثر تركيزا وعنفا في ظل جو الملل وتوقف النشاط الطبيعي من حركة أو دراسة أو ملهيات خارجية. تأثير تلك الفترة وما بعدها على نفسية الشباب والبنات وانعكاسها على تصرفاتهم وسلوكياتهم وروتينهم وطريقة تفكيرهم وحتى “هرموناتهم” ليست بأمر طبيعي، ولا أدعي بأني أستطيع تحليلها وتفسيرها هنا، لكن ما نراه اليوم من ظواهر اجتماعية وثقافية عجيبة هي بالتأكيد متأثرة بتلك الفترة بشكل ما… مع التأكيد بأن ذلك لا يعني أن نعلق كل شيء على شماعة الجائحة… كما كنا نعلقها بشماعة الغزو!

ما نشاهد ونسمع ونقرأ اليوم من انفجار لقنبلة التمرد الأخلاقي بالعلاقة بين الجنسين هو أمر له تاريخ طويل متراكم، ليس أمرا جديدا على الإطلاق كما أوضحنا، لكن الحديث الدائر عنه في هذا الوقت بالذات لم يأت من فراغ. ونعم، شيء مشابه له حدث سابقا بفترة ما بعد الغزو، قد يتذكر البعض حالة شارع سالم المبارك بالسالمية وتخصيص مركز سلطان الدخول للعائلات والحملات الدينية المناهضة للوضع في ذلك الوقت… هناك جيل معين سيتذكر ذلك، وما نراه اليوم بفترة ما بعد الحظر قد يكون شيئا يقترب منه من حيث المبدأ، وإن كان أكثر عنفا في بعض الحالات لأسباب وظروف معاصرة أخرى، أي هي فترة انفلات تلحق فترة من الكتم والتقييد الشديدين.

المغازل ومحاولات التقارب بين الجنسين بكافة أشكالها هي أمر طبيعي بكل ما تحمله هذه الكلمة من معان، أي أنها لا يمكن أن “تختفي” أو تتلاشى، لا يمكن محاربتها والوقوف بوجهها ووضع حد لها. ما يتغير هو طريقة وأسلوب هذا المغازل، أدواته، أهدافه، وبالطبع طريقة وحِدة الكلام عنه. الكلام عن المغازل في فترات ما كان فخرا، في فترات كان عيبا، في فترات أخرى كان وعظا، لكن اليوم… أيضا بسبب الانفتاح على العالم… يمكن أن يكون الكلام عنه وعيا كذلك.

المغازل موجود عالميا بكل المجتمعات كما ذكرنا، والحديث عنه متأثر ببعض الظروف التي قد تتشابه، أبرزها سيطرة السلطة الذكورية. تلك السلطة دائما ما تحاول أن تدفع بميزان القوى ناحية الرجل، فتبرر له وتدعم مواقفه وتحميه وتلقي اللوم على غيره  بقدر ما تستطيع، نتيجة لذلك ودليل عليه هي حالة التناقض بقبول المغازل بالمجتمع الكويتي التي تحدثنا عنها أعلاه، ونتيجة لذلك أيضا يحدث أن يحاول الرجل (أو أي صاحب سلطة) أن يفلت من اللوم إن تجاوزت تصرفاته الحدود المقبولة. مجابهة السلطة، أيا كانت، أمر صعب ويحتاج للكثير من الجرأة، وهذاما حدث بحملة “مي تو” التي انطلقت في أمريكا قبل عدة سنين والتي بدأت فيها النساء -بالغالب- الحديث عن مسألة العلاقات بين الجنسين بشكل مختلف وجريء بمحاولة لنشر الوعي حول هذه العلاقة، قد يكون ذلك التجديد هو أيضا من المتغيرات التي ساهمت بتغيير نظرتنا نحن كذلك لمسألة المغازل وشجعتنا على مناقشة هذه المسألة الحساسة هذه الأيام، وذلك أمر إيجابي مهما كانت وجهات النظر المطروحة… فالنقاش العقلاني وتجاوز مسألة “العيب” هو أمر ممتاز ويساهم باستقرار المجتمع على المدى البعيد.

الموضوع يستحق المزيد من النقاش، والمزيد من الجرأة بالطرح، رغم ثقله وحساسيته، كما يستحق المزيد من التحليل العلمي الأكاديمي، كل ذلك من أجل أن نحطم أكبر قدر من التراكمات التاريخية السلبية ونقدم صورة أوضح وأصدق لمختلف أجيال هذا المجتمع عن حقيقة المغازل بعيدا عن الخرافات المتوارثة… فتكلموا وتابعوا الحديث.

ذا فورس: توازن النور والظلام بعالم حرب النجوم

إذا سألنا ما هو أفضل، الخير أم الشر؟

بالتأكيد الأغلبية الساحقة ستجيب ببساطة: الخير!

لكن هل فعلا الموضوع بهذه البساطة؟ إن كان الأمر كذلك لماذا إذا ليس جميع الناس “أخيارا”؟

هناك الكثير من النظريات الفلسفية عن هذا الموضوع، وتناولته عدد لا يحصى من القصص والروايات والملاحم، واحدة منها هي نظرية حرب النجوم، فما هي هذه النظرية؟

أساس النظرية هي فكرة القوة، أو ذا فورس The Force، وهي نوع من الطاقة اللامرئية التي تربط أجزاء الكون ببعضها.

في أغلب القصص والفلسفات والعقائد نجد أن هدف الإنسان يجب أن يكون انتصار الخير على الشر، لكن في عالم ستاروورز الهدف ليس بهذه البساطة، فالهدف هو اتزان الفورس.

تنقسم الفورس إلى قسمين:

النور the light side، ممثلا بالجيداي، تقليديا أصحاب السيوف الزرقاء.

الظلام the dark side، ممثلا بالسيث، أصحاب السيوف الحمراء… تقليديا.

كل قسم منهم في حرب دائمة مع الآخر، بل داخل كل شخص وكل شيء تظل هذه الحرب مستمرة، فالمسألة ليست أن أصحاب السيوف الزرقاء طيبون وأصحاب الحمراء أشرار! ذلك تبسيط قد يكون مقبولا من طفل مثلا، لكنها تسخيف للفكرة العميقة للنظرية.

لا يمكن أن ينتصر طرف من أطراف هذه الحرب على الآخر بشكل مطلق، لأن ذلك سيتسبب بخلل في توازن الفورس! لذلك نجد هذه الحرب المستمرة بين النور والظلام متمثلة بالحرب الدائرة بين قوى الجمهورية والإمبراطورية (بصورهم المختلفة)، كما نجدها متمثلة بالصراع النفسي الدائر داخل عقل وروح الأشخاص ذاتهم. فالحرب (العسكرية والنفسية) هنا شيء طبيعي، هي جزء من عملية التوازن.

طلال الميعان

من البديهي أن نعتبر نصر قوى الظلام شيء سلبي، لأنها تمثل القيم والمشاعر “السلبية” كالطمع والرعب والألم والانتقام. لكن بنفس الوقت إن تمعنا بالموضوع سنجد أن قوى النور لا تقل عنها سلبية!

نعم الجيداي يظهرون بمظهر الخير المطلق، لكن وصولهم لهذا الشكل يتطلب منهم التضحية بالكثير من الأمور التي لا يمكن أن تنصلح الحياة دونها. فالجيداي يجب أن يتخلى نهائيا عن عاطفته، عن رغباته، عن طموحه، عن شخصيته وذاته. فيكرس حياته تماما من أجل النور.

بمعنى آخر، لو تحول كل الناس إلى الجانب المنير (كالجيداي) لخربت الحياة خرابا لا يقل كارثيةً عن خراب تحولهم للجانب المظلم! فهل من الممكن أن يعيش الإنسان دون أبسط المشاعر مثل الخوف والغضب والكره والمعاناة؟ مشاعر الطريق المظلم كما تسمى!

من أجل ذلك التركيز هو على التوازن، فكل إنسان، وكل نظام كوني يحوي داخله على نور وظلام.

الإمبراطورية “الشريرة” نشأت أساسا لتقاوم فساد الجمهورية وبيروقراطيتها وغرورها، فهي ليست شرا مطلقا، لكنها حركة إصلاحية انزلقت لاحقا في طريق الظلام.

دارث فيدر “الشرير” ثار على رفاقه السيث من أجل ابنه… كما ثار قبلها على رفاقه الجيداي من أجل زوجته… مما يجعل من شخصيته واحدة من أعقد وأروع شخصيات الخير/شر… فلله درك يا أنيكان سكاي ووكر!

صراع النور والظلام مستمر، نجده حولنا وداخلنا. لا يمكن لأحد، فردا كان أو نظاما، أن يدعي أنه يمثل النور المطلق، ولا أن يتهم غيره بالظلام المطلق، فبمجرد ما أن يفكر بهذه الطريقة فإنه سينزلق بطريق الظلام. المسألة هي مسألة نقاش و تشكيك وبحث دائم عن مكامن الظلام داخلنا أو من حولنا ومحاولة لاستبدالها بالنور… دون التخلي عن ما يعطي حياتنا طعما ولونا ومتعة وشغفا. ليس الأمر سهلا، فهو صراع … من أجل التوازن.

May the Force be with you

مصيدة المطبوعات: مزايا وعيوب تعديل قانون المطبوعات الكويتي

قانون المطبوعات الكويتي واحد من أكبر المعضلات التي تواجهها حرية التعبير في الكويت، فذلك القانون المشؤوم الصادر على حين غرة عام 2006 تسبب وما زال في إرهاب وملاحقة كل صاحب كلمة منشورة أو مذاعة أو مصورة على أرض هذا الوطن. تحدثت عن هذا القانون وتوابعه كثيرا في هذه المدونة، ويعود اليوم مطروحا في ساحة النقاش بعد أقرت مؤخرا بعض التعديلات عليه. ما هي تلك التعديلات؟ ما هي آثارها المحتملة؟ هل سيكون لها أثر إيجابي أم سلبي على حرية النشر؟

الأمر معقد قليلا، سنقسم آثاره إلى إيجابيات، سلبيات، ومنطقة رمادية. لكن قبل ذلك علينا أن نستوعب أهم تغيير حدث في هذا التعديل، وهو مسألة الرقابة المسبقة وكيف تحولت إلى لاحقة. لفهم آلية الرقابة المسبقةكتبت سابقا مقالا بعنوان الرقيب المسكين.

إيجابيات التعديل

التعديل الأهم على القانون هو مسألة إلغاء الرقابة المسبقة على الكتب “المستوردة“، فبعد أن كان القانون ينص على ضرورة أن تعرض الكتب قبل التصريح ببيعها على لجنة رقابة المطبوعات بوزارة الإعلام لتحصل على فسح منها، صار نص القانون الآن أن الكتاب لا يحتاج إلى أكثر من إخطار الوزارة بعنوان ومعلومات الكتاب وإيداع نسختين منه لديها… ثم يطرح للبيع مباشرة.

تلك خطوة إيجابية بالطبع… على الأقل ظاهريا!

أكبر مشكلة بالقانون القديم لم تكن قانونية ولا سياسية ولا أخلاقية، بل كانت إدارية! آلية الرقابة شيء مرهق ويستنزف طاقة الكاتب والناشر، مع التعديل وإلغاء الرقابة المسبقة أصبح النشر أسهل نسبيا.

طبعا أكبر مستفيد هنا هم الناشرون والمكتبات، لأن حياتهم ستكون أسهل. مشهد صناديق الكتب الملقاة في ممرات ومكاتب إدارة الرقابة منتظرة رأي الرقيب كان منظرا كئيبا ومثيرا للغثيان، خاصة بفترة ما قبل معرض الكتاب. هذا المنظر من المفترض أنه سينتهي بعد هذا التعديل.

قانونيا كل ما كان يحظر نشره مازال ممنوعا… وزيادة! لكن الفرق أن فرصة نشره رغم شبهة مخالفته للقانون أصبحت أكبر. مرة أخرى الناشرون (والقراء) هم المستفيدون من ذلك لأن عدد المصنفات التي سيتمكنون من بيعها ستكون أكبر، وفرصة تعرضها للمنع لاحقا ستكون أقل لأن الكثير من المحظورات الموجودة فيها لن يلاحظها أحد، لأن الرقيب المحترف لم يعد موجودا.

كذلك فإن فرصة تعرض الكتب للمنع للأسباب السخيفة كما كان يحدث سابقا ستقل كثيرا، فلا أتوقع أن أحدا سيتحمس لرفع قضية على كتاب لورود كلمة “نهد” فيه بشكل عابر… أو لأن فيه صورة شخصية ليتيل ميرميد يظهر بطنها!

نقطة إيجابية أخيرة هي أن اختفاء المنع المسبق للكتب يعني أننا أيضا – بشكل غير مباشر – سنتخلص من العنتريات المزعجة لبعض الكتاب ممن يفاخرون بمنع كتبهم! لن نتخلص منها بالكامل… لكنه إزعاج سيقل التعرض له.

سلبيات

الآن دعونا لا ننجرف بالحماس للتعديل، فتعديل القانون لا يعني إطلاقا أن الحريات أصبحت أكبر… بل بالعكس أصبحت أضيق وأخطر!

خطر تعرض الكتاب للملاحقة القانونية الفعلية مازال موجودا بل أصبح أكبر وأكثر خطورة لعدة أسباب:

١- لعدم وجود رقيب يراجع الكتاب
٢- لتخلص الرقيب من المسؤولية السياسية
٣- لإدراج محظورات أكبر مع التعديل

أولا، لا أقصد أبدا مدح الرقيب! لكن وجوده كان يشكل عقبة في طريق نشر ما هو ممنوع قانونا، وإن كان ذلك لا يعني الحماية الفعلية للكتاب. فحتى مع الرقابة المسبقة يمكن أن تتعرض الكتب للملاحقة القانونية، وحدث ذلك من قبل، أي أن يجاز الكتاب من لجنة الرقابة لكن ترفع عليه قضية لاحقا في المحاكم. لكن فرصة حدوث تلك الملاحقة حاليا أصبحت أكبر لعدم وجود فلتر للمنشورات، حتى من حيث الكم، عناوين أكبر دون رقابة تعني عناوين أكثر من الممكن أن ترد فيها كلمة تتسبب بمحاكمة المسؤول عنها.

ثانيا، الرقابة المسبقة كانت تشكل ضغطا هائلا على الحكومة، وتحملها مسؤولية كل ما ينشر ويذاع ويقال، الآن نوعا ما هي ارتاحت من هذا الحمل وأصبح حملا على أكتاف المحتسبين من الشعب… وما أكثرهم!

بالسابق كانت الرقابة عبارة عن أداة سياسية تستخدمها بعض القوى للضغط على الحكومة، أما اليوم فنوعا ما صار الشد مباشرا بين تلك القوى وبين الكتاب. ذلك أمر إيجابي للحكومة… أما الكتاب فكان الله في عونهم على ما سيأتي!

ثالثا، وهي النقطة الأخطر، خاصة إذا ما قرناها بالنقطتين السابقتين – والتي يتجاهلها المدافعون عن القانون المعدل – هي إدراج محظورات جديدة مع التعديل الجديد على القانون، وهي محظورات حساسة وبغاية الخطورة!

وكأن المحظورات الإثناعشر السابقة لم تكن كافية… أصبحت الآن 13. طبعا بند 11من مادة 21 الجديد من محظورات النشر كارثة تستحق مقالا مطولا لنقاشها! وهو بند يحظر مناقشة المواضيع الطائفية والقبلية والعنصرية بشكل يثير “الفتن” أو “التحريض”. وهي مصطلحات مطاطة… ظاهرها بريء… لكن على أرض الواقع ستتسب بمجازر قانونية كريهة!

ضع في بالك أن محظورات قانون المطبوعات هي ذاتها التي تشير لها محظورات قوانين الإعلام الأخرى. يعني تضييق الحرية بسبب التعديل الجديد لن يصيب الكتب وحسب، بس سيصيب الصحف، الإعلام المرئي والمسموع، النشر الإلكتروني، وجرائم تقنية المعلومات.

رماديات

المشكلة في قانون المطبوعات حتى قبل التعديل لم تكن في نصه وحسب، بل حتى في تطبيقه.

هل تعلم أن نص قانون المطبوعات قبل التعديل لا يعطي الرقيب الحق بمراقبة الكتب المنشورة داخل الكويت، فنص القانون يقول بأن الناشر المحلي فقط يخطر الوزارة بمعلومات كتابه ويودع لديها نسختين، لكنهم ولسنوات طوال كانوا يضربون هذا النص بعرض الحائط ويصرون على مراقبة الكتب المحلية والمستوردة على حد سواء؟! تعديل نص القانون الجديد من المفترض أن يساوي بالمعاملة بين الكتاب المحلي والمستورد… لكن المحلي كان مظلوما أساسا!

نص التعديل يتحدث عن إلغاء الرقابة المسبقة للكتب المستوردة، وستكون الكارثة المضحكة أكبر إذا قرر الإخوان بإدارة الرقابة أنهم سيكتفون بتطبيقه عليها واستمرار الرقابة المسبقة على الكتب المحلية… سأضحك كثيرا من القهر إن تم ذلك! وبصراحة هو أمر رغم غبائه إلا أنه غير مستبعد، فالوضع السابق استمر لأربع عشرة سنة رغم المطالبة بتصحيحه، وكنت قد ناقشت الأمر كثيرا مع المسؤولين بوزارة الإعلام ومع الناشرين المحليين ومع الزملاء الكتاب والناشطين السياسيين… لكن رغم ذلك لم يصحح الوضع، لذلك فإن الغباء بتطبيق القانون أمر ليس مستبعدا رغم النص الصريح.

ربكة

الوضع كما نرى مربك ومشوش، فيه الإيجابيات وفيه السلبيات، وفيه منطقة رمادية كبيرة لا ندرى حتى الآن ما هي نتائجها. لا ندري بالضبط كيف سيتم معاملة القانون المعدل، من سيتولى عملية الرقابة اللاحقة؟ هل أصبحت رقابة أهلية بحتة؟ هل ستستمر الحكومة بملاحقة الكتاب قانونيا بزعم الرقابة اللاحقة؟ أم ستكتفي بالمنع الإداري؟


الوقت هو ما سيبين لنا نتائج هذا التعديل، نأمل أن تسير الأمور للأفضل، لكني لا أستطيع أن أفرح وأتفاءل بالوقت الحالي.


مزرعة الصحة

الأنباء 1 يونيو 2020

الصحة تقوم في الوقت الحالي بتتبع أعداد الإصابات في المناطق المعزولة، حيث يقطنها أعداد كبيرة من الوافدين والعزاب، ممن لا يلتزمون التعليمات الصحية والتباعد الاجتماعي. […] المرض لن ينحسر في هذه المناطق، إلا من خلال تطبيق المناعة المجتمعية.

رئيسة المشرفين الصحيين في منطقة العاصمة بالصحة الوقائية

جميع الحيوانات سواسية، لكن بعض الحيوانات أكثر مساواة من غيرها.

جورج أورويل، مزرعة الحيوانات


التفاصيل في مقال حصار المهبولة.

حصار المهبولة والعزل العنصري

في مرحلة متقدمة من أزمة جائحة الكورونا أصدرت الحكومة الكويتية بالسادس من أبريل 2020 قرارا بعزل منطقة المهبولة (وجليب شيوخ) بحجة انتشار المرض بين سكانها وبالتالي الحد من انتشاره خارجها. وبعد شهور من هذا العزل لنا أن نتساءل أولا عن فاعليته وتحقيقه للهدف منه، وثانيا عن آثاره الاجتماعية والثقافية، وأخيرا عن الدروس المستفادة منه.

يسكن المهبولة ما يقارب المئتي ألف نسمة، ومن الشائع عنها أنها منطقة تسكنها العمالة الوافدة، وإن كان سكانها من جنسيات مختلفة (بما في ذلك الكويتيين) وتوفر بعض بناياتها سكنا لعمال بعض الشركات الكبيرة ومدرسي بعض المدارس والجامعات وغيرهم من الفئات السكانية المختلفة، كما تحوي العديد من المحلات التجارية والعيادات الطبية والمستشفيات والمطاعم والنوادي وغيرها.

أثناء فترة العزل عانى سكان المنطقة من الكثير من المشاكل، أبرزها صعوبة الحصول على متطلبات المعيشة الأساسية، فغالبية شركات التوصيل لا تستطيع (أو ترفض) دخول المنطقة، كما أن المنطقة ليس بها جمعيات تعاونية ولافروعها ولا مركز صحي. تمت محاولة حل بعض هذه المشكلات بإنشاء فرع مؤقت لجمعية الفنطاس داخلها وفرع للتموين ومركز صحي ميداني، وهي إجراءت ترقيعية… اسألوا سكان المهبولة عنها! مشكلة أكبر تواجه بعض سكانها كذلك هي فقدهم لوظائفهم ومصادر رزقهم بسبب عزلهم عنها.

الحديث بالفقرة السابقة هو عن بعض المشاكل المادية، ولكن هنالك مشاكل اجتماعية ونفسية وثقافية لا تقل عنها، ناهيك عن المشكلة الصحية الأساسية. ففيما عاشت بقية مناطق الكويت حظر تجوال كلي لمدة 20 يوما عانى السكان من خلالها من مختلف أنواع المشاكل والضغوطات… نجد المهبولة تستمر معاناتها من مشاكل وضغوطات مشابهة لمدة استمرت ما يقارب الشهرين حتى وقت كتابة هذا المقال.

والسؤال هنا…

ماذا استفدنا من العزل؟

عند صدور قرار العزل كان مقررا له أن يستمر أسبوعين حتى يتم السيطرة على الوضع، فكيف تحول الأسبوعان إلى شهرين؟ وماذا نستنتج من هذا التمديد؟

إذا اعتبرنا المهبولة المعزولة بسكانها المئتي ألف مجتمعا مغلقا صغيرا فذلك يجعلها ما يمكن اعتباره مجموعة قياسية، فالإجراءات التي تم تطبيقها عليها خلال شهري العزل ومقياس نجاح تلك الإجراءات هو دليل على ما يمكن تطبيقه على الدولة ككل. بمعنى آخر… إذا اعتبرنا سكان المهبولة بأنهم “فئران تجارب” الإجراءات الصحية فإن النجاح بالسيطرة على انتشار المرض فيها هو دليل على نجاح تجربة يمكن تطبيق إجراءاتها على الكويت ككل، والعكس أيضا صحيح، إن كانت الدولة قد فشلت في السيطرة على المرض بين 200 ألف شخص معزولين عن العالم في المهبولة (و300 ألف في جليب الشيوخ)… فكيف ستنجح بالسيطرة عليه بين 4 ملايين من بقية سكان الكويت ممن يسرحون ويمرحون دون عزل؟

باعتبار عزل المهبولة كتجربة علمية فإن الفشل بالسيطرة على المرض فيها يمكن اعتباره إما ضعفا بالقدرة على التخطيط والتنفيذ، وتلك كارثة إدارية تنذر بمصيبة أكبر تعم البلاد، أو أنه فشل متعمد… وتلك مصيبة أكبر!

حرس الحدود عند السور الحديدي المحيط بالمهبولة

العزل الثقافي

فكرة العزل الثقافي ليست جديدة ولا غريبة علينا ككويتيين، تحدثت عنها سابقا في مقال ثقافة السور، فذلك السور الحديدي القبيح المحيط بالمهبولة قد يحمل دلالة ثقافية أكثر قبحا من شكله بكثير.

غير الملتزمون من الكويتيين أضعاف غير الكويتيين

النظرة الشائعة التي تحدثنا عنها أعلاه عن كون المناطق المعزولة هي مناطق “وافدين” هي واحدة من المعضلات العويصة في قضية عزل أو حصار المهبولة، وذلك ليس أمرا مستغربا في ظل العقلية العنصرية التي كانت سائدة لعقود طويلة وتفاقمت بشكل ضارٍ وجلي خلال أزمة الجائحة. أدت هذه العقلية العنصرية لانتشار فكرة أن سبب تفشي المرض في هذه المناطق سببه تكدس العمالة بكثافة عالية حينا، وعدم وعي تلك العمالة واستهتارها بالقوانين حينا آخر. يتم لوم سكان تلك المناطق بشكل صريح أحيانا، وفي أحيان أخرى يكنى عن ذلك بلوم من يطلق عليهم اسم “تجار الإقامات” ممن تسببوا بهذا التكدس. لن أتناقش هنا بمن هو أكثر وعيا، الوافد أو المواطن، لأن في ذلك تعميما مرفوضا، لكن أرقام مخالفي الحظر الرسمية التي تنشرها وزارة الداخلية يوميا وفيديوهات المواطنين بالخيران تقول بعكس الرأي الشائع.

مثال على تجاهل قيود حظر التجول بالخيران وغيرها من المناطق الساحلية

أكذوبة التكدس

نقطة أخرى تضلل الرأي العام في الكويت وهي إحصاءات حالات الإصابة الرسمية، وهي أرقام من المفترض بأنها جامدة ولا يختلف عليها، لكن الطريقة التي تقدم وتقرأ بها هي ما يمكن التلاعب به. تلك الأرقام إن قُرأت بالشكل الصحيح تبين لنا أنه على عكس الاعتقاد السائد بأن المرض مستشر بين جنسيات الوافدين المتكدسين وقليل الانتشار بين الكويتيين فإنه واقعيا لا يفرق كثيرا بين المجموعتين… إحصائيا!

بداية يجب أن أسجل اعتراضي على تقسيم المرضى بين كويتيين وغير كويتيين، فالمرض لا يعرف فرقا بينهم، والفيروس يجري بالدم الكويتي كجريانه بدم غير الكويتي، وقد فصلت بذلك بمقال للكويتيين فقط، ولكني أورد هذه الإحصاءات فقط لتوضيح سوء الفهم الدارج عند الناس. ببداية الجائحة كانت أرقام الإحصاءات تذكر دون تحديد جنسية المصابين، وكان ذلك أمرا حميدا برأيي، لكن الناس حينها أخذت تطالب بذكر جنسيات المصابين… لغرض في نفسها، فما كان من السلطات الصحية إلا أن استجابت لمطالبهم مما أسعد أصحاب رأي “شوفوا شلون المرض منتشر عند الوافدين أكثر!” وهي بالطبع مغالطة لم تكلف السلطات تصحيحها للناس.

عدد سكان الكويت حسب آخر التقديرات هو ما يقارب الأربع ملايين وسبعمئة ألف نسمة، يمثل الكويتيون منهم ما يقارب الـ 30 بالمئة. الآن إن افترضنا أن المرض انتشر بالتساوي بين السكان، يفترض منطقيا إذن أن تتوزع أرقام الإصابات بنفس نسبة السكان، أي أن تكون نسبة الكويتيين المصابين بالمرض من إجمالي عدد الإصابات هي 30 %، فكم تعتقد هي النسبة الحقيقية؟

لم أجد إحصائية شاملة لنسب الإصابات حسب الجنسيات، خاصة وأن نسب إحصاءات الأيام الأولى غير متوفرة كما ذكرنا، لذلك قمت بجمع أرقام الإصابات الجديدة للخمسة أيام الماضية كعينة إحصائية، وهي من أيام الحظر الشامل، وكانت النتيجة كما يلي:

المصابين الكويتيين = 1057
المصابين من غير الكويتيين = 4234

مرة أخرى، ظاهريا عدد المصابين من غير الكويتيين أكبر بكثير من عدد الكويتيين، وتلك هي الأكذوبة التي يعتمد عليها من يلوم الوافدين على تكدسهم وعدم التزامهم، لكن إن أخذنا النسبة بين العددين نجد بأن عدد الكويتيين المصابين يصل إلى 26% من المجموع، أي أنه عدد قريب من نسبة الـ 30% التي افترضناها منطقيا. بمعنى آخر الإصابات تتوزع نوعا ما بالتساوي بين الجنسيات رغم فرضية التكدس وعدم الالتزام التي صورت لنا بأن مناطق الوافدين هي بؤرة المرض ومستنقع الجائحة.

طبعا هذه الأرقام والإحصاءات الرسميةمن الأساس لا تعكس الحقيقة بشكل دقيق، ولا أذكرها هنا بإيمان مطلق بأهميتها، ولكن ما يهمني هنا هو الجانب الثقافي المتعلق بكيفية قراءتها، وكيف يمكن أن يخدع الناس بها، وكيف يمكن أن تستغل لإيصال أفكار خاطئة للجماهير تؤثر على معتقداتهم وآرائهم وقراراتهم، وكيف يمكن للفهم الخاطئ أو المضلل للأرقام أن يبني ويعزز الفكر العنصري.

اللوم العنصري

هل عملية اللوم العنصري هذه أمر طبيعي؟ وهل أتت من فراغ؟ لا أعتقد ذلك، بل إني أجرؤ أن أقول بأنها عملية منظمة بشكل ما. تزايد وتيرة الخطاب العنصري خلال هذه الأيام هو أولا نتيجة تراكمات الثقافة العنصرية كما فصلت بثقافة السور، وأيضا نتيجة الخطاب الوطني/القومي المطروح بسذاجة بالإعلاميات التي انتشرت خلال الجائحة، والطرح الوطني/القومي وأثره في إثارة العنصرية هو أيضا موضوع تحدثت عنه بالتفصيل سابقا بمقال الصورة الكبيرة. مما بالغ بتعظيم دور الخطاب العنصري هذه المرة أيضا هي الرسائل مجهولة المصدر المتداولة أو تصريحات بعض المشاهير المنتشرة بالإعلام بالإضافة لبعض حسابات مواقع التواصل الاجتماعي التي نراها تتحرك بشكل منظم لإثارة النعرة العنصرية… وفوق ذلك تجاوب السلطات الرسمية معها. مسألة الرسائل الإعلامية الرسمية والشعبية قد تكون موضوع مقالات قادمة.

نوم شومسكي عن ترمب:
– يلوم أطراف خارجية كالصين ومنظمة الصحة، أمر سهل بيعه للجماهير
– يقنع الجماهير أن الأصوات المعارضة عبارة عن إشاعات تدمر قيادته الحكيمة
– يشبهه بالنازية، مع اختلاف أنها كانت تسيطر على التجارة، بينما ترمب يخدم التجار طالما كان ذلك يخدم نرجسيته

بالنسبة للسلطات فإن عملية اللوم الشعبي العنصري لتلك الفئات المستضعفة هي هدية من السماء! فكرة أننا كسلطات نعمل بأقصى جهدنا ونضحي بأرواحنا وبثرواتا من أجل إخراج الناس من براثن هذه الجائحة… لكن هؤلاء الناس هم من يصعبون حياتنا بسبب تكدسهم حينا… أو بسبب مشاكلهم وعدم احترامهم لتوجيهاتنا واحتجاجاتهم وفوضاهم حينا آخر، فكيف سننجز في ظل هذه المشاكل التي يسببها الوافدون ومن جلبهم لنا ورماهم؟ لوم الآخر والتعلل بالخطر الخارجي تكنيك تلجأ له الأنظمة الحاكمة بكل مكان بالعالم، تكنيك رغم أنه مفضوح إلى أنه غالبا ما ينجح باستمالة الجموع قليلة الوعي.

الدرس المستفاد

هل استفادت السلطات الصحية والحكومية من شهري حصار المهبولة؟ من الواضح جدا أن الجواب لا مدوية! بالنسبة لجليب شيوخ فما زالت تنافس بصدارة الأرقام الرسمية (سواء صدقناها أم لا) لعدد حالات الإصابة بالمرض اليومية، أما المهبولة فتصعد حينا بالتوب 4 وتختفي أحيانا أخرى، بل إن مناطق أخرى دخلت في سباق الإصابات وتجاوزتهما كالفروانية وخيطان (أيضا من ما يطلق عليها اسم “مناطق الوافدين”). فكيف تعاملت السلطات مع هذه التطورات؟ طبعا بالمزيد من العزل والحصار!

خلال الفترة القريبة من عيد الفطر أثناء مرحلة الحظر الشامل أرخت السلطات الحصار على المهبولة قليلا، فتم السماح لسكانها بالخروج من المنطقة خلال فترة السماح بالمشي من 4 ونصف إلى 6 ونصف كبقية المناطق من خلال بعض بوابات السور التي تم فتحها لهم، لكنه كان إرخاء “مفرطا” إن صح التعبير، فانتشرت فجأة تسجيلات مصورة للناس وهم يلهون ويتنفسون بحرية على شاطئ البحر بعد شهور الحبس الطويلة، الأمر الذي أعاد استثارة الناس ضدهم ممن صوروهم وكـأنهم مستهترون ومتمردون ويجب قمعهم وإجبارهم على “احترام الدولة”! فما كان من السلطات إلا الامتثال لتلك الأصوات وإعادة إغلاق البوابات بعد أن ظن سكان المهبولة لوهلة أن الفرج قريب وأن حصارهم سينتهي.

من ناحية أخرى صدر قرار بتمديد عزل المهبولة وجليب الشيوخ، بل وتوسعة نفس فكرة العزل على مناطق أخرى وهي الفروانية وخيطان وحولي والنقرة وميدان حولي (مرة أخرى “مناطق وافدين”) اعتبارا من تاريخ 30 مايو 2020. طبعا حتى هذه القرارات تستند على نفس القراءة المغلوطة للأعداد، فالفروانية مثلا من المناطق المتصدرة لأعداد الإصابات، ظاهريا هذا شيء مفزع! لكن إن وضعنا بالاعتبار أن منطقة الفروانية هي بالأساس ذات كثافة سكانية عالية (محافظة الفروانية تحوي ربع سكان الكويت تقريبا!) فإنه من الطبيعي أن يكثر عدد الحالات فيها، لذلك اعتبارها منطقة موبوءة تستحق العزل قرار متخبط ويستند على قراءة عاطفية للأرقام… وذلك يمثل حلقة بسلسلة فشل التخطيط.

نعود مرة أخرى لفكرة العزل ذاتها، إن كانت فكرة حصار المهبولة فاشلة ولم تحقق أهدافها المعلنة فلم الاستمرار بها بنفس الطريقة بعد طول هذه المدة؟ وبأي منطق علمي تعمم التجربة الفاشلة على مناطق أخرى؟ هل هناك منطق تم الاستناد عليه غير الأرقام المعلنة؟ هل هناك حقائق أخرى لا نعرفها أدت لتلك القرارات؟ ولم لم تُعرض وتفسر تلك الحقائق؟ تلك أسئلة لم تقدم لها إجابات… بل لم تطرح أساسا ولم تخطر على بال الواثقين ثقة عمياء بقرارات السلطة ممن أيديهم بالماء ولا يشعرون بأثرها على السكان المحاصرون!

“كلو نفرات من شان وقف خبز هو روح”

منظر يومي من معاناة سكان جليب الشيوخ وطوابير توزيع المواد الغذائية الطويلة.

هناك بالطبع احتمالات أخرى، وهي أن لحصار المهبولة -وغيرها – أهداف أخرى… غير معلنة، ولنا هنا أن نتساءل عن تلك الأهداف. هل هي وسيلة للضغط على تجمعات الوافدين؟ هل هي خطة للكشف عن متجاوزي قانون الإقامة؟ هل هي لأسباب سياسية؟ هل هي محاولة لإرضاء الرأي العام الغاضب من فشل السلطات في السيطرة على المرض؟ لو كانت الإجابة بنعم على أي من تلك الأسئلة فإن ذلك سيكون كارثة أخلاقية كبرى، أن يستغل الوضع الصحي لحقيق مآرب سياسية أو غيرها.

هل هي صدفة أن يسبق قرار تمديد العزل استعار الحملات العنصرية ضد الوافدين على مواقع التواصل الاجتماعي… والجالية المصرية على وجه الخصوص؟بل نجد حتى تلفزيون الدولة الرسمي قد عرض مسرحية للصبر حدود (1980) في نفس يوم إعلان التمديد، وهي مسرحية تدور قصتها حول رجل كويتي يتزوج من فتاة مصرية مما يتسبب بمشاكل وخلافات في بيته! ثم هل هي صدفة أيضا أن يعلن قبل قرار التمديد بأيام قليلة عن حزمة من المكافآت المادية للعاملين بما يطلق عليه اسم “الصفوف الأمامية” المتضمنة بالطبع أفراد السلطة الأمنية… وهم نفسهم من سيتولون عملية حصار المناطق الجديدة؟

أعلم أن تلك أسئلة كثيرة لا نملك إجابتها حاليا، ربما سنجيبها مستقبلا، لكنها أسئلة تستحق أن نطرحها ونفكر فيها. أو يمكنك أن تتجاهلها، وتعيش حياتك مصدقا كل ما يقال لك وواثقا بقرارات السلطات وبحكمتها بإدارة الجائحة، لكن فقط تذكر بأنه في الوقت الذي تجلس فيه ببيتك مرتاحا، أو ربما متضايقا قليلا بسبب تأثير الحجر على مواعيد قهوتك وملذاتك وزياراتك الاجتماعية، هناك بنفس الوقت من يعاني معاناة حقيقية تهدد أمنه وقوت يومه وحتى صحته وحياته بظل الحصار الذي يحيط بالمنطقة المكتوبة ببطاقته المدنية. تجاهل هذه الأسئلة الآن إن أردت، لكن إن تسبب هذا الحصار بمعاناة غيرك… أو حتى ثورتهم وانفجارهم… أتمنى أن يتحرك ضميرك قليلا.


تحديث 1: نسبة إصابات الكويتيين خلال الأيام التالية لنشر المقال تجاوزت الـ 30%.

تحديث 2: مؤسف أن تصدق الشكوك، فلأول مرة يخرج تصريح من مسؤول بالسلطات الصحية بخصوص المناطق المعزولة مسميا إياها مناطق “وافدين” و”عزاب“، وذاكرا أن لا خطة للوزارة بخصوصها سوى تركها لمناعة القطيع!

الأنباء، 1 يونيو 2020