الرقيب المسكين: لماذا يلام المثقفون على رقابة الكتب؟

الرقيب المسكين: لماذا يلام المثقفون على رقابة الكتب؟

حاجز رقابة الكتب

 

نشرت جريدة الجريدة مقالا مطولا بعنوان كواليس الرقابة في الكويت: حماية للمقدَّسات أم تكميم أفواه؟ تحدث فيه الكاتب عن نطام رقابة الكتب بالكويت متهما إياه – بالطبع – بقمع الآراء وتكميم الأصوات وتقييد الحريات والرزوخ تحت طائلة الجهل والتخلف والتناقض، وهو أمر نتفق به مع الكاتب، ولكن… مرة أخرى… توجه الاتهامات إلى وزارة الإعلام (الحكومة) وكأنها العملاق الشرير الراعي للجهل والتخلف والمعادي لمصلحة الشعب! وتلك صورة ليست حقيقية… بالكامل 🙄، فالمتفهم لآلية عمل إدارة رقابة المطبوعات يعلم بأن ما يسيطر عليها أقرب للجُبن من الشر!

من يكتب تقارير الكتب التي انتشرت مؤخرا هم موظفون يشكلون أضعف حلقة من حلقات السلسلة الرقابية، التقارير التي تخشى من أي ذكر لكمة “نهد” أو من صورة بطن “ليتيل ميرميد” المكشوف، وخشيتهم تلك مبررة كما سيتضح لنا لاحقا. قبل ذلك علينا أن نفهم آلية عمل إدارة رقابة المطبوعات بوزارة الإعلام حتى نستطيع فهم تلك المخاوف التي أنتجت تلك التقارير المخجلة.

 

 

إبداعات رقابة الكتب

آلية الرقابة

إدارة رقابة المطبوعات بوزارة الإعلام هي إدارة حكومية تقليدية، ومشاكلها تشبه مشاكل أي إدارة حكومية أخرى من روتين وبيروقراطية… وربما بعض الفساد وسوء الإدارة. يقدم الكاتب/الناشر/المطبعة لها نسخا من الكتاب من أجل أن يحصل علي “الفسح” الذي يمثل تصريحا منها لبيعه ونشره في المكتبات الكويتية، وبعد خطوات إدارية معينة يصدر عن الإدارة إما كتابا بالفسح أو عدمه.

عند تقديم الكتاب للإدارة يتولى الاطلاع على محتوياته واحد من مجموعة من المراقبين، وبعد الاطلاع يكتب الرقيب تقريرا إما بالفسح أو بوجود “ملاحظات” على محتوى الكتاب، فإن وجدت ملاحظات يعتبرها الرقيب بوجهة نظره مخالفة لمواد قانون المطبوعات فإنه يدرجها بتقريره مع ذكر تلك الفقرات أو الصور مع أرقام صفحاتها ويرفع الكتاب للجنة رقابة المطبوعات.

لجنة رقابة المطبوعات هي لجنة تتكون من مجموعة من الكتاب والأدباء والعلماء والأكاديميين بتخصصات مختلفة (المفروض يعني!)، تجتمع اللجنة أسبوعيا (المفروض يعني!) لمناقشة التقارير المرفوعة لها من مراقبي الكتب وهي التي تصدر القرار النهائي إما بالأخذ بما ورد بتلك التقارير أو ببعض منه ومن ثم منع الكتاب، أو عدم اقتناعها بما ورد وبالتالي إصدار قرار بالفسح.

في حال صدور قرار بالمنع فيتم إخطار الكاتب/الناشر/المطبعة بذلك، وهنا يكون مقدم الكتاب أمام واحد من الخيارات التالية:

– الاستسلام، وبالتالي يمنع الكتاب ويكتفى بنشره خارج الكويت
– إصدار طبعة جديدة معدلة تراعي ملاحظات الرقيب، ومن ثم تقديمها مرة ثانية للإدارة
– التظلم

في حال التظلم فإن الكتاب – المفروض – يعرض على لجنة التظلمات التي تشكلها إدارة المطبوعات، فإن رفضت اللجنة التظلم يمكن للكاتب أن يلجأ للقضاء.

عملية طويلة ومملة ومعقدة كما نرى، لكن يجب أن يفهمها كل كاتب وناشر ومهتم بمسألة الرقابة والحريات.

الرقيب الحقيقي

تذكرون الأصوات التي تتعالى بشكل خاص مع كل معرض كتاب المتباكية على القيم والأخلاق والعقيدة والوحدة الوطنية من قبل “شرفاء” الأمة ومحتسبيها؟ وصور صفحات الكتب التي تنتشر على تويتر بغضب حينا وبسخرية حينا آخر؟ مطالبات بريئة… أليست كذلك؟ ما يحدث بعدها أن تلك الأصوات تلتقط من قبل “شرفاء” النواب المنساقين للفزعة الشعبية… فيصبون جام غضبهم وويلات دعواتهم على من؟ … نعم، وزير الإعلام!

من تعتقدون سيحاسِب وزير الإعلام كرد فعل على غضب النواب ممن التقطوا أصوات محتسبي الشارع؟ الحلقة الأضعف بالطبع! موظفو الرقابة! كيف فاتتكم هذه الصفحات؟! لم لم تقوموا “بواجبكم” على أكمل وجه؟! بهذه الحالة ما حيلة موظفي إدارة الرقابة سوى أن يسدوا الباب على أي احتمال لأن يتعرضوا للمحاسبة لاحقا… حتى لو كان احتمال تعرضهم للمسؤولية سببه بطن “ليتيل ميرميد”! ولهم الحق بذلك! “التساهل” بالنهاية ليس من مصلحة الرقيب، أمنع الكتاب وأرتاح أفضل لي من أن أغامر بفسحه ليتقط من من أحد المحتسبين ليضع صفحاته على تويتر لأوبخ أنا على تقصيري بعملي!

كموظف بإدارة الرقابة لن تنفعني مبادئ الحرية والديموقراطية ولا الثقافة ولا الأدب ولا الفلسفة ولا التاريخ… إن كان الثمن سيخصم من معاشي! الكتاب والمؤلفون والمثقفون ليسو شيئا مهما! لن ينفعوني بشيء! ولا هم أهل قوة وسلطة وتأثير علي!

بهذه المنظومة التي فصلناها نجد أن المحرك الأساسي لعجلة الرقابة ليس موظف الرقابة، ولا وزير الإعلام، وبالتأكيد ليس الكاتب والمثقف، من يضغط باتجاه المنع والقمع والتحسس من الحريات هم رجال السياسة من النوابتحقيقا لرغبات الشعب الورع التقي الوطني المرهف الحساس الحريص على أخلاق العباد ودينهم ووحدة صفهم 😒. السياسي من الذكاء بحيث أنه يعي ذلك، يعرف كيف يتلون من أجل أن يرضي شخصية المحتسب العساس في أسواق الثقافة!

ما رأي الشارع؟

بالتأكيد الشارع (حاليا) ليس متعاطفا مع الكتاب والمؤلفين… فبوجهة نظره هم أهل البدع والتفسخ والانحلال كما نقرأ باستمرار… أهل “النهود“… مخربي الأخلاق وشاقي وحدة الصف المتآلف!

لم لا يتعاطف الشارع مع الكتاب ودعواتهم للحريات؟ لم يرفض الشارع مبادئ الحرية وتعدد الأراء؟ الجواب الشائع والطبيعي هو… بسبب وقوعه تحت سيطرة قوى التخلف والجهل والظلام، وهي سيطرة لها بعد تاريخي عميق وأخذت عقودا طويلة حتى تكتمل سيطرتها على وجدان ذلك الشعب. بكل صراحة لا نستطيع أن نلوم الشارع على موقفه، لأنه مقتنع – بشكل أو بآخر – بأن للرقابة دور إيجابي في حفظ المجتمع، وهي قناعة حقيقية بالنسبة له ما لم يثبت له غير ذلك.

الجواب الأخص والأهم… لأن الشارع لا يستطيع فهم ألائك الكتاب والمثقفون من يملكون رأيا مخالفا لما هو سائد! فكلامهم “سواحيلي” بالنسبة لهم!

أعجبك مقال الجريدة المذكور بأول هذه التدوينة؟ لقد أعجبك فقط لأنك تريده أن يعجبك! “الشارع” لن يعجبه المقال… لأنه لن يقرأه! فهو مقال طويل معقد ومليء بكلمات مثل “الحق المجتمعي” و”منطق المزايدة” و”المقرر الأيديولوجي“! مقال لم يوجه للشارع أساسا… بل موجه لجمهور خاطئ… لأناس لا يحتاجونه أساسا! فمن يستمتع بقراءة مثل تلك المقالات الطلسيمة هو غالبا قارئ رافض لمبدأ المنع، كل “قارئ” بطبيعة الحال هو شخصية رافضة للمنع… كما يرفض الصياد منع الصيد ويرفض الرياضي منع الرياضة مثلا.

كيف نغير الوضع الحالي؟

بالطبع يجب تغيير ثقافة الشارع، ومن سيغير ثقافة الشارع سوى المثقفون؟… ولكن…
ما يقوم به معظم مثقفونا في نشاطاتهم وتصريحاتهم وندواتهم وتغريداتهم هو بكل بساطة عملية فرد للريش واستعراض للعضلات البلاغية المستنكرة للقمع وكتم الأصوات وتكبيل المعاصم! استعراض عنتري لن يخيف وزير الإعلام… ولا موظف إدارة الرقابة الذي كتب تلك التقارير التي استحقرناها أو سخرنا منها! لم سيخاف الوزير من تغريدة مؤلف قصص؟ أو يخشى موظف الرقابة من شاعر؟ أو يهتز نائب برلمان لكلام كاتب مقالات فلسفية؟

كتابنا ومؤلفونا ومثقفونا الأعزاء… ليس لكم قيمة!
إن أردتم أن يحسب لكم حساب… وإن أردتم أن تصبح لكم قوة حقيقية… فحاولوا كسب الشارع! ليفهمكم الشارع قبل كل شيء، ليتعاطف معكم الشارع، ثم ليدافع عنكم الشارع! ولن يحدث ذلك إلا إذا خاطبتموه بلغته ولسانه. الكلام البلاغي وكلمات مثل “منطق المزايدة” و”المقرر الأيديولوجي” لن تثير لدى الشارع سوى رغبته بالتثاؤب!

عوضا عن ذلك حدثوه بلغة “فيها نزوات الأطفال وفيها إحساس البسطاء” (كما يقول نزار قباني) وبأدوات قريبة من قلبه… كالشعر والقصة والأغاني والمسرح والدراما… وليس الفلسفة والمقالات النقدية والتغريدات المبهمة والندوات التي لا يحضرها سوى “ربعكم” من المثقفين! وحتى مع كل ذلك اصبروا عليه، كما تصبرون على شقاوة طفل مدلل، فتغيير المجتمع عملية طويلة ومتعبة ومعقدة، لكنها ممكنة إن تعاملنا معه بذكاء.

فخ الحريات في قانون تنظيم الإعلام الإلكتروني الكويتي

فخ الحريات في قانون تنظيم الإعلام الإلكتروني الكويتي

فخ الحريات

 

قد يكون مر عليك كتيب إلكتروني يحمل عنوان قوانين غير دستورية يحوي نصوص وتاريخ قوانين أقرها مجلس الأمة الكويتي… ولكن بها شبهة مخالفة مبادئ الدستور، كالقوانين المقيدة للحريات أو المنتهكة لحقوق الإنسان أو الممارِسة للتمييز العرقي أو الجنسي أو غيرها من المبادئ المناقضة لروح الدستور. فحسب النظام الديموقراطي الكويتي الدستور هو الأساس، والقانون موجود لتطبيق ذلك الدستور عمليا، فلا يجوز أن تخالف القوانين التي يصدرها مجلس الأمة مواد الدستور، لكن يحدث أحيانا – لسبب أو لآخر – أن تحصل بعض القوانين على أغلبية نيابية ومباركة حكومية وسكوت شعبي رغم فداحة محتواها! بالطبع فإن مثل تلك القوانين من المفروض أن تعدل بواحدة من طريقتين، إما باقتراح قوانين جديدة، أو بإحالتها للمحكمة الدستورية. لكن بما أننا شعوب كسولة في بعض الأحيان، أو متواطئة مع الظلم في أحيان أخرى، بقيت تلك القوانين غير الدستورية على حالها!

تصحيح… لم تبق القوانين غير الدستورية على حالها… بل أنها ازدادت وتكاثرت مؤخرا، ومن المفترض زيادة فصول الكتيب آنف الذكر وتحويله لكتاب… أو مجلد… لمواكبة الفاجعة الدستورية التي نرضخ تحت طائلتها!

 

(مشروع) قانون تنظيم الإعلام الإلكتروني

أحدث القوانين التي يجب أن تضم إلى كتيب العار هو ما يطلق عليه اسم (مشروع) قانون تنظيم الإعلام الإلكتروني، والذي ستعرضه الحكومة على مجلس الأمة، المجلس الذي إن استمر على ما عهدناه – وعهدنا شعبنا عليه من سلبية – سيقر ذلك القانون وسيصبح ساريا ومطبقا على رقاب وأفواه الكل.

الظاهر من القانون هو أنه قانون ينظم النشر الإعلامي الإلكتروني، أي يعطي القانون قوة على النشر الإلكتروني تعادل قوته على النشر التقليدي. أي أنه كما تحتاج الصحف إلى إصدار تصريح ينظم عملها وتخضع لرقابة لاحقة على محتواها (لكي لا تنشر ما هو مسيئ أو مخالف)، فإن هذا القانون الجديد جاء (ظاهريا) لتنظيم بعض المواقع والخدمات الإعلامية الإلكترونية كذلك، تجنبا لحالة الفوضى والفراغ القانوني الذي تعاني منه الآن.

قد تتفق مع هذا الهدف (الظاهري) أو لا تتفق، أنت حر برأيك. مشكلتي شخصيا ليست مع “الظاهر” بل مع “الباطن“.

القانون باختصار شديد يلزم “المواقع الإلكترونية الإعلامية” بالحصول على ترخيص من وزارة الإعلام لممارسة أعمالها، وطبعا ذلك وفق شروط محددة، كأن يكون المقدم كويتي الجنسية لا يقل عمره عن ٢١ سنة، أن يودع مبلغ ٥ أو ١٠ آلاف دينار، أن يعين مديرا للموقع، أن يحدد نشاط الموقع… الخ.

يُخضع القانون الموقع الإلكتروني لشروط عديدة، أهمها هو تحري “الدقة” بما ينشر فيه، وتجنب نشر “المحظورات” من المواضيع التي حددها قانون المطبوعات.

وطبعا مخالفة بنود القانون تعرض صاحب الموقع لعقوبات تتراوح بين إلغاء التصريح أو وقفه أو حجب الموقع… نهائيا أو مؤقتا، وذلك بالإضافة طبعا لعقوبات قانون المطبوعات التي تتراوح ما بين الغرامة وتصل حتى السجن!

ذلك ما كان من أمر المواقع المصرح لها. طيب، ماذا عن “المواقع الإلكترونية الإعلامية” التي لم تتقدم للحصول على تصريح؟ ما عليها شي؟

لا طبعا… عليها ونص!

من يمارس الأنشطة المذكورة بالقانون دون ترخيص يعاقب بغرامة تتراوح ما بين ٣ إلى ١٠ آلاف دينار، مع حجب الموقع نهائيا!

السؤال الأساسي الذي حير الخبراء والعلماء في هذه المسألة هو:

ما هي “المواقع الإلكترونية الإعلامية” أصلا؟!

وهنا تكمن المصيدة!

 

المصيدة الإلكترونية

المادة ٤ من (مشروع) القانون تنص على التالي:

يسري هذا القانون على المواقع الإعلامية الإلكترونية التالية:
١. دور النشر الإلكتروني.
٢. وكالات الأنباء الإلكترونية.
٣. الصحافة الإلكترونية.
٤. الخدمات الإخبارية.
٥. المواقع الإلكترونية للصحف الورقية والقنوات الفضائية المرئية والمسموعة.
٦. المواقع والخدمات الإعلامية التجارية الإلكترونية.

أغلب هذه التعريفات واضحة وقد تكون مقبولة، أي أن وكالات الأنباء أو الصحف أو دور النشر “مؤسسات” مطلوب منها إصدار تصريح على أي حال لمزاولة عملها “التقليدي”، بالتالي من الممكن أن نتقبل “مبدأ” ضرورة الحصول على تصريح لنشاطها الممتد إلكترونيا. قد يكون لدينا اعتراضات إجرائية على ذلك… لكن “سنطوفها” حاليا.

لكن، إذا انتبها لمنتصف الأنشطة المذكورة سنجد في البند ٣ كلمة مبهمة وهي “الصحافة الإلكترونية“… وهنا يدق ناقوس الخطر!

 

ما هي “الصحافة الإلكترونية”؟

إنها كلمة مطاطة بالفعل! هل مدونتي هذه تدخل ضمن تصنيف “الصحافة الإلكترونية”؟ هل حسابك على الفيسبوك أو تويتر أو سناب تشات يدخل ضمن “الصحافة الإلكترونية”؟

تصريحات الحكومة الكلامية تقول “لا، لن نمس بالمدونات والمواقع الشخصية!“، ومرة أخرى نسأل، ما معنى “شخصية”؟ شخصية في ذات من يملكها؟ أم شخصية في محتواها؟ هناك فرق كبير بين الأمرين!

قد تنقذنا من هذه الحيرة المذكرة الإيضاحية التي تنص على التالي:

“ويستفاد من الحصر السابق للمواقع الإعلامية الإلكترونية [المادة ٤] أن القانون لا ينسحب أثره على الحسابات الشخصية الخاصة بمواقع التواصل الاجتماعي والمواقع الشخصية مثل (المدونات) وذلك لكونها تخرج عن نطاق الإعلام الإلكتروني المهني وبالتالي تنطبق عليها القوانين الأخرى”

تمام، لكن هنا نلاحظ ورود مصطلح جديد، وهو “الإعلام الإلكتروني المهني“، ما المقصود بذلك؟!

المادة الأولى من القانون تعرف “الموقع الإعلامي الإلكتروني” بأنه:

“الصفحة أو الرابط أو الموقع أو التطبيق الإلكتروني الذي يتصف [بالاحترافية]، ويصدر [باسم] معين وله عنوان [إلكتروني] محدد، وينشأ أو يستضاف أو يتم النفاذ إليه من خلال شبكة المعلومات الدولية “الإنترنت” أو أي شبكة اتصالات أخرى.”

وذلك كما نلاحظ وصف لآلاف المواقع والمدونات والحسابات التي نعرفها، الفيصل الوحيد هو صفة “الاحترافية” والتي لا أدري من أين جاءت وكيف يمكن تحديدها!

من ناحية أخرى نفس المادة تعرف “الصحيفة الإلكترونية” بأنها:

“موقع إلكتروني يقدم من خلاله المحتوى الإلكتروني المتضمن الأخبار والموضوعات والمقالات ذات الطابع الصحفي أو الإعلامي وتصدر في مواعيد منتظمة أو غير منتظمة”

يا إلهي! الأخبار عرفناها، “الموضوعات والمقالات ذات الطابع الصحفي أو الإعلامي” ماذا تعني؟ المقالات مثلا؟ الأفلام الوثائقية؟ مرة أخرى… مدونتي تحوي مقالات ومواد إعلامية مصورة قد تكون “احترافية” وتصدر في موعيد “غير منتظمة”، فهل مدونتي تعتبر “صحيفة إلكترونية” و”موقع إعلامي إلكتروني”؟ أم أنها موقع شخصي ولا يدخل ضمن نطاق “الإعلام الإلكتروني المهني“؟

تصريحات الحكومة شيء، ونصوص القانون شيء آخر. عندما يصدر قرار إداري أو حكم قضائي فإن الفيصل فيه هو نص القانون… وليس تصريحات الوزير!

ما معنى الشخصانية عندما تتحدث المذكرة الإيضاحية عن عدم مساس القانون بـ”الحسابات الشخصية” لأنها لا تدخل ضمن “نطاق الإعلام الإلكتروني المهني“؟ هل “شخصية” تعني أنها تابعة لشخص وليس لمؤسسة؟ ماذا عن المدونات التي يشرف عليها مجموعة من الكتاب والمحررين المستقلين؟ ماذا عن حسابات اليوتيوب التابعة لفرق الهواة من الفنانين؟

هل تحتاج الصحف ودور النشر مثلا لترخيص إن أرادت أن تنشأ لنفسها حسابات في مواقع التواصل الاجتماعي لنشر محتواها؟ لا؟ طيب، ماذا لو قام مدير تحرير إحدى هذه الصحف بإنشاء حساب “شخصي” على الفيسبوك مثلا وقام بنشر نفس المحتوى؟ ماذا لو قمت أنا الفرد الفقير لله بنشر ذات المحتوى على مدونتي؟ هل مازالت هذه “البدائل” تدخل ضمن تعريف “الحسابات الشخصية” أم أنها ستتحول إلى “إعلام إلكتروني مهني“؟ إذا بقيت “شخصية” فتلك الفوضى بعينها! ما فائدة القانون إذن؟

المسألة “الشخصية” هنا من الممكن اعتبارها تتعلق بمحتوى الموقع الإلكتروني وليس بشخص صاحب الموقع، أي أن “الموقع الشخصي” قد يعرف بأنه الموقع الذي يحوي مواضيع خاصة، كصور سفرتك إلى لندن، خاطرة أدبية كتبتها، رأيك في وجبة تناولتها في مطعم، تعبير عن أعجابك بمسلسل تتابعه… الخ. أما إن كانت مواضيع موقعك أو حسابك تتحدث عن نقدك للسياسية الاقتصادية لمنظمة أوبك، ملاحظاتك لظاهرة اجتماعية جديدة، رأيك في صراع سياسي إقليمي دائر، دفاعك عن قضية إنسانية محلية… الخ، عندها قد يأتي إليك من يقول بأنك قد خرجت بمواضيعك هذه عن نطاق “الموقع الشخصيودخلت في الشأن العام… وبالتالي فإن موقعك أو حسابك أصبح من ضمن “الإعلام الإلكتروني المهني“، لذلك عليك أن تودع في خزينة الدولة ٥ أو ١٠ آلاف دينار لتستخرج تصريحا يضمن لك استمرار موقعك، هذا بالطبع على اعتبار أنك كويتي لا يقل عمرك عن ٢١ سنة وتنطبق عليك جميع الشروط… وإلا ابحث لك عن كفيل!

القانون غير واضح بشكل مريب جدا، فكلمة “مؤسسة” لم ترد فيه، فعلى خلاف دور النشر والصحف والخدمات الإخبارية فإن كلمة “الصحافة الإلكترونية” لا تعريف لها لا في هذا القانون ولا غيره من القوانين، وكأنها وضعت بنية اللجوء لها من قبل الحكومة “عند الحاجة“.

فإن نشرت في موقعك أو حسابك الخاص أي شيء تراه الوزارة بأنه غير “شخصي” بإمكانها أن تغلفه بغلافالاحترافية” و”المهنية” وتجبرك على إصدار التصريح… وإلا تعرض نفسك للمساءلة وتحال للنيابة وقد تدفع غرامة ما بين ٣ إلى ١٠ آلاف دينار بتهمة مزاولة نشاط دون ترخيص، ويحجب موقعك نهائيا ومباشرة دون الحاجة لحكم من المحكمة!!

مرة أخرى، نصوص القانون والمذكرة الإيضاحية له (كما فصلت) هي ما يمكن الاستناد عليه بنظر القضاء، التصريحات والكلام المطمئن والمخدر والمدغدغ للعواطف لا فائدة منه، بل هو أسلوب يستخدم لاستغفالك وجعلك تبلع الطُعم دون أن تدري. هل تثق بالحكومة ووزارة الإعلام ثقة عمياء ومستعد لتسليمها “الخيط والمخيط” لأنها “أبخص” وتعرف ما تفعل من أجل “حفظ الأمن والأمان” و”زين تسوي فيهم“… و”وطني حبيبي وطني الغالي“؟! هنيئا لهم حصولهم على ثقتك هذه، أما أنا ومن خلال اطلاعي وخبرتي وتجاربي مع وزارة الإعلام بالذات… بصراحة… لا أثق بإعطائهم تلك السلطة المتمثلة ببنود هذا القانون بصورته الحالية، ستكون كارثة جديدة سنندم ونبكي عليها كثيرا بعد فوات الأوان!

 

طيب وما الحل؟

هناك عدة أمور يمكن اللجوء لها لمقاومة (مشروع) القانون هذا. عمليا، إن تم إقرار القانون فسينتعش سوق الحسابات الوهمية. شخصيا سأغير اسمي من مؤيد إلى “فريد“! ولندع وزارة الإعلام تلاحق هذا الـ”فريد” الذي ينشر تدويناته وتغريداته من حسابه الذي أنشأه في جمهورية الدومينيكان! نعم ذلك ليس حلا منطقيا… لكنه قد ينفع في هذا الزمن المظلم.

الحل الأصح هو الوقوف الجاد في وجه هذا القانون المشبوه وعباراته المطاطة!

نعم، يجب أن يرفض مشروع القانون هذا بشدة ويقتل في مهده. حتى الآن هناك أمل، فمشروع القانون هو مسودة أساسية، يجب أن يعرض على مجلس الأمة ويناقش ويقر بالأغلبية حتى يصبح ساريا. وهذا الأمر مخيف، فأعضاء مجلس الأمة الحالي يخشى منهم بصراحة بسبب مواقفهم السابقة. فمشروع قانون الصوت الواحد أقر من هذا المجلس، وقانون البصمة الوراثية أيضا أقر من قبل قبل هذا المجلس… ومن دون حتى مناقشة! لذلك إن تُرك أعضاء المجلس بحال سبيلهم فأقولها لكم… على الحرية السلام!

لابد من إثارة هذه القضية شعبيا بين أوساط المدونين والمغردين وغيرهم من أصحاب الشأن، كما يجب إثارتها ثقافيا بين أوساط الإعلاميين والحقوقيين والأكاديميين. يجب إيصال صوت الرفض لهذا المشروع وصيغته المهلهلة إلى أعضاء مجلس الأمة والضغط عليهم لرفضه… أو على الأقل تعديله. ونعم، إن تطلب الأمر فلا خير فينا إن لم ننزل للشارع للمطالبة بحريتنا، فحريتنا على الإنترنت هي آخر أعواد القش التي نتمسك بها… إن فقدنها فمصيرنا هو الغرق في بحر العار!

عندما منعت كتبنا قيل لنا “انشروها على النت” أو “انشروها خارج الكويت وسنشتريها عبر النت“. عندما أقفلت صحفهم قالوا “ما حاجتنا للورق، لدينا فضاء الإنترنت!“، عندما قيدت تجمعاتكم ومسيراتكم قلتم ““لا تنفروا في الحر”، لديكم الإنترنت… فغردوا كما تشاؤون فيه!“. فكيف ستصنعون إن منع عنكم التعبير على النت؟

أو لا تفعلوا شيئا، سيكون النت جميلا إن تفرغ له أهل البلع والبوح والتهريج… والفاشينيستا!

وهم الأمان

وهم الأمان

 

جانب من المعزين لأهالي ضحايا تفجير مسجد الإمام الصادق في الصوابر، مسجد الدولة الكبير، الكويت، ٢٧ يونيو ٢٠١٥

جانب من المعزين لأهالي ضحايا تفجير مسجد الإمام الصادق في الصوابر، مسجد الدولة الكبير، الكويت، ٢٧ يونيو ٢٠١٥

 

لا شماتة بالموت أو بالمصائب! تلك حقيقة لا خلاف عليها. فلا يرجى لضحايا أي مصيبة إلا الرحمة، ولا للمصابين بها إلا الشفاء، ولا لأهلهم إلا الصبر والأجر. نعم نتعاطف مع الضحية، ونغضب على المجرم، كما نفرح للخير الذي نراه في الناس، ونعتز بصدق وصلابة الموقف. لكن تلك المشاعر وحدها لا تكفي!

 

المسجد الكبير

 

الحزن والغضب والحماس تبقى بالنهاية ردود أفعال طبيعية على حدث كالذي أصاب الكويت، نعبر بها ونتقبلها… لكن لا يجب أن نكتفي بها! وأقول بأنها طبيعية لأنه واقعيا وتاريخيا دائما ما يتكاتف الناس وقت الأزمات والمحن ويتوحدون إذا ما شعروا بوجود خطر خارجي مسلط عليهم، لذلك رغم فرحتنا بهذا التكاتف والتوحد فلا يجب أن نعول عليه الكثير أو نعتبره الحصن المنيع الذي سيظل يحمينا إلى أبد الآبدين! فلابد لنا من القراءة والتحليل والتفسير والتقييم لما حدث ويحدث لنا ومن حولنا، تلك هي خطوات النقد السليمة، وهي كما نرى خطوات عقلية لا مجال فيها للعواطف. إن كنت ترفض إشغال ذلك العقل الناقد القابع في رأسك فلا تتابع بقية كلامي… يمكنك أن تكتفي بمتابعة قنوات الإعلام المحلية!

 

مدخل المسجد الكبير

 

على العقل الناقد أن يسأل: هل ما حدث كان مفاجأة غير متوقعة؟ هل نحن محصنون عما يدور حولنا من عنف؟

لست مسرورا على الإطلاق بقولي أننا كنا، وربما ما زلنا، نعيش في وهم الأمان!

وهم الأمان الذي أتحدث عنه برأيي نابع من مصدرين أساسيين:

١) نفاق اللحمة الوطنية
٢) الأمن المستأجر

نفاق اللحمة الوطنية بدأت الحديث به قبل أربع سنوات تقريبا، وأطلق عليه صفة النفاق هنا لأن ما نراه ونسمعه ونحسه إنما هو لحمة وطنية ظاهرية مبنية على أسس خاطئة، وقد تحدثت عن نفاق اللحمة الوطنية بتدوينة صوتية ومقال بعنوان الصورة الكبيرة، وهو المقال الذي كون أساس كتابي الذي يحمل نفس العنوان.

والحديث عن مقال وكتاب الصورة الكبيرة يسحبنا لقاع مستنقع النفاق الذي نعوم فيه!

فعندما حاولت – كما فعل غيري – مناقشة الأساس الثقافي لمشاكلنا الحقيقية كالطائفية والفساد وثقافة العنف وغيرها من أمراضنا الثقافية… أُمِرت بالسكوت! فكما يعرف بعضكم تم منع كتابي من قبل إدارة الرقابة بوزارة الإعلام الكويتية بحجة “الإساءة للقبائل” التي وجهت لمقال الصورة الكبيرة بالذات، ولغيرها من الأسباب التي لم يفصح عنها إلى الآن، ولكم أن تقرأوا المقال وتحكموا إن كان فيه أي إساة… أم أنه يقدم علاجا للإساءات! الحقيقة هي أن الرقيب – وما يمثله هذا الرقيب – اختار أن يدس رأسه بالتراب عوضا عن مجابهة المشاكل.

A photo posted by Moayad H (@moayadcom) on

 

إحنا ما عندنا هالسوالف… إحنا بخير… إحنا أحسن من غيرنا…”…
إنت قاعد تثير الفتن… إنت قاعد تشوه صورة الكويت… إنت تسيء لمجتمعنا!

تلك هي الجمل التي يجابه بها كل من يحاول أن يكشف على عقلنا المريض، يُطرد الطبيب… يقيد… يكمم… ويترك المرض ليستشري، لأنه عيب ننكشف… واخزياه! فعوضا عن تشخيص المرض وعلاجه يتم وخز المريض بإبر المورفين المخدرة… لأن ذلك أريح له ولنا، ونحن شعوب تعشق الراحة ومغرمة بالبحث عن الأسهل. إبر المورفين تأتي بعدة أشكال، على شكل شعارات أحيانا، أو أغان، أو خطب أو مواعظ دينية. تجد روشتة المورفين موصوفة بدقة بمقال الصورة الكبيرة، وتراها حية وتسمعها وتقرأها يوميا بالقنوات الإعلامية المحلية… خاصة الرسمية منها. وهل هناك أجمل من ذلك المورفين الثقافي لمن يبغي العيش في وهم الأمان؟

اسمحولي على التشبيه الدامي التالي…

طريقة تعاطي مسؤولينا – ومن يتبعهم ويتأثر بهم – مع ما يحدث لوطننا يذكرني بهذا المشهد من فلم Saving Private Rayan، نرى في هذا المشهد الدرامي طبيب السرية وقد أصيب بطلق ناري في كبده، ومن حوله زملاؤه الحائرون عاجزون عن مساعدته 🔞:

(المشهد قد لا يصلح لأصحاب القلوب الضعيفة… ولا للجبناء الهاربين من مواجهة الواقع!)

 

لا أدعو هنا لليأس والاستسلام! بل بالعكس… أدعو لمجابهة المرض وعلاج الجرح… وإعادة حقن المورفين إلى مخازنها! أدعو للصحوة من الأوهام، لكشف الحقائق، لإعطاء الطبيب فرصة للعلاج… الطبيب الحقيقي المتخصص وليس الدجال والمشعوذ… أو الملّا! بل وأطلب أن يعطى ذلك الطبيب الحرية والأمان ليمارس تطبيبه… فلا يمكن للطبيب أن يعالج والقيود تكبل يديه والسيف مسلط على رقبته! وأطلب أن يترك المريض الحياء عنه وينكشف… ليس هذا وقت “الكسوف“! … ثم يبدأ العلاج.

ثقافة الشطارة

ثقافة الشطارة

حارة الإمان

سؤال يردده الكثيرون… لماذا لا نحترم القانون والنظام في بلادنا؟ لماذا في “الغرب” تحترم تلك النظم والقوانين ولدينا لا؟ هل هي نزعة “شر” مزروعة بداخلنا؟ هل ذلك يرجع لكوننا شعوبا “متخلفة” لم تصل للتقدم الحضاري الذي وصل له الآخرون؟ أم أن الآخرون أشد حزما بتطبيق القانون وفرضه على شعوبهم؟من خلال ملاحظتي وتفكري الطويل بمجتمعنا وسلوكياته لا أظن إطلاقا بأن عدم احترامنا للنظم والقوانين يرجع لكوننا أشرارا أو سيئين أو منحرفين، وهو أيضا أمر ليس له علاقة بالوازع الديني لدينا كما قد يعتقد البعض، فالتدين موجود ومنتشر ونرى دلائله في كل مكان حولنا، وحتى التناقض بين التدين وانحراف السلوك لا يمثل دليلا على نفاق بداخلنا، كما أنه لا داع لذكر أن بعض الشعوب التي لا تعترف بالدين أساسا لديهم التزام بالقانون أكثر منا، فباعتقادي ومن خلال ملاحظتي أرى بأن عدم احترام النظام والقوانين لدينا ليس مرتبطا بالدين قدر ارتباطه بخلل ثقافي متفش لدينا.ذلك الخلل الثقافي لا ينتشر لدينا ككويتيين أو عرب فقط، بل منتشر في العديد من الدول التي كانت أو مازالت مغلوبة على أمرها ولم تطلها يد النهضة، ذلك الخلل الثقافي المسبب للاستهتار بالنظم والقوانين يرجع لانتشار ما أطلقت عليه اسم ثقافة الشطارة، فما هي هذه الثقافة؟

(more…)

إحصاء التجمعات البشرية بالطرق العلمية

إحصاء التجمعات البشرية بالطرق العلمية

تقدير عدد الحشود والتجمعات البشرية هو علم معقد يعتمد على أجهزة مراقبة حديثة وعمليات حسابية معقدة للحصول على أرقام تقارب الأعداد الحقيقية المحصاة، في العديد من الدول المتقدمة هناك مؤسسات متخصصة في عملية تقدير الحشود تستعين بها وسائل الإعلام والأجهزة الأمنية ومنظمي الحفلات والمناسبات وغيرهم، تستخدم تلك المؤسسات لأداء وظيفتها أدوات مثل التصوير الجوي وصور الأقمار الصناعية وأجهزة التصوير الحراري وغيرها، لكن حتى دون جميع هذه الأدوات هناك نظريات إحصائية يمكننا استخدامها لتقدير عدد الحشود بشكل إن لم يكن دقيقا فمنطقي.

معضلتنا الدائمة في الكويت – والدول العربية عامة – هي حرب التصريحات بعد كل تجمع والتي تدور حول عدد الحضور، فبينما تقديرات منظمي التجمعات السياسية بالذات ومن يؤيدهم تصل إلى مئات الآلاف نجد تقديرات الحكومة تصفهم ببضع مئات! ووسائل الإعلام من ناحية أخرى تقدرهم بعد أن تلعب لعبة “حذره بذره“!

باستخدام إحدى النظريات الإحصائية التي وضعها الدكتور هربرت جاكوبز يمكننا ببساطة وباستخدام أدوات مثل خرائط جوجل أن نقدر عدد الحشود عن طريق حساب مساحة التجمع، بالإضافة للمساحة فإن هذه الطريقة تتطلب تقدير كثافة المتواجدين في التجمع ومن ثم تقسيم المساحة على الكثافة للحصول على عدد الأفراد المتجمعين، بما أن الحشود عادة لا تكون موزعة علي المساحة بشكل متساو فإن الطريقة الأدق هي بتقسيم التجمع إلى مساحات أصغر كل حسب كثافة المتواجدين فيها ومن ثم تقدير الحضور في كل مجموعة وجمعهم للحصول على العدد الكلي، الرسم التالي يوضح عملية التقسيم تلك.

كثافة التواجد عبارة عن عدد تقديري، فالمناطق ذات الكثافة البسيطة تحوي فرد واحد لكل ١٠ أقدام مربعة، مناطق الكثافة العالية تحوي فردا لكل ٤ ونصف قدما مربعا، أما في حالة التصاق الحشود ببعضها فإن الكثافة هي فرد لكل ٢ ونصف قدم مربع.

تجمع الأبراج

كما ذكرت عند الحديث عن مشاهداتي في مسيرة كرامة وطن في مقالي السابق قدرت المشاركين بالمسيرة بأنه لا يمكن أن يتجاوز عددهم ٥٨ ألف شخص، للحصول على هذا العدد احتجت لتقدير مساحة التجمع أولا، للحصول على مساحة التجمع استخدمت أداة لحساب المساحة باستخدام خرائط جوجل لأحصل على المساحة المذكورة بهذا الرسم:

لا تتوفر صورة جوية واضحة للتجمع للأسف، لكني كنت متواجدا على الأرض وأعلم جيدا المساحة التي توقفت عندها المسيرة واجتمع بها الحشدان وهي المظللة بالصورة أعلاه، حد التجمع من الشرق إشارة تقاطع شارع الخليج مع شارع السور ومن الغرب حاجز القوات الخاصة، يلاحظ هنا أن التواجد بالقرب من حاجز القوات الخاصة أكبر لأن المسيرة توقفت عندها عن الحركة.. بينما عدد المتواجدين بالخلف كان أقل.

لم أستطع حساب التواجد على شكل مساحات أصغر بكثافات مختلفة كما بالطريقة العلمية، لكني اعتبرت أن الكثافة واحدة وموزعة على مساحة التجمع الرئيسية ككل، تجاهلت من ناحية أخرى المساحات التي احتوت على أعداد ضئيلة من الناس كالمطاعم أو المساحات المحتوية على الأشجار، أي أني بالنهاية قدرت أن الحشد عبارة عن كتلة كبيرة واحدة ذات كثافة عالية، يعني حاولت الموازنة بين المبالغة بتقدير كثافة الحشد مقابل تجاهل مساحاته ذات الكثافة الأقل، يمكن القول كذلك أن المساحة التي حددتها ستحتوي التجمع ككل لو اجتمع جميع حضور المسيرة ككتلة واحدة.. وربما تزيد قليلا.

نسبة الخطأ في حالة الحسبة العلمية التي ذكرتها بالأعلى هي ١٠٪ .. في حسبتي سأعتبرها ١٥٪.

الآن، لنحسب مرة أخرى:

مساحة التجمع = ٢٦٢٣١٣ قدم مربع
معدل الكثافة (العالية) = فرد واحد لكل ٤ ونصف قدم مربع

عدد الحضور = ٢٦٢٣١٣ / ٤.٥ = ٥٨٢٩٢ فردا

إن طبقنا نسبة الخطأ نستطيع القول بأن تقدير التجمع عند الأبراج الذي تواجد للمشاركة في مسيرة كرامة وطن هو ما بين ٤٩ ألف إلى ٧٦ ألف شخص، قد يكون أقل من ذلك ولكن مستحيل أن يكون أكثر.

ساحة الإرادة

من التساؤلات المطروحة دائما هي عدد الحضور في ما يسمى بساحة الإرادة لكونها إحدى نقاط التجمع المعروفة بالكويت، عند استخدام نفس الطريقة المذكورة أعلاه يمكننا أن نضع تقديرا للقدرة الاستيعابية لساحة الإرادة، والقدرة الاستيعابية تعني الحد الأقصى من التجمع الذي يمكن للمساحة أن تحويه، وحسبة ساحة الإرادة قد تكون أسهل لأنها أقل مساحة ولأن الحضور فيها ثابث (واقف أو جالس في مكانه).

إذن العدد الأقصى لحضور ساحة الإرادة لا يمكن أن يتجاوز ٢٨ ألف فرد، قارن هذا الرقم مع الأرقام التي نسمعها عادة من منظمي التجمعات ومؤيديهم! قد يقول قائل بأن الحضور قد يكون متواجدا على مساحة أكبر من المبينة على الخريطة، وكما في حالة تجمع الأبراج فإن من سيتواجد خارج المنطقة المحددة يمكنتجاهلهم لأن التواجد الخفيف في منطقة مواقف السيارات مثلا أو خلف الساحة يمكن تجاهله لأننا اعتبرنا المنطقة الوسطى منطقة كثافة عالية، وعلى كل حال إن حصل في المستقبل أن فاض عدد الحضور عن المساحة المقدرة أو نقص فيمكن اعتبار هذا التقدير كمرجع منطقي لنسبة الزيادة أو النقص.

انتبه لزاوية التصوير!

لماذا نشعر بأن العدد أكبر من ذلك؟

هناك عوامل نفسية واجتماعية عديدة تجعنا نشعر بأن عدد الحضور أكبر بكثير من ما هو عليه بالواقع، وجودك وسط الحشد.. خاصة إن صاحبه أصوات عالية وهتافات جماعية.. يملأ نفسك بنوع من الرهبة مما يحدك لإعطاء الجمع تقديرا أكبر مما هو عليه، وهذه مسألة يسأل عنها أهل الاختصاص لمن أراد الاستزادة.

إن لم تكن موجودا مع الحشد ولكن شاهدته في صورة أو فيديو فإن زاوية التصوير هنا تلعب دورا هاما في تقديرك للعدد، التصوير الجوي يعطينا تقديرا أفضل للعدد كما ذكرت أعلاه لأنه يمكن أن يظهر لنا التجمع ككل مع ما يحويه من فراغات ومساحات محيطة به، لكن التصوير عن قرب يمكن أن يخدعنا حسب زاوية الصورة وتأطيرها، فيمكنني كمصور أن أصور عشرين شخصا بزواية مناسبة وتأطير ضيق فيبدو للمشاهد وكأن العدد ضخم (وهذه الطريقة نستخدمها أحينا لتصوير جمهور الندوات علشان يعني شوفوا يوونا ناس وايد :grin: ) ، ويمكنني أن أصور مئة شخص من بعيد أمامهم شارع فارغ وبينهم مسافات ليبدوا التجمع ضئيلا، الأمر بالنهاية نفسي ويعتمد على شطارة (أو خباثة) المصور والمحرر الذي يختار الصور ليرفقها بالخبر (أو التويت).

مسيرة كرامة وطن من زاوية أخرى، أين عشرات الألوف؟

مسيرة كرامة وطن من زاوية أخرى، أين عشرات الألوف؟

هناك طبعا الأسباب السياسية التي تضخم الأعداد أو تستخف بها، من يستفيد من مضاعفة الرقم لن يتردد في ذلك ومن يستفيد من تقليله سيفعل، وبالإضافة لعدم استخدام الطرق العلمية لتقدير عدد التجمع وتفاوتها لدى وسائل الإعلام نجد من ينقل هذه الأرقام يستخدم الأرقام المعلنة الأقرب لقلبه من أجل نشرها، فإن كان مؤيدا للمسيرة مثلا فسيبحث عن الجريدة أو الوكالة التي قدرت العدد أكبر تقدير ليستشهد بكلامها… والعكس صحيح.

ما يهمنا الآن هو أن تستخدم عقلك ولا تصدق أي رقم من أي تصريح أو خبر تسمعه، لا أقول بأنه عليك بعد كل تجمع أن تفتح خرائط جوجل وتحسب المساحة والكثافة! ولكن يكفي أن تتعلم أن لا تثق بـ”حيالله” رقم تسمعه… خاصة من منظمي التجمعات أو من الإعلام الحكومي!

بل لا تعتمد حتى على حسبتي وأرقامي التي أوردتها في تدوينتي هذه!! نريد جمهورا واعيا مفكرا ناقدا يستخدم عقله وتقديره ومنطقه في نقد كل ما يسمع أو يقرأ أو ينقل له، لا نريد جمهور يقتات على “الرتويت” و “البرودكاست” دون تحقق أو تفكر، لا تعتمد حتى على أستاذنا الدكتور طارق السويدان! (وأنا هنا لا أخشى ذكره بالإسم لأني ما زلت أعز هذا الإنسان الذي التقيت به وتعرفت على شخصيته عن قرب) فقد يكون الدكتور طارق نقل الرقم من مصدر خاطئ ولم يكلف نفسه التحقق منه (لكن الرقم بالتأكيد أعجبه :) ) والأدهى أن ينقل كلامه من بعد ذلك أكثر من ١٧٥٠ شخص أيضا دون تحقق واعتمادا على “شخصية” الدكتور، الأدهى والأمر من ذلك هو أن الحصول على معلومة غير منطقية كهذه من شخص كالدكتور طارق تجعلنا نشك حتى ببقية المعلومات التاريخية التي طالما أتحفنا بها بكتبه وتسجيلاته! لذلك أتمنى أن يتراجع الدكتور طارق عن تصريحه هذا حتى تطمئن قلوبنا على ما وصلنا منه لحد الآن، وأتمنى أن تصل له كلماتي هذه التي لم أذكرها للإساءة لذاته التي أكن لها التقدير والاحترام، ولكني أذكرها لتبيان وجهة نظر مفادها تقديم العقل على الأشخاص والمنطق على العواطف في كافة أمور حياتنا الدنيوية.