أرشيف الوسم: culture

ثقافة الزومبي

أبسط جواب يأتيك عند سؤالك عن ما هو الزومبي هو أنهم “الأموات الأحياء”، ولكن هل تعلم ما هو تاريخ الزومبي الحديث وما هي الثقافة المتفرعة عنهم؟ وما هي علاقتهم بنا نحن “الأحياء الأحياء”؟

تحذير: هذا الموضوع قد لا يناسب أصحاب القلوب الضعيفة!

متابعة قراءة ثقافة الزومبي

من فنون الأزمات: تحت النار

تحت النار

لا أستطيع أن أتقبل الفكرة الشائعة بأن الأزمات هي عدوة التنمية والتقدم والتطور البشري، الكثير من الشعوب تستخدم (اًو يستخدم لها) عذر مرورها بأزمات اقتصادية أو سياسية أو حتى إنسانية كشماعة لتبرير ما تعانيه من تخلف اجتماعي أو ثقافي أو علمي، أوردت في مقال الصورة الكبيرة مثال شماعة الغزو التي كنا في الكويت في فترة التسعينات نستخدمها كمبرر لجميع مشاكلنا من مبانينا المتهالكة حتى ارتفاع نسبة الطلاق وانتشار “العادات الغربية”، وهذه الشماعات نراها مستغلة في العديد من مناطق العالم المتأخر حضاريا (أكره استخدام هذا المصطلح ولكني الجأ له هنا لأسباب يطول شرحها)، الدول العربية مثلا ظلت تلوم الحروب والاستعمار والتأثير الصهيوني وتسلط الحكام الديكتاتوري وتعتبر هذه العوامل من أهم أسباب تخلفها الحضاري، كذلك الأمر في الدول الأفريقية والكثير من الدول الآسيوية بشكل أو بآخر، هذه الأزمات والمشاكل بالتأكيد أثرت بشكل جدي على حياة هذه الشعوب لأنها تمس اقتصادها واستقرارها السياسي وحتى أمنها، ولكن هل هناك علاقة مباشرة بين شل هذه الأزمات “لماديات” البلد وبين شلها “لعقول” شعبه؟

الحربين العالميتين ونسبية الحاجة

الحربين العالميتين هزتا أوربا وشلتا اقتصاد دولها.. بل واقتصاد العالم أجمع (بما في ذلك الكويت)، طاقات الدول استزفت في سبيل المجهود الحربي ولم يتبق للناس من الأموال الا ما يسد الرمق، هناك تقليد في بريطانيا وقت الكريسميس بأن توضع للأطفال في جورب الهدايا “برتقالة”، أصل ذلك التقليد – كما تذكر بعض الروايات – يرجع لأيام الحرب العالمية الثانية حيث كان الآباء لا يملكون المال لشراء الهدايا الثمينة لإسعاد أطفالهم بالمناسبة فيلجأون لتقديم برتقالة كبديل لذلك! أثناء هذه الفترة العصيبة من حياة البشرية لم يكن هناك مجال للترف ورغد العيش، حتى التجار وملاك المصانع والمزارع كانت تمارس عليهم الضغوط من قبل الحكومات للمشاركة بالمجهود الحربي، لكن هل معنى تعطل الترف أن التنمية الحضارية أيضا توقفت؟ هل انتظرت البشرية الحرب لتنتهي قبل أن تمارس الإبداع والابتكار؟

من الكليشيهات المتداولة هي مقولة أن الحاجة أم الاختراع، وذلك ليس دائما صحيح حرفيا برأيي، فالحاجة بالنهاية أمر نسبي كما سأوضح لاحقا، العلوم مثلا خلال فترة الحربين العالميتين تطورت بشكل خاص لخدمة الحرب في مجالات الطيران والمواصلات والاتصالات والملاحة الحرية والطب بالإضافة لصناعة الأسلحة التقليدية وغير التقليدية، كما تم تطوير المصانع وخطوط الإنتاج لتواكب الطلب الكبير على المنتجات الحربية، هذا التطور العلمي والتكنولوجي بالطبع لم تقتصر فائدته على الحروب فقط، فبعد انتهاء الحرب تمت إعادة تأهيل هذه الصناعات والتكنولوجيات لصالح الخدمة المدنية للبشرية، الكثير من المصانع التي كانت تصنع الدبابات والطائرات الحربية أثناء الحربين تصنع اليوم أرفه السيارات وأحدث الطائرات المدنية، أضف لذلك الأدوية والعلوم الطبية التي طورت لعلاج الجنود ووقايتهم من الأمراض وآثار الحروب الكيماوية والبيولوجية التي إما إنها مازالت تستخدم إلى الآن أو كونت نواة للعلوم المستخدمة ليومنا هذا، هل هذه العلوم والتكنولوجيا الحربية حاجة أم ترف؟ برأيي أنها تجمع الإثنين معا، قد ينظر لها على أنها حاجة من أجل تحقيق غاية حفظ الأرواح والإنتصار بالحرب، ولكن حتى بدون تطوير هذه العلوم فإن الحرب ما كانت لتقف، كان بالإمكان الإستمرار بحروب السيوف والبنادق البدائية – كما كانت حالتنا كعرب ومسلمين في تلك الفترة – دون وجود “حاجة” للتطوير، إذن الحقيقة التاريخية تبين لنا أنه كان هناك اختيار وقرار لتطوير الذات، البعض آثروا أن يستمروا بالتطور والإبداع رغم ظروفهم الصعبة وآخرين لم يفعلوا ذلك رغم تشابه الجميع من ناحية “الظروف”، فريق اعتبر العلوم “حاجة” تمخضت عن اختراعات ساهمت في نصرته العسكرية، وفريق ربما اعتبر حاجاته عبارة عن أموال وأراض ومحظيات أو اعتبرها عقائد وأخلاقيات وقيم تمخضت عن قصص وأمجاد وتضحيات، كلا الفريقين ركزا على حاجاتهما ففازا بها… فهنيئا لكل فريق بما فاز.

لو كان التطور مقتصرا على العلوم والتكنولوجيا الحربية لكان الأمر منطقيا وأبسط تفسيرا، لكن التنمية الحضارية التي أريد التركيز عليها في سلسلة مقالاتي هذه لا تقتصر على ذلك، هل توقف تطور العلوم الإنسانية أثناء الحرب في أوربا؟ ماذا عن الأدب؟ ماذا عن الفن؟ سأخصص لفن وفناني الحروب مقالا منفصلا، لكني سأركز الآن على تطور “الفكر” الفني كأحد مجالات الفكر الإنساني خلال وبعد فترة الحربين العالميتين.

النسيج

يجب الأخذ بعين الإعتبار بأن الفكر الإنساني لا يمكن أن يقسم على شكل فترات أو مراحل منفصلة، أي إننا عند الحديث عن الفكر الإنساني المتعلق بالحرب فإن هذا الفكر لم يهبط من السماء أثناء تلك الفترة لينقطع بعد انتهائها، بل يعني أن الحرب كانت واحدة من العوامل التي أثـّرت على مسار خيوط النسيج الفكري، ذلك النسيج مترابط ومتداخل وممتد دون انقطاع منذ بدأ التاريخ إلى أن يرث الله الأرض وما عليها، لا يمكن لخيوط هذا النسيج أن تقف.. بل إنها مستمرة بالحركة وإن تغير اتجاهها ومدى تعقدها و”تكلكعها”، الحروب والأزمات تدخل كمؤثر على مسار الفكر وتتفاعل مع مقوماته الراسخة كالتاريخ والدين والاقتصاد والتجانس الاجتماعي والتقدم العلمي وغيرها من مكونات الفكر (أو الثقافة)، فالفكر الإنساني هو خليط معقد متعدد المكونات ولا يمكن اختزاله بمؤثر واحد أو حده بزمن أو رقعة جغرافية ضيقة، ذلك الخليط “الهجين” يجعل من الفكر والثقافة “عملية” مستمرة دائمة الحركة وليس “نظاما تربويا” جامدا. تجاهل هذه الفقرة.

مؤثر الحرب

أثرت الحربين العالميتين على الفكر الفني بشكل كبير، ففي حين كان الفنانون الغربيون يجاهدون للتخلص من قيود الفنون الأوربية الكلاسيكية بجمود مواضيعها ورتابة تشكيلاتها من خلال اختراع حركات فنية جديدة ثائرة عليها (كالتأثيرية والرمزية) جاءت الحرب لتنسف فكرة الفن من أساسها! الحرب بما صاحبها من فوضى وتحطم لآمال الإنسانية كانت محفزا ساهم في تسريع وتضخيم الثورة الفنية التي كانت قد ابتدأت في نهايات القرن التاسع عشر، قد يتوقع البعض بأن أزمة شديدة كالحرب العالمية الأولى كفيلة في القضاء على أي أمل في تطور “ترف” فكري كالفن، فهاهي الناس تموت تحت نيران القصف والشعوب تشرد والمدن تدمر والقرى تحرق والأطفال تجوع… فمن هو ذلك “الفاضي” الذي تحت وطأة كل ذلك عنده مزاج لأن يرسم وينحت ويبدع؟! ومن تحت وطأة كل ذلك لديه من العقل ليس فقط لدراسة الواقع.. بل لتطويره والنهوض به؟ بالنسبة للعلوم فقد افترضنا جدلا أنها كانت حاجات ولدت اختراعات، لكن الفنون – جدلا أيضا – عقيمة لا تلد… لأنها ليست حاجة، أليس كذلك؟ لا أظن، كونها تطورت خلال الحرب (كما سأثبت لاحقا) فهذا يعني أحد أمرين: إما أن مبدأ “الحاجة أم الإختراع” مبدأ خاطئ، أو أن الفنون هي بالفعل حاجات ضرورية وليست من الكماليات! سأترك لكم اختيار أحد هاذين الافتراضين وسأنتقل إلى ضرب أمثلة على تطور الفن أثناء الحرب وبعدها.

Marcel Duchamp, Fountain, 1917
Marcel Duchamp, Fountain, 1917

دادا وما بعدها

لعل واحدة من أشد الأفكار الفنية تأثرا بالحرب كانت “الدادية”، كلمة الدادية أو الدادا ليس لها معنى، فهي فكرة تخالف المعنى أصلا وتقف ضده، هي حركة فوضوية، فكما أن الحرب بالأساس سخافة لا معنى لها جاءت هذه الفكرة وكأنها تردد قول أبي العتاهية:

إنما الدنيا على ما جبلت .. جيفة نحن عليها نصطرع

من أبرز فناني هذه الحركة وروادها هو مارسيل دوشامب ، Marcel Duchamp أحدث دوشامب ضجة عندما شارك في معرض جمعية الفنانين المستقلين عام ١٩١٧ بعمل عبارة عن مبولة (مكرم السامع)… وليته كان قد صنعها بنفسه.. بل انه اشتراها من السوق ووقعها (أو تم توقيعها له) وسلمها للجنة المعرض بعد أن أطلق على العمل اسم “نافورة”، ما قام به دوشامب يمثل انقلابا على النظرة التقليدية للفن، ففي حين كان ينظر للفنان في الغرب على انه هو المبتكر والمبدع وهو من يفرض رؤيته على الجمهور حاول دوشامب تغيير هذه النظرة ليؤكد على أهمية “الجمهور” في إدراك قيمة العمل الفنية، نافورة دوشامب مثلا لا يمكن اعتبارها عملا فنيا إلا إذا آمن المشاهد بأنها كذلك، وكلمة المشاهد هنا تشمل راعي الفن ومنظم المعارض والناقد بالإضافة إلى المشاهد العادي.

فكرة دوشامب هذه لم تقف عند هذا الحد بل استمر نقاشها ونقدها وتطورت حتى أتحفنا رولاند بارت Roland Barthes في الستينات من القرن العشرين (بعز أيام الحرب الباردة) بمقالته الشهيرة “موت المؤلف Death of the Author”، والموت هنا ليس حرفيا… بل إن ما يقصده بارت هو موت أهمية المؤلف أو مبدع العمل، يرى بارت بأن جميع العناصر المكونة للثقافة (كاللغة مثلا أو عناصر العمل الفني) عبارة عن رموز مكررة موجودة بالطبيعة ويستطيع الكل إدراكها والتعامل معها، ما يقوم به المؤلف أو الفنان هو مجرد خلط لهذه الرموز، لذلك فالمؤلف لم “يخترع” شيئا جديدا… فهو مجرد خلاط! وهذا الأمر تستنتج منه عدة أمور.

ألم تشاهد يوما عملا فنيا “سخيفا” عبارة عن شوية شخابيط يباع بمئات آلاف الدولارات؟ ألم تفكر يوما “حتى ولدي الصغير يعرف يسوي جذي!”؟ وهذا تفكير سليم.. ولدك الصغير قد يعرف أن ينتج عملا مشابها… وأنت أيضا تستطيع أن تنتج عملا أفضل منه… ولكنك لم تفعل! الأفكار موجودة ومتاحة للجميع كما ذكرنا… ولكنك – كمؤلف – لم تكن متواجدا لتقوم بذلك… لكن الفنان بو الشخابيط هو من سبقك إلى تأليف خلطة الأفكار تلك وجسدها بشكل عمل فني له قيمة تقدر بمئات آلاف الدولارات.

فكرة أخرى تستنتج من نظرية بارت هي أن معرفة الفنان نفسه وتاريخه وخلفيته الثقافية وحالته النفسية جميعها أشياء غير ضرورية، المهم هو العمل المراد دراسته وليس منتِـج هذا العمل والبيئة التي خرج منها، لذلك يجب التركيز على رموز العمل ذاتها ومحاولة إدراكها كما هي حسب فهمنا لها، هذه الفكرة تناقض الكثير من الأفكار النقدية السابقة لها مثل المونوجرافية التي تدرس سيرة المؤلف (وهي منتشرة بثقافتنا العربية بشكل كبير جدا!) أو الإجتماعية الماركسية التي تدرس تأثير الحالة الطبقية أو النفسية الفرويدية التي تدرس تأثير نفسية الفنان وعقده على أعماله… والعديد من النظريات النقدية الأخرى.

المخاض

شخصيا قد لا أتفق مع كلام بارت ولي عليه عدة مآخذ ليس هنا مجال ذكرها، ولكن ما يهمنا هنا هو مبدأ استمرارية التطور في الفكر النقدي وتأثر النقاد والفنانين ببعضهم البعض، ذلك التطور الفكري – وهو أحد أهم أسس التقدم الحضاري – كما شاهدنا وسنشاهد بمقالات قادمة لم يتوقف أو يتراجع بسبب أزمة أو حرب، الفكر والفن والأدب والنقد وحتى العلم ليسو ترفا يركن جانبا إذا ما جاع الإنسان أو خاف أو اكتأب وتحبط، بل هي حاجات ضرورية لا تنفك أن تلد الإختراع تلو الآخر، من ينشد تقدما حضاريا لا ينتظر حتى “تهدأ” الأمور ويعم السلام والاستقرار وتحل الأزمات ويفرجها الله ويزورنا المهدي أو سوبرمان… ويصحى الحبيب! بل العكس تماما… الأزمات والحروب والضوائق كانت دائما ملهمة الفنانين والأدباء والشعراء على مر العصور، من نهض وبادر وتحرك وقت الأزمات هو من مازال يذكره التاريخ، ومن رعى واهتم ونجح في تشجيع هذه الحركات هو من انتصر، أما من آثر الجلوس في مقعد الاحتياط بانتظار الفرج فلم يترك لنا أثرا نذكره به، تلك الحقيقة البسيطة هي أوضح ما يمكن أن نقرأه في التاريخ، وإن لم ننتبه لهذه الحقيقة فإننا لا نكون قد استفدنا من قراءاتنا سوى شعورنا اللحظي بنشوة الأمجاد الزائلة… والحضارة لا تبنى بنشوة.

قانون التجمعات… ببساطة

فيما يلي تلخيصا مبسطا لما يطلق عليه اسم “قانون التجمعات”، دفعتني لسرد هذا التلخيص رغبتي بأن يطلع عليه عموم الناس ليعلموا حقوقهم وواجباتهم.. وتلك من أهم الأسس الثقافية التي تؤمن للناس حياة خالية من المشاكل، أنا لم أدرس في كلية الحقوق ولست متخصصا بالقانون ولكني أنقل لكم ملخص قراءاتي في هذه المسألة.. والمجال مفتوح للنقاش.

نبذة تاريخية

ما يطلق عليه اسم “قانون التجمعات” كما هو سار اليوم عبارة عن مرسوم أميري صدر عام ١٩٧٩ خلال فترة حل مجلس الأمة (حل غير دستوري)، طبعا كان من المفترض أن يعرض هذا المرسوم على المجلس بعد انتخابه وانعقاده.. لكن لهذا الأمر لم يحدث للأسف (يمكن نسوا الشباب حزتها!)، وظلت أحكام هذا المرسوم المشين سارية حتى حكمت المحكمة الدستورية عام ٢٠٠٦ بعدم دستورية “بعض” مواد هذا المرسوم وأبطلتها، لذلك قانون التجمعات القائم اليوم إنما هو من مخلفات المرسوم شبه الملغى.

الفرق بين المرسوم القديم والجديد

دون الدخول بالتفاصيل القانونية المعقدة… المرسوم الأصلي قسم التجمعات إلى بابين:

الاجتماعات العامة

المواكب والمظاهرات والتجمعات

باختصار شديد… المواد المتعلقة بالاجتماعات العامة تم إلغاء معظمها (باستثناء المادة السابعة المتعلقة بآلية الترخيص)، أما المواد الخاصة بالمواكب والمسيرات والتجمعات (الباب الثاني) فمازالت سارية بالكامل بما في ذلك ما يتعلق بها من مواد الباب الأول.

الفرق بين الاجتماعات والتجمعات

الفرق بسيط:

الاجتماعات تكون بمكان خاص (ديوانية، بيت، مسجد، نادي (رياضي أو ثقافي)، شركة… الخ) على أن يكون الاجتماع متعلقا بنشاط المكان (يعني التجمع في النادي يكون للعب الكرة مثلا.. مو لأغراض أخرى)

التجمعات تكون بمكان عام (بالشوارع، الساحات، الأسواق… الخ) مع استثناء التجمعات المتوافقة مع عادات البلد (صلاة العيد مثلا، الأعراس، لعب كرة، تجمعات ساحة الإرادة (أعتقد)… الخ)

الاجتماعات مسموح بها دون تحفظ، أما التجمعات فهي ليست ممنوعة إطلاقا.. ولكن تحتاج إلى تصريح.

قد يتذكر البعض الإشكالية التي حدثت أثناء حادثة ديوان الحربش وطلب الشرطة من الناس إما دخول المنزل أو فض التجمع خارجه، النقطة المذكورة هنا هي أساس تلك الإشكالية.

تصريح التجمعات والمسيرات

نقطة هامة هي أن التصريح مطلوب فقط في حالة فاق عدد المشاركين بالتجمع ٢٠ شخصا، إن خرج للتجمع فردا واحدا أو عدد معدود من المتجمعين فلا حاجة للتصريح، طبعا قد يخالف التجمع الصغير قوانين أخرى كتعطيل المرور مثلا أو التسبب في إزعاج الناس أو تخريب ممتلكاتهم.. في هذه الحالة لا يجوز التجمع ليس مخالفة لقانون التجمعات بل لمخالفة الأعراف والقوانين السائدة الأخرى.

على خلاف ما هو شائع فإن الترخيص للتجمع أو المسيرة لا يطلب من وزارة الداخلية بل من المحافظ الذي سيتم التجمع ضمن دائرة اختصاصه، في حالة مرور المسيرة على أكثر من محافظة فإن التصريح يطلب من وزارة الداخلية، في حالة رفض الترخيص للمسيرة من قبل المحافظ فإنه يمكن للمنظمين رفع تظلم لوزير الداخلية (إي هيّن!).

يقدم طلب الترخيص موقعا من ثلاث إلى عشر مواطنين مقيدين بجداول الانتخاب موضحا فيه أسماؤهم ومهنهم وصفاتهم ومحل إقامة كل منهم ومكان وزمان إقامة التجمع والغرض منه وخط السير إن كان الطلب لمسيرة، كما تُعين للتجمع لجنة نظام من رئيس وعضوين على الأقل وظيفتها الحفاظ على النظام ومنع الخروج على القوانين أو الغرض من التجمع، يقدم الطلب قبل موعد التجمع بخمسة أيام على الأقل وإن لم يخطِر المحافظ المقدمين بالموافقة قبل الموعد بيومين يعتبر ذلك رفضا للترخيص، كما تمنع الدعوة إلى التجمع أو الإعلان عنه أو نشر أو إذاعة أنباء بشأنه قبل الحصول على ترخيص له.

شروط أخرى

التجمعات قبل الساعة ٨ صباحا أو بعد غروب الشمس ممنوعة.. إلا بإذن خاص من المحافظ، وبالطبع لا يجوز لأحد أن يشارك بالتجمع حاملا أي سلاح حتى لو كان مرخصا، ويشمل ذلك الأسلحة النارية أو البيضاء أو العصي أو الأدوات الصلبة أو الحادة (صخر، ليوَر، عجرة، رنج، لاندكروزر.. الخ). كما يمنع أثناء التجمع الخروج عن غرضه أو مخالفة الآداب أو إظهار الإساءة لسمعة الدولة وعروبتها أو المساس بالدول الشقيقة والصديقة أو التحريض على ارتكاب الجرائم أو الإخلال بالأمن العام.

يحق لرجال الشرطة حضور التجمع واختيار المكان الملائم لوجودهم وسيرهم، ويحق لهم تعديل خط المسيرة أو تحويله عند اللازم في حالة الاخلال بالأمن أو النظام أو تعطيل المرور، ويجوز لهم فضها في حالة الإخلال أو المخالفة أو حدوث جريمة أو مخالفة للآداب أو في حالة طلب لجنة النظام منهم ذلك.

الباب الثالث من القانون يتحدث عن العقوبات الواجبة في حالة مخالفة أي من المواد المذكورة أعلاه، ما راح أدخل بتفاصيلها لكنها تتراوح بين الحبس والغرامة للمخالفين أو لمنظمي المتجمع.

وعلى فكرة… يمنع مشاركة غير المواطنين في التجمعات والمسيرات (بما في ذلك البدون)! بتقول هاذي عنصرية… هذا هو القانون الذي ارتضيناه.

مقارنة أنجلوساكسونية

يبدو أن المقارنة بالانجليز أصبحت واحدة من عاداتي وتقاليدي الكتابية.. فسامحوني 🙂 الانجليز ليس لديهم دستور للاحتكام له في مثل هذه الحالات، ولكن لديهم قوانين عامة تنظم أمور حياتهم ولديهم قبل ذلك ثقافة قانونية اكتسبوها خلال مئات السنين من الممارسة الديموقراطية، لذلك تجد قوانينهم وتطبيقاتها متناسقة مع ما هو طبيعي ومنطقي دون عقد.

بداية، التجمعات في بريطانيا لا تحتاج لأي تصريح، أي شخص أو مجموعة أشخاص يمكنهم إمساك مايكروفون أو رفع لافتات تطالب أو تعارض هذا الأمر أو ذاك، لا يحق للشرطة أو غيرها منعهم من ذلك أو فض اجتماعهم إلا إن حدثت مخالفات جانبية كأعمال الفوضى أو التخريب أو استثارة للغير أو إن تسبب التجمع بتعطيل السير أو تعطيل مصالح الناس.

أما المسيرات فمسألة أخرى! كما هو الحال في الكويت فإن المسيرة ببريطانيا تحتاج لطلب كتابي لترخيصها يقدم لإدارة الشرطة المسؤولة قبل ٦ أيام من موعد المسيرة، يوضح بالكتاب موعد ووقت المسيرة وخط سيرها وأسماء منظميها وعناوينهم، وللشرطة كامل الحق بالرفض المسبب للمسيرة أو تقييد أو تغيير مسارها أو مكانها أو وقتها أو حتى وضع شروط خاصة بها مثل عدد المشاركين ونوعية اللافتات ووسائل التعبير التي يستخدمونها على أن يتم إخطار المنظمين بهذه الشروط كتابيا، في حالة تسبب المسيرة بخطر أو تهديد أمني خطير فإن من حق الشرطة اتخاذ كافة التدابير اللازمة لحفظ الأمن دون الحاجة للإخطار المسبق.

بما أن الانجليز يتعاملون مع روح القانون فإن التجمعات التي تتحول لمسيرات دون تخطيط مسبق لاتحتاج لتصريح.. ولكن يفضل عند حدوثها إبلاغ الشرطة بذلك بأسرع وقت ممكن من أجل توثيق الحدث وإخلاء المسؤولية، بالإضافة لذلك فإن المسيرات المتعارف عليها تقليديا لا تحتاج لتصريح مثل الجنازات أو الإحتفالات التقليدية أو المسيرات والمظاهرات المتكررة بوقت معروف، وهذا يدل على أن دور تصريح الشرطة في هذه الحالات تنظيمي أكثر من كونه رقابي، لكن في حالة الإخلال الفعلي بالقوانين فإن المتسببين بالخلل قد يتم إدانتهم سواء كانوا من المنظمين أو المشاركين.

نقطة أخرى يجب ذكرها أنه من حق الشرطة في لندن أن تعلن منع أي شكل من أشكال المسيرات في أي منطقة لمدة ثلاثة أشهر بمجرد إصدارها قرارا بالمنع، في خارج لندن يمكن للشرطة أن تطلب إصدار مثل هذا القرار من بلدية المنطقة، في هذه الحالة يمكن للبلدية أن ترفض أو توافق على الطلب ويمكن لمنظمي المسيرة الاعتراض – بالطرق القانونية – على قرار المنع إن تم.

عدالة القانون

كما ذكرت في موضوعي السابق فإن أدوات تعديل القوانين موجودة وسهلة الاستخدام مبدئيا، يعني القانون الظالم يعدل بقانون منصف إن أعاره ممثلو الشعب الأهمية اللازمة، القوانين التي على شاكلة قانون التجمعات تعتبر من عثرات الحرية التي نسعى لها وننادي بها، بالطبع فإن القانون ككل يعتبر أمرا تنظيميا هاما لمنع الفوضى والانفلات… ولكن بعض مواد هذا القانون معيبة برأيي وتحتاج لتعديل يناسب المبدأ العام للحرية والعدالة التي تسعى لها روح الدستور الذي ارتضيناه، فشروط التصريح للتجمعات مثلا أو تقييد ما يفعل أو يقال فيها ومنع غير المواطنين منها كلها أمور لا تليق بدولة تسعى لتوفير الحرية والديموقراطية الشاملة لشعبها، كما يجب أن يصاحب تعديل هذا القانون تعديل قوانين أخرى مثل قانون الصحافة ومرسوم “نبذ الكراهية” وغيرها من القوانين التي تقيد حرية التعبير، فمثل هذه القوانين عبارة عن قنابل موقوتة قابلة للانفجار في أي لحظة، فإن كنت ترى هذه القوانين توفر الحماية لك في موقف ما فإنك سرعان ما ستجدها قيدا يكبل يديك في موقف آخر.

بالختام يجب أن أذكر أن معارضتي لقانون التجمعات أو لغيره من القوانين التي أراها معيبة (في بعض موادها على الأقل) لا تعني بأي حال من الأحوال أن أتحداها أو أرفض تطبيقها! فدولتنا بالنهاية دولة قانون.. واحترامك للدولة يظهر باحترامك لتطبيق قوانينها.. وإلا لأصبح الأمر في غاية الفوضى، منطق أن هذا القانون أو ذاك لا يعجبني وسأتحداه وأرفض تطبيقه سيحول حياتنا إلى غابة وهو أمر مرفوض حتى بأشد الدول حرصا على الحرية! الأفضل من ذلك أن أعمل وفق القنوات القانونية السليمة وأمارس حقي بالضغط على نوابي بالبرلمان من أجل أن أحثهم على تعديل هذه القوانين – وغيرها – من ما أرى أنها سبب من أسباب تخلف مجتمعي وسُـبّـة توجه لي ولموطني في المحافل الدولية.

مصادر:

نص مرسوم بالقانون رقم ٦٧ لسنة ١٩٧٩ في شأن الاجتماعات العامة والتجمعات.

قرار عدم دستورية قانون التجمعات.

رأي دستوري معاصر.

من تصريحات وزارة الداخلية.

ملخص تصريح المسيرات في بريطانيا.

حقوق تنظيم المسيرات والمظاهرات في بريطانيا بالتفصيل.

مشاهداتي في مسيرات الكويت.

مشاهداتي في مسيرات بريطانيا.

مو كفو ديموقراطية !

هل نحن (أو هؤلاء) “كفو” ديموقراطية؟ سؤال يطرحه البعض عندما يشاهد همجية أو تعسف أو سلبية.. خاصة هذه الأيام، والجواب هو نعم، فليس هنالك شعب لا يستحق الديموقراطية بمعناها الشامل، فالديموقراطية ليست مجرد صندوق اقتراع بل هي صون لحرية الإنسان وتكريس عملي لمبدأ المساواة بين البشر.

آلية الديموقراطية وتفاصيل تطبيقها هي أمر بغاية الخصوصية، فالديموقراطية ليست “ون سايز” أو “يونيسكس” لتناسب جميع الأعمار والأحجام والأجناس، المحاولة العشوائية لفرض نظام ديموقراطي غير مناسب على شعب غير مستعد له أتى بنتائج كارثية على شعوب حولنا.. والتاريخ شاهد، وجميع الديموقراطيات “العريقة” الموجودة اليوم لم تفرض على شعوبها ولم يلبسها الناس جاهزة بعد شرائها من سوق الأنظمة، فلكل شعب خصوصيته التي تحتمها تركيبته السكانية والثقافة السائدة فيه، كلمة “الخصوصية” قد لا تعجب البعض! فالافتتان بهذه الحركة الديموقراطية أو الثورية أو تلك تغري البعض وترفع مستوى الطموح لديهم من أجل الحصول على ما لا يملكون، لكن تجاهل خصوصية شعب مثل شعبنا ومن ثم مقارنته مع غيره من الشعوب تحت لواء شعارات مثل الحرية أو الكرامة أو العدالة دون تحديد هدف واضح وخطة عمل أمر بغاية الخطورة!

لا أحد يكره الشعارات البراقة، فتلك الشعارات رؤى لا بأس من طموح الوصول إليها.. ولكن عبر الطريق السليم وإن كان طويلا، حراكنا السياسي المسيطر على بعض شبابنا اليوم متأثر من وجهة نظري بالثقافة الاستهلاكية المسيطرة على حياته، فكما يتسوق الشاب عبر الإنترنت ويشاهد أخر صرعات التكنولوجيا أو الموضة و”بشخطة” فيزا واحدة يحصل عليها من هذا السوق أو ذاك.. نراه اليوم يشاهد الثورات ويستمتع بالحريات “أون لاين” ومن ثم يأمل أن يحصل عليها بشخطة الفيزا لتصله إلى عتبة بيته عبر الآرامكس! الشاب لدينا ليس له “خلق” أن يصبر ويجاهد نفسه ويسير على درب الإصلاح الطويل، فهو يرى أنه من الأسرع والأسهل أن ينتفض ليصرخ ويزأر في وجه الفساد.. عله يخاف.. ويرحل! سواء كان هذا الصراخ والزئير في الشارع أوحتى… أون لاين، يعتقد الشاب أنه بصراخه ومطالباته وتحركاته الاجتماعية أو الميدانية يسلك درب النضال الشاق الطويل كما سارت عليه شعوب العالم الحرة، لكن ذلك الدرب في الحقيقة أسهل الدروب لمن يتفكر ويعي الصورة الكبيرة.

ليس هناك أسهل من الصراخ في الشارع ولا أسهل من تأجيج الاعتصامات وتسيير المسيرات ومجابهة الجند والعسكر، هل حقا تعتقد أخي الشاب بأن تلقي “لزخة” من هراوة شرطي أمر خطير؟ ملايين البشر حول العالم تلقوا ضربات من هراوات الشرطة حول العالم على مر التاريخ وقصفوا بالغازات واعتقلوا وحبسوا بالزنازين، فهل حقق لهم ذلك حلما في عيشة حرة هنية؟ إن كان جوابك نعم فأنت واهم! الشعوب “التعبانة” ظلت تعبانة بغض النظر عن كمية ما تعرضت له من هراوات، أنظر إلى خارطة العالم وركز فيها على النسبة والتناسب بين عدد الهراوات وبين منجزات الشعوب الحضارية وستجد أن العلاقة بينهما عكسية، الشعوب الثائرة لأجل الثورة هي أتعس الشعوب لأنها اختارت أن تسلك التعاسة منهجا وطريقا، بينما الشعوب التي هجرت المواجهات وآثرت “مجابل شغلها” هي التي تنعم اليوم بالحرية ورغد العيش ونعيمه، كلامي ليس شاعريا ولا معسولا ولا أقصد منه أن يكون كذلك، لكنها الحقيقة التي تعلمناها من دراستنا للتاريخ.

نعم شعبنا “كفو” ديموقراطية، لكني أستغرب من من مازال يبحث عن هذه الديموقراطية وهي بين يديه ومن حوله، يعيشها ويتنفسها يوميا! لديك دستور وبرلمان وفصل سلطات وصحافة حرة، أليست تلك أسس الديموقراطية المطلوبة؟ هل تعلم أن شعوب الهراوات كان جل نضالها من أجل الحصول على هذه الأسس دون جدوى؟ وطبعا دون جدوى لأن الأسلوب خاطئ من الأساس.. أما من سار منهم على الدرب الصحيح فقد وصل.

نعم تلك الأسس الراسية لدينا بها قصور ونقص، لكن أدوات إصلاحها موجودة، أما من يتكاسل عن استخدام أدوات الإصلاح التي بين يديه فإنه ببساطة قد تنازل عن حقه، والمتنازل عن حقه عيب عليه أن يرجع ليطلب احتراما أو كرامة، من يتهاون عن إصلاح قانون فاشل أو ظالم ثم يتباكى عندما يطبق عليه أو لا يكفي لإدانة غيره ماذا يمكن أن نسميه؟ كم من قصص الأطفال التي قرأناها بالصغر تحدثت عن أن مصير الكسلان أو البليد دائما ينقضي بالندم والحسرة، ولكن هل تعلمنا منها؟

لو كانت مشاكلنا مجرد “سياسة” فإنه والله ليس هناك ما هو أبسط من إصلاحها، فالقانون يعدل بقانون والحياة سهلة، لكن المسألة ليست سياسة.. بل هي ثقافة! كتبتها حتى مللت نفسي… ليست سياسة بل ثقافة! ليست سياسة بل ثقافة!!

حتى لو تحولت الكويت اليوم لجمهورية (أو إمارة دستورية) “غصبا” ووضع لها أحدث نظام تصويت ووزعت دوائرها أعدل توزيع وأشرفت على انتخاباتها أتقى هيئة.. فإنها ستكون أسوأ جمهورية! هل لأننا مو “كفو” جمهورية؟

لأ

لكن لأن “مخ” الشعب لم يتغير لكي يوائم ذلك التغيير الانتخابي، إن كان تغيير نظام سياسي كامل لن يكون له تأثير بهذا المخ فما بالك بتغيير دائرة أو لجنة انتخابية أو خانة في ورقة الانتخاب؟

تأكد أنه عندما نضحي مستعدين للجمهورية – بعد عمر طويل – أو لهذا النظام الانتخابي “الكامل” أو ذاك فإن هذه التغييرات ستأتينا ركضا، فلم الإستعجال؟ أليس الأجدر إذن أن نركز على ما هو أهم من هذه التفاهات؟

ما نحتاجه حاليا وبشدة هو تغيير ثقافتنا لا سياستنا، كل ما نحتاجه من الساسة هو عملية “تنظيف” للقوانين المعيوبة.. والكثير من الحريات.

أعطوا الشعب الحريات وسيتولى هو أمر كرامته بنفسه، فالحرية هي أكسير الحياة للثقافة الميتة، والثقافة هي اليد التي تبني الحضارة، الشعب الحر والمثقف لن يحتاج لأن يخرب أو يكسر القانون، فاليد التي تحمل الكتاب لن تحمل “عجرة” واليد التي تحمل ريشة لن تحمل “مرضية” مزورة، تأكد بأن “الحكومة” وإن وفرت لنا الكتاب فإنها لن تضعه بأيدينا ولن تقرأه عند رؤوسنا قبل النوم، نحن من سيضعه بيد أبنائنا ونحن من سيشتريه لهم.. إن سُمح لنا!

لسنا بحاجة لنواب ولا حتى لشباب يقودون ثورة (أو تحرك الإصلاح.. سمها ما شئت)، فالثورة عملية تدميرية لا بأس أن يلجأ لها من ليس لديه ما يخسره، الثورة تهد بنيانا باليا قائما لتبني مكانه ما تريد أن تبني، أما نحن فقد سرنا على درب العمار طويلا و”حسافة” أن نمحوا الدرب الذي خططناه، وتاريخنا الحضاري رغم قصره على ذلك شاهد.

دع عنك يا أخي الشاب حماس المتحمسين من حولك ودع عنك تخاريف عواجيز السياسية وديناصوراتها، فكر الثورة والفوضي ومواجهة الهراوات لو كان ينفع لكان نفع من قبلنا ومن هم حولنا، ضع في بالك أنه إن كانت الدول من حولنا لتوها دخلت موسم “الربيع” فإننا الآن ندخل “الخريف”.. موسم الحصاد، والحصاد عمل شاق ويحتاج إلى جهد كبير حتى لا يضيع تعب الشهور الطويلة، لنركز الآن على حصاد السنين التي مضت ولنستمتع بشهي الثمر، ولندع أحلام الربيع القادم لوقتها، فإننا لن نسبق الأيام بالأحلام.

————-

ملاحظة:

– أنصح بقراءة مقال فخامة رئيس جمهورية الكويت الديموقراطية والذي كنت قد كتبته قبل ٦ سنوات.. ورغم ذلك لا أعتبره من المواضيع الأرشيفية لأنه ما زال يمثل واقعا يتأكد لنا كل يوم.

إحصاء التجمعات البشرية بالطرق العلمية

تقدير عدد الحشود والتجمعات البشرية هو علم معقد يعتمد على أجهزة مراقبة حديثة وعمليات حسابية معقدة للحصول على أرقام تقارب الأعداد الحقيقية المحصاة، في العديد من الدول المتقدمة هناك مؤسسات متخصصة في عملية تقدير الحشود تستعين بها وسائل الإعلام والأجهزة الأمنية ومنظمي الحفلات والمناسبات وغيرهم، تستخدم تلك المؤسسات لأداء وظيفتها أدوات مثل التصوير الجوي وصور الأقمار الصناعية وأجهزة التصوير الحراري وغيرها، لكن حتى دون جميع هذه الأدوات هناك نظريات إحصائية يمكننا استخدامها لتقدير عدد الحشود بشكل إن لم يكن دقيقا فمنطقي.

معضلتنا الدائمة في الكويت – والدول العربية عامة – هي حرب التصريحات بعد كل تجمع والتي تدور حول عدد الحضور، فبينما تقديرات منظمي التجمعات السياسية بالذات ومن يؤيدهم تصل إلى مئات الآلاف نجد تقديرات الحكومة تصفهم ببضع مئات! ووسائل الإعلام من ناحية أخرى تقدرهم بعد أن تلعب لعبة “حذره بذره“!

باستخدام إحدى النظريات الإحصائية التي وضعها الدكتور هربرت جاكوبز يمكننا ببساطة وباستخدام أدوات مثل خرائط جوجل أن نقدر عدد الحشود عن طريق حساب مساحة التجمع، بالإضافة للمساحة فإن هذه الطريقة تتطلب تقدير كثافة المتواجدين في التجمع ومن ثم تقسيم المساحة على الكثافة للحصول على عدد الأفراد المتجمعين، بما أن الحشود عادة لا تكون موزعة علي المساحة بشكل متساو فإن الطريقة الأدق هي بتقسيم التجمع إلى مساحات أصغر كل حسب كثافة المتواجدين فيها ومن ثم تقدير الحضور في كل مجموعة وجمعهم للحصول على العدد الكلي، الرسم التالي يوضح عملية التقسيم تلك.

كثافة التواجد عبارة عن عدد تقديري، فالمناطق ذات الكثافة البسيطة تحوي فرد واحد لكل ١٠ أقدام مربعة، مناطق الكثافة العالية تحوي فردا لكل ٤ ونصف قدما مربعا، أما في حالة التصاق الحشود ببعضها فإن الكثافة هي فرد لكل ٢ ونصف قدم مربع.

تجمع الأبراج

كما ذكرت عند الحديث عن مشاهداتي في مسيرة كرامة وطن في مقالي السابق قدرت المشاركين بالمسيرة بأنه لا يمكن أن يتجاوز عددهم ٥٨ ألف شخص، للحصول على هذا العدد احتجت لتقدير مساحة التجمع أولا، للحصول على مساحة التجمع استخدمت أداة لحساب المساحة باستخدام خرائط جوجل لأحصل على المساحة المذكورة بهذا الرسم:

لا تتوفر صورة جوية واضحة للتجمع للأسف، لكني كنت متواجدا على الأرض وأعلم جيدا المساحة التي توقفت عندها المسيرة واجتمع بها الحشدان وهي المظللة بالصورة أعلاه، حد التجمع من الشرق إشارة تقاطع شارع الخليج مع شارع السور ومن الغرب حاجز القوات الخاصة، يلاحظ هنا أن التواجد بالقرب من حاجز القوات الخاصة أكبر لأن المسيرة توقفت عندها عن الحركة.. بينما عدد المتواجدين بالخلف كان أقل.

لم أستطع حساب التواجد على شكل مساحات أصغر بكثافات مختلفة كما بالطريقة العلمية، لكني اعتبرت أن الكثافة واحدة وموزعة على مساحة التجمع الرئيسية ككل، تجاهلت من ناحية أخرى المساحات التي احتوت على أعداد ضئيلة من الناس كالمطاعم أو المساحات المحتوية على الأشجار، أي أني بالنهاية قدرت أن الحشد عبارة عن كتلة كبيرة واحدة ذات كثافة عالية، يعني حاولت الموازنة بين المبالغة بتقدير كثافة الحشد مقابل تجاهل مساحاته ذات الكثافة الأقل، يمكن القول كذلك أن المساحة التي حددتها ستحتوي التجمع ككل لو اجتمع جميع حضور المسيرة ككتلة واحدة.. وربما تزيد قليلا.

نسبة الخطأ في حالة الحسبة العلمية التي ذكرتها بالأعلى هي ١٠٪ .. في حسبتي سأعتبرها ١٥٪.

الآن، لنحسب مرة أخرى:

مساحة التجمع = ٢٦٢٣١٣ قدم مربع
معدل الكثافة (العالية) = فرد واحد لكل ٤ ونصف قدم مربع

عدد الحضور = ٢٦٢٣١٣ / ٤.٥ = ٥٨٢٩٢ فردا

إن طبقنا نسبة الخطأ نستطيع القول بأن تقدير التجمع عند الأبراج الذي تواجد للمشاركة في مسيرة كرامة وطن هو ما بين ٤٩ ألف إلى ٧٦ ألف شخص، قد يكون أقل من ذلك ولكن مستحيل أن يكون أكثر.

ساحة الإرادة

من التساؤلات المطروحة دائما هي عدد الحضور في ما يسمى بساحة الإرادة لكونها إحدى نقاط التجمع المعروفة بالكويت، عند استخدام نفس الطريقة المذكورة أعلاه يمكننا أن نضع تقديرا للقدرة الاستيعابية لساحة الإرادة، والقدرة الاستيعابية تعني الحد الأقصى من التجمع الذي يمكن للمساحة أن تحويه، وحسبة ساحة الإرادة قد تكون أسهل لأنها أقل مساحة ولأن الحضور فيها ثابث (واقف أو جالس في مكانه).

إذن العدد الأقصى لحضور ساحة الإرادة لا يمكن أن يتجاوز ٢٨ ألف فرد، قارن هذا الرقم مع الأرقام التي نسمعها عادة من منظمي التجمعات ومؤيديهم! قد يقول قائل بأن الحضور قد يكون متواجدا على مساحة أكبر من المبينة على الخريطة، وكما في حالة تجمع الأبراج فإن من سيتواجد خارج المنطقة المحددة يمكنتجاهلهم لأن التواجد الخفيف في منطقة مواقف السيارات مثلا أو خلف الساحة يمكن تجاهله لأننا اعتبرنا المنطقة الوسطى منطقة كثافة عالية، وعلى كل حال إن حصل في المستقبل أن فاض عدد الحضور عن المساحة المقدرة أو نقص فيمكن اعتبار هذا التقدير كمرجع منطقي لنسبة الزيادة أو النقص.

انتبه لزاوية التصوير!

لماذا نشعر بأن العدد أكبر من ذلك؟

هناك عوامل نفسية واجتماعية عديدة تجعنا نشعر بأن عدد الحضور أكبر بكثير من ما هو عليه بالواقع، وجودك وسط الحشد.. خاصة إن صاحبه أصوات عالية وهتافات جماعية.. يملأ نفسك بنوع من الرهبة مما يحدك لإعطاء الجمع تقديرا أكبر مما هو عليه، وهذه مسألة يسأل عنها أهل الاختصاص لمن أراد الاستزادة.

إن لم تكن موجودا مع الحشد ولكن شاهدته في صورة أو فيديو فإن زاوية التصوير هنا تلعب دورا هاما في تقديرك للعدد، التصوير الجوي يعطينا تقديرا أفضل للعدد كما ذكرت أعلاه لأنه يمكن أن يظهر لنا التجمع ككل مع ما يحويه من فراغات ومساحات محيطة به، لكن التصوير عن قرب يمكن أن يخدعنا حسب زاوية الصورة وتأطيرها، فيمكنني كمصور أن أصور عشرين شخصا بزواية مناسبة وتأطير ضيق فيبدو للمشاهد وكأن العدد ضخم (وهذه الطريقة نستخدمها أحينا لتصوير جمهور الندوات علشان يعني شوفوا يوونا ناس وايد :grin: ) ، ويمكنني أن أصور مئة شخص من بعيد أمامهم شارع فارغ وبينهم مسافات ليبدوا التجمع ضئيلا، الأمر بالنهاية نفسي ويعتمد على شطارة (أو خباثة) المصور والمحرر الذي يختار الصور ليرفقها بالخبر (أو التويت).

مسيرة كرامة وطن من زاوية أخرى، أين عشرات الألوف؟

مسيرة كرامة وطن من زاوية أخرى، أين عشرات الألوف؟

هناك طبعا الأسباب السياسية التي تضخم الأعداد أو تستخف بها، من يستفيد من مضاعفة الرقم لن يتردد في ذلك ومن يستفيد من تقليله سيفعل، وبالإضافة لعدم استخدام الطرق العلمية لتقدير عدد التجمع وتفاوتها لدى وسائل الإعلام نجد من ينقل هذه الأرقام يستخدم الأرقام المعلنة الأقرب لقلبه من أجل نشرها، فإن كان مؤيدا للمسيرة مثلا فسيبحث عن الجريدة أو الوكالة التي قدرت العدد أكبر تقدير ليستشهد بكلامها… والعكس صحيح.

ما يهمنا الآن هو أن تستخدم عقلك ولا تصدق أي رقم من أي تصريح أو خبر تسمعه، لا أقول بأنه عليك بعد كل تجمع أن تفتح خرائط جوجل وتحسب المساحة والكثافة! ولكن يكفي أن تتعلم أن لا تثق بـ”حيالله” رقم تسمعه… خاصة من منظمي التجمعات أو من الإعلام الحكومي!

بل لا تعتمد حتى على حسبتي وأرقامي التي أوردتها في تدوينتي هذه!! نريد جمهورا واعيا مفكرا ناقدا يستخدم عقله وتقديره ومنطقه في نقد كل ما يسمع أو يقرأ أو ينقل له، لا نريد جمهور يقتات على “الرتويت” و “البرودكاست” دون تحقق أو تفكر، لا تعتمد حتى على أستاذنا الدكتور طارق السويدان! (وأنا هنا لا أخشى ذكره بالإسم لأني ما زلت أعز هذا الإنسان الذي التقيت به وتعرفت على شخصيته عن قرب) فقد يكون الدكتور طارق نقل الرقم من مصدر خاطئ ولم يكلف نفسه التحقق منه (لكن الرقم بالتأكيد أعجبه :) ) والأدهى أن ينقل كلامه من بعد ذلك أكثر من ١٧٥٠ شخص أيضا دون تحقق واعتمادا على “شخصية” الدكتور، الأدهى والأمر من ذلك هو أن الحصول على معلومة غير منطقية كهذه من شخص كالدكتور طارق تجعلنا نشك حتى ببقية المعلومات التاريخية التي طالما أتحفنا بها بكتبه وتسجيلاته! لذلك أتمنى أن يتراجع الدكتور طارق عن تصريحه هذا حتى تطمئن قلوبنا على ما وصلنا منه لحد الآن، وأتمنى أن تصل له كلماتي هذه التي لم أذكرها للإساءة لذاته التي أكن لها التقدير والاحترام، ولكني أذكرها لتبيان وجهة نظر مفادها تقديم العقل على الأشخاص والمنطق على العواطف في كافة أمور حياتنا الدنيوية.