هل نحن (أو هؤلاء) “كفو” ديموقراطية؟ سؤال يطرحه البعض عندما يشاهد همجية أو تعسف أو سلبية.. خاصة هذه الأيام، والجواب هو نعم، فليس هنالك شعب لا يستحق الديموقراطية بمعناها الشامل، فالديموقراطية ليست مجرد صندوق اقتراع بل هي صون لحرية الإنسان وتكريس عملي لمبدأ المساواة بين البشر.

آلية الديموقراطية وتفاصيل تطبيقها هي أمر بغاية الخصوصية، فالديموقراطية ليست “ون سايز” أو “يونيسكس” لتناسب جميع الأعمار والأحجام والأجناس، المحاولة العشوائية لفرض نظام ديموقراطي غير مناسب على شعب غير مستعد له أتى بنتائج كارثية على شعوب حولنا.. والتاريخ شاهد، وجميع الديموقراطيات “العريقة” الموجودة اليوم لم تفرض على شعوبها ولم يلبسها الناس جاهزة بعد شرائها من سوق الأنظمة، فلكل شعب خصوصيته التي تحتمها تركيبته السكانية والثقافة السائدة فيه، كلمة “الخصوصية” قد لا تعجب البعض! فالافتتان بهذه الحركة الديموقراطية أو الثورية أو تلك تغري البعض وترفع مستوى الطموح لديهم من أجل الحصول على ما لا يملكون، لكن تجاهل خصوصية شعب مثل شعبنا ومن ثم مقارنته مع غيره من الشعوب تحت لواء شعارات مثل الحرية أو الكرامة أو العدالة دون تحديد هدف واضح وخطة عمل أمر بغاية الخطورة!

لا أحد يكره الشعارات البراقة، فتلك الشعارات رؤى لا بأس من طموح الوصول إليها.. ولكن عبر الطريق السليم وإن كان طويلا، حراكنا السياسي المسيطر على بعض شبابنا اليوم متأثر من وجهة نظري بالثقافة الاستهلاكية المسيطرة على حياته، فكما يتسوق الشاب عبر الإنترنت ويشاهد أخر صرعات التكنولوجيا أو الموضة و”بشخطة” فيزا واحدة يحصل عليها من هذا السوق أو ذاك.. نراه اليوم يشاهد الثورات ويستمتع بالحريات “أون لاين” ومن ثم يأمل أن يحصل عليها بشخطة الفيزا لتصله إلى عتبة بيته عبر الآرامكس! الشاب لدينا ليس له “خلق” أن يصبر ويجاهد نفسه ويسير على درب الإصلاح الطويل، فهو يرى أنه من الأسرع والأسهل أن ينتفض ليصرخ ويزأر في وجه الفساد.. عله يخاف.. ويرحل! سواء كان هذا الصراخ والزئير في الشارع أوحتى… أون لاين، يعتقد الشاب أنه بصراخه ومطالباته وتحركاته الاجتماعية أو الميدانية يسلك درب النضال الشاق الطويل كما سارت عليه شعوب العالم الحرة، لكن ذلك الدرب في الحقيقة أسهل الدروب لمن يتفكر ويعي الصورة الكبيرة.

ليس هناك أسهل من الصراخ في الشارع ولا أسهل من تأجيج الاعتصامات وتسيير المسيرات ومجابهة الجند والعسكر، هل حقا تعتقد أخي الشاب بأن تلقي “لزخة” من هراوة شرطي أمر خطير؟ ملايين البشر حول العالم تلقوا ضربات من هراوات الشرطة حول العالم على مر التاريخ وقصفوا بالغازات واعتقلوا وحبسوا بالزنازين، فهل حقق لهم ذلك حلما في عيشة حرة هنية؟ إن كان جوابك نعم فأنت واهم! الشعوب “التعبانة” ظلت تعبانة بغض النظر عن كمية ما تعرضت له من هراوات، أنظر إلى خارطة العالم وركز فيها على النسبة والتناسب بين عدد الهراوات وبين منجزات الشعوب الحضارية وستجد أن العلاقة بينهما عكسية، الشعوب الثائرة لأجل الثورة هي أتعس الشعوب لأنها اختارت أن تسلك التعاسة منهجا وطريقا، بينما الشعوب التي هجرت المواجهات وآثرت “مجابل شغلها” هي التي تنعم اليوم بالحرية ورغد العيش ونعيمه، كلامي ليس شاعريا ولا معسولا ولا أقصد منه أن يكون كذلك، لكنها الحقيقة التي تعلمناها من دراستنا للتاريخ.

نعم شعبنا “كفو” ديموقراطية، لكني أستغرب من من مازال يبحث عن هذه الديموقراطية وهي بين يديه ومن حوله، يعيشها ويتنفسها يوميا! لديك دستور وبرلمان وفصل سلطات وصحافة حرة، أليست تلك أسس الديموقراطية المطلوبة؟ هل تعلم أن شعوب الهراوات كان جل نضالها من أجل الحصول على هذه الأسس دون جدوى؟ وطبعا دون جدوى لأن الأسلوب خاطئ من الأساس.. أما من سار منهم على الدرب الصحيح فقد وصل.

نعم تلك الأسس الراسية لدينا بها قصور ونقص، لكن أدوات إصلاحها موجودة، أما من يتكاسل عن استخدام أدوات الإصلاح التي بين يديه فإنه ببساطة قد تنازل عن حقه، والمتنازل عن حقه عيب عليه أن يرجع ليطلب احتراما أو كرامة، من يتهاون عن إصلاح قانون فاشل أو ظالم ثم يتباكى عندما يطبق عليه أو لا يكفي لإدانة غيره ماذا يمكن أن نسميه؟ كم من قصص الأطفال التي قرأناها بالصغر تحدثت عن أن مصير الكسلان أو البليد دائما ينقضي بالندم والحسرة، ولكن هل تعلمنا منها؟

لو كانت مشاكلنا مجرد “سياسة” فإنه والله ليس هناك ما هو أبسط من إصلاحها، فالقانون يعدل بقانون والحياة سهلة، لكن المسألة ليست سياسة.. بل هي ثقافة! كتبتها حتى مللت نفسي… ليست سياسة بل ثقافة! ليست سياسة بل ثقافة!!

حتى لو تحولت الكويت اليوم لجمهورية (أو إمارة دستورية) “غصبا” ووضع لها أحدث نظام تصويت ووزعت دوائرها أعدل توزيع وأشرفت على انتخاباتها أتقى هيئة.. فإنها ستكون أسوأ جمهورية! هل لأننا مو “كفو” جمهورية؟

لأ

لكن لأن “مخ” الشعب لم يتغير لكي يوائم ذلك التغيير الانتخابي، إن كان تغيير نظام سياسي كامل لن يكون له تأثير بهذا المخ فما بالك بتغيير دائرة أو لجنة انتخابية أو خانة في ورقة الانتخاب؟

تأكد أنه عندما نضحي مستعدين للجمهورية – بعد عمر طويل – أو لهذا النظام الانتخابي “الكامل” أو ذاك فإن هذه التغييرات ستأتينا ركضا، فلم الإستعجال؟ أليس الأجدر إذن أن نركز على ما هو أهم من هذه التفاهات؟

ما نحتاجه حاليا وبشدة هو تغيير ثقافتنا لا سياستنا، كل ما نحتاجه من الساسة هو عملية “تنظيف” للقوانين المعيوبة.. والكثير من الحريات.

أعطوا الشعب الحريات وسيتولى هو أمر كرامته بنفسه، فالحرية هي أكسير الحياة للثقافة الميتة، والثقافة هي اليد التي تبني الحضارة، الشعب الحر والمثقف لن يحتاج لأن يخرب أو يكسر القانون، فاليد التي تحمل الكتاب لن تحمل “عجرة” واليد التي تحمل ريشة لن تحمل “مرضية” مزورة، تأكد بأن “الحكومة” وإن وفرت لنا الكتاب فإنها لن تضعه بأيدينا ولن تقرأه عند رؤوسنا قبل النوم، نحن من سيضعه بيد أبنائنا ونحن من سيشتريه لهم.. إن سُمح لنا!

لسنا بحاجة لنواب ولا حتى لشباب يقودون ثورة (أو تحرك الإصلاح.. سمها ما شئت)، فالثورة عملية تدميرية لا بأس أن يلجأ لها من ليس لديه ما يخسره، الثورة تهد بنيانا باليا قائما لتبني مكانه ما تريد أن تبني، أما نحن فقد سرنا على درب العمار طويلا و”حسافة” أن نمحوا الدرب الذي خططناه، وتاريخنا الحضاري رغم قصره على ذلك شاهد.

دع عنك يا أخي الشاب حماس المتحمسين من حولك ودع عنك تخاريف عواجيز السياسية وديناصوراتها، فكر الثورة والفوضي ومواجهة الهراوات لو كان ينفع لكان نفع من قبلنا ومن هم حولنا، ضع في بالك أنه إن كانت الدول من حولنا لتوها دخلت موسم “الربيع” فإننا الآن ندخل “الخريف”.. موسم الحصاد، والحصاد عمل شاق ويحتاج إلى جهد كبير حتى لا يضيع تعب الشهور الطويلة، لنركز الآن على حصاد السنين التي مضت ولنستمتع بشهي الثمر، ولندع أحلام الربيع القادم لوقتها، فإننا لن نسبق الأيام بالأحلام.

————-

ملاحظة:

– أنصح بقراءة مقال فخامة رئيس جمهورية الكويت الديموقراطية والذي كنت قد كتبته قبل ٦ سنوات.. ورغم ذلك لا أعتبره من المواضيع الأرشيفية لأنه ما زال يمثل واقعا يتأكد لنا كل يوم.