الفنان المتفحم

الفنان المتفحم

الإنتاج الفني والثقافي يحتاج للمال! تلك حقيقة مؤلمة… لكنه واقع حالنا اليوم.

رومانسية فكرة أن الفنان هو ذلك العبقري المعقد المنزوي في مرسمه أو مكتبه مشعلا روحه من أجل أن يضيء ظلام الجماهير قد تروق للبعض… لكنها للأسف الشديد نوع من الوهم. فأن يخرج للناس فن جاد ومؤثر ويصل لجمهور كبير ويعرض بمعارض محترمة ويكتب عنه بالصحف والمجلات والمواقع المتخصصة وتتحدث عنه وسائل الإعلام التقليدية والحديثة هو أمر بغاية الصعوبة، ولا يعتمد على موهبة أو قدرات الفنان… بل يعتمد على مقدار الدعم الذي يحصل عليه.

والدعم يعني المال بشكل خاص، فكل شيء بعملية الإنتاج الفني يحتاج للمال. تكاليف الإنتاج الفني بكافة صوره كثيرة، تبدأ بعملية التعلم والتثقف عن طريق الدراسة الأكاديمية، الدورات والورش، الكتب والأفلام، زيارة المعارض والمتاحف والمهرجانات. بعد ذلك تكاليف عملية الإنتاج ذاته كالخامات، الأدوات، الأجهزة، البرامج… كبداية، ثم هناك مساحات العمل، التراخيص، أجور العاملين والمساعدين والفنيين، ناهيك عن الوقت المهدر الذي لا يقدر بمال! كل ذلك قبل أن يظهر العمل الفني للوجود. وطبعا حتى أبسط تلك التكاليف المتعلقة بأبسط أنواع الإنتاج الفني ليست سوى البداية، بعد انتهاء العمل هناك ميزانية ضخمة تنتظر التصريف من أجل أن يقدم ذلك العمل للجمهور بشكل “لائق” ويرضي الفنان الذي بذل جهده ووقته وماله وأعصابه وفكره من أجل الخروج بذلك العمل. فبعد ذلك تأتي تكاليف إخراج العمل كالطباعة، البراويز، التغليف، النقل، ومن ثم التكاليف الحاسمة المتعلقة بالتسويق، بأجرة صالات العرض، رسوم الاشتراك بالمسابقات، تكاليف السفر والنقل والبريد للمشاركات العالمية، تكلفة المطبوعات المساندة كالكاتالوجات والبوسترات، الهدايا والنسخ المجانية الواجب تقديمها من أجل التسويق… وغيرها الكثير من التكاليف المادية والمعنوية التي يتكبدها الفنان حتى يتفحم… وليس يحترق لينير الظلام!

كأني أسمعك تقول بأنه لا داع لكل تلك المصاريف، نحن اليوم في عالم الكمبيوتر والإنترنت، ضع عملك الفني على الإنستاجرام أو اليوتيوب أو المدونة وسيصل لملايين البشر! طيب وماذا بعد ذلك؟ العمل الذي أخذ مني وقتي وجهدي ومالي هل سيعوضني عنه حصوله على بضع آلاف من المشاهدات أو “اللايكات” ليغرق بعد ذلك بأيام في بحر النت العميق؟ لا أظن بأن هدف أي فنان جاد هو الحصول على لايكات المعجبين، لو كان كذلك فإن تحوله “لفاشينيستا” سيكون طريقا أسهل بكثير له.

صناعة الفنان أمر بغاية الأهمية للأمم الساعية للنهضة، وليست ترفا، وهي صناعة لا يخلو دستور من دساتير البلدان من ذكرها. هناك كلمة شائعة لدى كثير من الناس وهي أن الفنان يجب أن يعمل بصمت ولا ينتظر دعما من أحد… وذلك كلام فارغ بصراحة! الفنان من دون دعم هو فنان محبط… أهذا ما نريد؟ المزيد من المحبطين في البلد؟ ثم أن هناك ميزانيات ضخمة ترصدها الدول من أجل عملية الدعم هذه، فهل سألت نفسك أين تصرف هذه الميزانيات؟ وكيف؟ وعلى من وماذا؟

كثير من الدول لديها مؤسسات رسمية تحاول دعم الفنانين والمبدعين بل وحتى الرياضيين والعلماء، لكن واقعيا، وفي كل مكان بالعالم، تلك المؤسسات تعاني بكثير من الأحوال من أمراض انتقلت لها عدواها من المجتمع الذي تتواجد في وسطه. فتعاني من التمصلح والمحسوبية والتأثر بالعلاقات الاجتماعية الشخصية والتأثر بالتوجهات السياسية أو العقائدية أو الطائفية أو العنصرية، وذلك أمر طبيعي… ليس سليما… لكن طبيعي بسبب التركيبة الثقافية للمجتمع. علينا كذلك أن نتكلم بصراحة ونقول بأن المؤسسات الرسمية أو شبه الرسمية ستسعى بطبيعة الحال لتشجيع نوع معين من الفنون قريب في غالب الأمر من التوجهات الفكرية والسياسية… “الرسمية”، وبالتالي وضع بعض القيود على المبدع أو الفنان تجعله في حالة من عدم الراحة!

ماذا عن المؤسسات الخاصة؟ الجاليريهات والأستوديوهات ودور النشر والمطابع ومساحات العمل والمعاهد الفنية الخاصة؟ ألا تقدم المساعدة للفنانين والمبدعين؟ نعم، تقدم المساعدة… لكن ليس ببلاش! فتلك المؤسسات الخاصة، في كل مكان في العالم، تبقى مشاريع تجارية، أي أنها حتى إن لم تسعى للربح فهي ستحاول تجنب الخسارة، فوراءها إيجارات ورواتب وفواتير يجب أن تدفع آخر الشهر، بالتالي لن تقدم “المساعدة” للفنانين راجية الأجر من الله! فرغم أن تلك المؤسسات تستفيد ماديا ومعنويا من تعاونها مع الفنانين والمبدعين إلى أنها في أغلب الأحيان تحملهم كذلك مصاريف تعاونها معهم. أضف لذلك أن تلك المؤسسات الخاصة مطلوب منها أن تنظر للأمر نظرة تجارية، فمن غير المعقول أن تعامل فنان ببداية طريقه الفني كمعاملتها لفنان “كبير” له جمهوره وسوقه الذي يرجى من ورائه منفعة. طبعا هذا ناهيك عن المصالح والشخصانية والمحاباة والتحيز وغيرها من الأمراض التي قد تشترك فيها بعض هذه المؤسسات الخاصة مع المؤسسات الرسمية، لكن ذلك ليس موضوعنا في هذا المقال. يجب أن أضيف كذلك بأن تلك المؤسسات الخاصة “زين منها” استمرارها بهذا المجال ضئيل الربح في أغلب الأحيان، يعني بإمكانها بسهولة أن تتحول إلى كافيهات أو معارض لبيع الدراعات أو الأثاث وتحقق أضعاف ربحها الحالي!

في الدول “المحترمة” اعتماد الفنانين والمبدعين ليس على “الحكومة” بشكل مباشر، لأن “المركزية” في تلك الأمور فكرة سيئة! بل الاعتماد يكون على المؤسسات الأهلية. المؤسسات الأهلية هي مؤسسات غير ربحية وجدت لتخدم فكرة أو فئة معينة بشكل واضح ومنظم وشفاف. نجد مؤسسات تركز على دعم فنون وتراث الأقليات مثلا، أو دعم فن الشباب الجامعي، أو دعم الفنون في الأحياء الفقيرة، أو مؤسسات تدعم الفن المعاصر، أو تدعم أدب الطفل أو تدعم السينما التجريبية… وهكذا. طبعا يشرف على تلك المؤسسات الخبراء والمتخصصون والناس الفاهمة… وليس موظفي الحكومة! تمويل تلك المؤسسات قد يعتمد جزئيا على الدعم الحكومي، أو على دعم مؤسسات أكبر منها، لكن جزء مهم من الدعم يأتي من أفراد المجتمع ذاتهم، وذلك أمر هام جدا.

اشتراك المجتمع بدعم الفن والأدب والثقافة أمر بغاية الأهمية، فذلك الدعم يجعل الفن جزءا من ثقافة ذلك المجتمع، يشعره بأهميته، يزيد من تقديره له. والعكس كذلك صحيح، الفنان المدعوم من قبل “الناس” سيتقرب منهم، سيعبر عنهم، سيتحمل مسؤولية أفكارهم وقضاياهم واهتماماتهم… بطريقته وفكره وأسلوبه وإبداعه الخاص طبعا! وذلك، برأيي، أفضل بكثير من الفنان الأناني أو المنعزل أو المنسلخ تماما عن المجتمع، أو الفنان التابع أو المدافع عن… الحكومة!

السؤال الآن… هل نحن كشعوب مستعدون لدعم الفنانين والمبدعين والمثقفين؟

ذلك سؤال كبير جدا ولا أملك له جوابا شافيا، لكني حاولت القيام بعملية استشفاف سريع لتوجهات الناس بهذا الخصوص. عندما أقول “الناس” فأنا أعني من يتابعوني على موقع تويتر 🙂

وضعت قبل أيام قليلة استبيانا بسيطا سألت فيه الناس مدى تقبلهم لفكرة تقديم تبرعات مادية لدعم عمل فني أو ثقافي، فكانت النتائج كما يلي:

تبرع لعمل فني

بداية من الواضح أن هذا الاستبيان ليس دراسة أكاديمية معتمدة، يجب أن أذكر ذلك بوضوح لكوني أستاذ جامعي وباحث أكاديمي، لكنه قياس بسيط لتوجه من يتابعوني أو يتابعون متابعيني على تويتر، وهم فئة بسيطة جدا من فئات المجتمع.

الآن، كيف نقرأ تلك النتائج؟

نلاحظ أولا أن ١٨٪ فقط من المشاركين لديهم استعداد تام وغير مشروط لتقديم الدعم لأي عمل فني أو ثقافي، يمكن القول أن هؤلاء هم المؤمنون بأهمية الفن والثقافة كفكرة مجردة بغض النظر عن أهداف ذلك الفن أو شكله.

١٦٪ لا يفكرون بدعم المشاريع الثقافية لاعتقادهم بوجود أشياء أهم تستحق الدعم، أي أنهم غير مؤمنين بأن الفن أو الثقافة ذوات أهمية كبرى مقارنة بمساعدة المحتاجين أو المساكين أو اللاجئين وغيرهم. ١٠٪ لديهم نوع من الاهتمام بالدعم، لكنهم لا يستطيعون المساعدة بسبب ظروفهم الخاصة. من ذلك يمكننا القول أن ٢٦٪ من الشاركين لن يقدموا دعما لعمل فني أو ثقافي لو طلب منهم ذلك.

الآن، النسبة الأكبر والأهم، ٥٦٪، أكثر من نصف المشاركين، يربطون بين دعمهم للعمل الفني أو الثقافي وبين كون ذلك العمل “هادفا”. أثار هذا الخيار تسؤلات عدة، فكيف نعرّف ما هو العمل الهادف؟ طبعا كون العمل “هادفا” غير مهم بالنسبة لنا، لأن كل منا له تعريف مختلف لما هو هادف، لكن الغرض من هذا الخيار هو استشفاف وجود ارتباط مشروط بين تقديم الدعم وبين الإيمان “بفكرة” العمل المقدم. بمعنى آخر “لن أقدم الدعم لأي سائل، لابد من أن “يعجبني” ما سيقدم حتى أعطيكم من مالي!” أي أن هؤلاء الأغلبية لن يسارعوا بمد أيديهم لجيوبهم بمجرد أن يطلب منهم أحد ما تبرعا لدعم عمله الفني، وتلك نقطة هامة.

جماعة العمل “الهادف”، على خلاف جماعة “أفا عليك”، إيمانهم ليس بالفن كفن أو الثقافة كثقافة، بل إيمانهم هو برسالة ذلك الفن وتلك الثقافة، أي الفن والثقافة بالنسبة لهم هي أدوات وليست غايات. لن أناقش أي الفريقين أفضل أو أيهم على حق… فذلك موضوع كبير ومختلف، لكن يجب أن نفهم كيف نتعامل مع كلا الفريقين.

الغالبية الساحقة من المشاركين لن يقدموا الدعم لعمل إلا بعد اقتناعهم بفكرته، وذلك يعني أن على الفنان أن يكون قادرا على إقناع الناس بما يقدم، أي يجب أن يأسرهم بعمله أو يقنعهم بأهميته، وتلك مهارة من المفترض أن يكون الفنان قد تدرب عليها. ليس جميع الفنانين لديهم تلك القدرة أو المهارة.

وهنا يأتي دور المؤسسات الأهلية التي ذكرتها أعلاه، فمن الأسهل أن يقتنع الناس بفكر مؤسسة يشرف عليها خبراء مختصون، وتحمل أجندة واضحة وشفافة، فيقدمون لها أموالهم بثقة أكبر لعلمهم بإنها ستدير تلك الأموال ناحية ما يوافق تعريفهم لما هو “هادف”. 

بشكل عام، رأيي أن الوضع الحالي ليس جيدا للفن والثقافة، بل هو وضع محبط للكثير من المبدعين، وهو وضع لن يتحسن ولن يتطور إن بقيت الأمور على ما هي عليه. تكاليف الفن عالية جدا… وستستمر بالارتفاع، مؤسسات دعمه الرسمية وشبه الرسمية تعاني من مشاكل عدة، المؤسسات الفنية الخاصة تركز على الجانب التجاري وغير مهتمة بفكرة دعم غيرها… لأن “اللي فيها مكفيها”، والمؤسسات الشعبية هي العامل الناقص لدينا، وعلينا أن ننتظر ظهورها حتى نعيد تقييم الوضع، فهل سنحبس الأنفاس حتى ذلك الوقت؟

ڤي فور ڤانديتا

ڤي فور ڤانديتا

Birmingham Cuts 2011

 

علي أن أعترف بأني قرأت كتاب “ڤي فور ڤانديتا V for Vendetta” للكاتب آلان مور، وهي رواية مصورة، بدافع من الفضول حول الشخصية “ڤي”، تلك الشخصية المقنّعة بالقناع البورسلاني الباسم بشنبه الرفيع المميز، من هو ذلك الڤي الوارد في قصة ڤي فور ڤانديتا؟ ما أهمية هذه الشخصية؟ وما سبب انتشار صورتها مؤخرا وارتباطها بالحركات الثورية المعاصرة؟

بالطبع هي شخصية مجهولة من الأساس ولا ينبغي لنا أن نعرف حقيقتها، وإلا لما أصرّت على ارتداء القناع، ولكني أردت أن أكون فهما للكيفية التي تنشأ منها هذه الشخصية (وليست التي “نشأت” منها!)، هل حقاً يجب أن يكون لدينا ڤي في حياتنا ليلهمنا ويحركنا ويرشدنا نحو طريق الخلاص من الظلم والاستبداد والقهر السائد؟

ربما تحتاج أن تنهي قراءة الكتاب (أو مشاهدة الفيلم على الأقل) قبل أن تكمل هذا المقال، لتفهم وجهة نظري أولا، ولكي لا أفسد عليك نهاية القصة ثانيا… إن كان هذا الأمر يهمك.

علي أن أعترف بأني قرأت هذا الكتاب محملا بأفكار مسبقة وقناعة تامة بأن انتظار هذا الڤي ليس إلا كسلا فكريا تبتلى به الشعوب الجاهلة، وبعد ان انتهيت من قراءة الكتاب لم تزد أفكاري المسبقة إلا تأكيدا، فشخصية ڤي الحقيقية بالنهاية ليست إلا لإنسان عادي، قد يكون أنت أو أنا، مر هذا الإنسان بظروف أثرت على أفكاره وتوجهاته وصاغت شخصيته الثائرة ضد الواقع السائد، وليس الفرد ڤي هو ما يهم، بل الفكرة ڤي هي الأهم والأخطر.

ڤي بالنهاية يقدم لنا تمثيلا رمزيا للعلم والثقافة والأدب والموسيقى والفن والحكمة والتخطيط والقوة العسكرية، كون ڤي في هذه القصة مصور على شكل شخص واحد بارع في كل ذلك يجعل منه شخصية خيالية وهمية بالطبع، لايمكن خلق شخصية كتلك داخل المختبرات أو معامل التجارب كما حصل معه، ولكن مختبر الحياة ومعمل التواصل الإنساني هو ما يجعل منا جميعا – إن وعينا – “المجتمع” ڤي.

وصية ڤي لفتاته إيڤ قبيل وفاته وبعد أن نجح في إشعال الثورة التي ستسقط نظام

وصية ڤي لفتاته إيڤ قبيل وفاته وبعد أن نجح في إشعال الثورة التي ستسقط نظام “الإيمان” تلخص لنا الفكرة ڤي، فكرة أهمية التخلص من القيود لكي نتمكن من خلق مجتمع جديد كما نريد، وأن هدم المجتمع الظالم السائد غير كاف إن لم نقدم له البديل الذي نريده ونرضاه لأنفسنا، وضرورة إدراك أن الفكرة ڤي يجب أن تستمر بعملية الهدم والبناء، وأن لا ترتبط الفكرة بشخص واحد محدد

ڤي كذلك ليس رمزا للفوضى كما قد يصور لنا، كيف يمكن لشخصية فوضوية أن تخطط وتدبر وتنفذ انقلابا حرك شعبا كاملا ضد نظام “الإيمان” السائد والمسيطر عليهم خلال سنة وبضع أيام؟ فهو كما قرأت وشاهدت لم يخط خطوة واحدة في مسيرته الصعبة إلا وهو يعلم إلى أين منتهى طريقه.

ڤي، شخصية ظلمت كثيرا، استغِلت وأسيء فهمها، وإن كنا سنجلس ننتظر طلوعها إلينا حاملة معها التغيير “لأجل التغيير” فإنه يحزنني أن أقول بأن دمك يا ڤي ذهب هدرا!

الاستنساخ الفني

الاستنساخ الفني

Barack_Obama_Hope_poster الأمل

أغلبنا يعرف البوستر في أعلى هذا الموضوع، إنه بوستر “الأمل” (Hope) الذي انتشر أيام الانتخابات الرئاسية الأمريكية لعام ٢٠٠٨ والتي تظهر فيه صورة الرئيس الأمريكي باراك أوباما (المرشح في حينها) بالألوان البوسترية المبسطة، مصمم البوستر هو شيبارد فايري وقد بنى تصميمه هذا مستعينا بإحدى صور التي حصل عليها – أغلب الظن – من الإنترنت… وهنا مكمن المشكلة، الصورة الأصلية التي استعان بها شيبارد نشرت بواسطة شبكة الأسوشيياتِد برِس الإخبارية قبل عامين من ظهور التصميم، شيبارد طبعا ظن بالبداية بأن مشروعه البسيط يدخل في إطار ما يسمى بالاستخدام العادل للعمل الفوتوغرافي (fair use) وبالتالي فإنه لا مشاكل قانونية ممكن أن تطاله، لكن هذا الكلام ما مشى على الأسوشييتد برس التي أعلنت عام ٢٠٠٩ عزمها على مقاضاته بدعوى انتهاك حقوق للملكية الفكرية، بعد مباحثات بين الطرفين تم الاتفاق على حل الإشكال خارج المحكمة دون الإفصاح عن تفاصيل هذا الإتفاق… لكن من الواضح أنه اتفاق يرضي الجميع ويستفيد منه الطرفين.

(more…)

من فنون الأزمات: بوب مارلي والحب الواحد

من فنون الأزمات: بوب مارلي والحب الواحد

bob marley Michael Manley Edward Seaga One Love

الكثير من الفنانين على مر العصور تناولوا موضوع السلام في أعمالهم، لكن هناك فرق بين أن يقدم الفنان عملا يعبر فيه عن أحلامه وطموحاته بتحقيق السلام وبين أن يقدم عملا يعتبر واقعيا إحدى لبنات سلام قد تحقق بالفعل، فرق بين أن يكون السلام المنشود أملا مستقبليا وبين أن يكون حقيقة ملموسة يراها الجمهور ويشعر بها ويتأثر.

(more…)

من فنون الأزمات: تحت النار

تحت النار

لا أستطيع أن أتقبل الفكرة الشائعة بأن الأزمات هي عدوة التنمية والتقدم والتطور البشري، الكثير من الشعوب تستخدم (اًو يستخدم لها) عذر مرورها بأزمات اقتصادية أو سياسية أو حتى إنسانية كشماعة لتبرير ما تعانيه من تخلف اجتماعي أو ثقافي أو علمي، أوردت في مقال الصورة الكبيرة مثال شماعة الغزو التي كنا في الكويت في فترة التسعينات نستخدمها كمبرر لجميع مشاكلنا من مبانينا المتهالكة حتى ارتفاع نسبة الطلاق وانتشار “العادات الغربية”، وهذه الشماعات نراها مستغلة في العديد من مناطق العالم المتأخر حضاريا (أكره استخدام هذا المصطلح ولكني الجأ له هنا لأسباب يطول شرحها)، الدول العربية مثلا ظلت تلوم الحروب والاستعمار والتأثير الصهيوني وتسلط الحكام الديكتاتوري وتعتبر هذه العوامل من أهم أسباب تخلفها الحضاري، كذلك الأمر في الدول الأفريقية والكثير من الدول الآسيوية بشكل أو بآخر، هذه الأزمات والمشاكل بالتأكيد أثرت بشكل جدي على حياة هذه الشعوب لأنها تمس اقتصادها واستقرارها السياسي وحتى أمنها، ولكن هل هناك علاقة مباشرة بين شل هذه الأزمات “لماديات” البلد وبين شلها “لعقول” شعبه؟

الحربين العالميتين ونسبية الحاجة

الحربين العالميتين هزتا أوربا وشلتا اقتصاد دولها.. بل واقتصاد العالم أجمع (بما في ذلك الكويت)، طاقات الدول استزفت في سبيل المجهود الحربي ولم يتبق للناس من الأموال الا ما يسد الرمق، هناك تقليد في بريطانيا وقت الكريسميس بأن توضع للأطفال في جورب الهدايا “برتقالة”، أصل ذلك التقليد – كما تذكر بعض الروايات – يرجع لأيام الحرب العالمية الثانية حيث كان الآباء لا يملكون المال لشراء الهدايا الثمينة لإسعاد أطفالهم بالمناسبة فيلجأون لتقديم برتقالة كبديل لذلك! أثناء هذه الفترة العصيبة من حياة البشرية لم يكن هناك مجال للترف ورغد العيش، حتى التجار وملاك المصانع والمزارع كانت تمارس عليهم الضغوط من قبل الحكومات للمشاركة بالمجهود الحربي، لكن هل معنى تعطل الترف أن التنمية الحضارية أيضا توقفت؟ هل انتظرت البشرية الحرب لتنتهي قبل أن تمارس الإبداع والابتكار؟

من الكليشيهات المتداولة هي مقولة أن الحاجة أم الاختراع، وذلك ليس دائما صحيح حرفيا برأيي، فالحاجة بالنهاية أمر نسبي كما سأوضح لاحقا، العلوم مثلا خلال فترة الحربين العالميتين تطورت بشكل خاص لخدمة الحرب في مجالات الطيران والمواصلات والاتصالات والملاحة الحرية والطب بالإضافة لصناعة الأسلحة التقليدية وغير التقليدية، كما تم تطوير المصانع وخطوط الإنتاج لتواكب الطلب الكبير على المنتجات الحربية، هذا التطور العلمي والتكنولوجي بالطبع لم تقتصر فائدته على الحروب فقط، فبعد انتهاء الحرب تمت إعادة تأهيل هذه الصناعات والتكنولوجيات لصالح الخدمة المدنية للبشرية، الكثير من المصانع التي كانت تصنع الدبابات والطائرات الحربية أثناء الحربين تصنع اليوم أرفه السيارات وأحدث الطائرات المدنية، أضف لذلك الأدوية والعلوم الطبية التي طورت لعلاج الجنود ووقايتهم من الأمراض وآثار الحروب الكيماوية والبيولوجية التي إما إنها مازالت تستخدم إلى الآن أو كونت نواة للعلوم المستخدمة ليومنا هذا، هل هذه العلوم والتكنولوجيا الحربية حاجة أم ترف؟ برأيي أنها تجمع الإثنين معا، قد ينظر لها على أنها حاجة من أجل تحقيق غاية حفظ الأرواح والإنتصار بالحرب، ولكن حتى بدون تطوير هذه العلوم فإن الحرب ما كانت لتقف، كان بالإمكان الإستمرار بحروب السيوف والبنادق البدائية – كما كانت حالتنا كعرب ومسلمين في تلك الفترة – دون وجود “حاجة” للتطوير، إذن الحقيقة التاريخية تبين لنا أنه كان هناك اختيار وقرار لتطوير الذات، البعض آثروا أن يستمروا بالتطور والإبداع رغم ظروفهم الصعبة وآخرين لم يفعلوا ذلك رغم تشابه الجميع من ناحية “الظروف”، فريق اعتبر العلوم “حاجة” تمخضت عن اختراعات ساهمت في نصرته العسكرية، وفريق ربما اعتبر حاجاته عبارة عن أموال وأراض ومحظيات أو اعتبرها عقائد وأخلاقيات وقيم تمخضت عن قصص وأمجاد وتضحيات، كلا الفريقين ركزا على حاجاتهما ففازا بها… فهنيئا لكل فريق بما فاز.

لو كان التطور مقتصرا على العلوم والتكنولوجيا الحربية لكان الأمر منطقيا وأبسط تفسيرا، لكن التنمية الحضارية التي أريد التركيز عليها في سلسلة مقالاتي هذه لا تقتصر على ذلك، هل توقف تطور العلوم الإنسانية أثناء الحرب في أوربا؟ ماذا عن الأدب؟ ماذا عن الفن؟ سأخصص لفن وفناني الحروب مقالا منفصلا، لكني سأركز الآن على تطور “الفكر” الفني كأحد مجالات الفكر الإنساني خلال وبعد فترة الحربين العالميتين.

النسيج

يجب الأخذ بعين الإعتبار بأن الفكر الإنساني لا يمكن أن يقسم على شكل فترات أو مراحل منفصلة، أي إننا عند الحديث عن الفكر الإنساني المتعلق بالحرب فإن هذا الفكر لم يهبط من السماء أثناء تلك الفترة لينقطع بعد انتهائها، بل يعني أن الحرب كانت واحدة من العوامل التي أثـّرت على مسار خيوط النسيج الفكري، ذلك النسيج مترابط ومتداخل وممتد دون انقطاع منذ بدأ التاريخ إلى أن يرث الله الأرض وما عليها، لا يمكن لخيوط هذا النسيج أن تقف.. بل إنها مستمرة بالحركة وإن تغير اتجاهها ومدى تعقدها و”تكلكعها”، الحروب والأزمات تدخل كمؤثر على مسار الفكر وتتفاعل مع مقوماته الراسخة كالتاريخ والدين والاقتصاد والتجانس الاجتماعي والتقدم العلمي وغيرها من مكونات الفكر (أو الثقافة)، فالفكر الإنساني هو خليط معقد متعدد المكونات ولا يمكن اختزاله بمؤثر واحد أو حده بزمن أو رقعة جغرافية ضيقة، ذلك الخليط “الهجين” يجعل من الفكر والثقافة “عملية” مستمرة دائمة الحركة وليس “نظاما تربويا” جامدا. تجاهل هذه الفقرة.

مؤثر الحرب

أثرت الحربين العالميتين على الفكر الفني بشكل كبير، ففي حين كان الفنانون الغربيون يجاهدون للتخلص من قيود الفنون الأوربية الكلاسيكية بجمود مواضيعها ورتابة تشكيلاتها من خلال اختراع حركات فنية جديدة ثائرة عليها (كالتأثيرية والرمزية) جاءت الحرب لتنسف فكرة الفن من أساسها! الحرب بما صاحبها من فوضى وتحطم لآمال الإنسانية كانت محفزا ساهم في تسريع وتضخيم الثورة الفنية التي كانت قد ابتدأت في نهايات القرن التاسع عشر، قد يتوقع البعض بأن أزمة شديدة كالحرب العالمية الأولى كفيلة في القضاء على أي أمل في تطور “ترف” فكري كالفن، فهاهي الناس تموت تحت نيران القصف والشعوب تشرد والمدن تدمر والقرى تحرق والأطفال تجوع… فمن هو ذلك “الفاضي” الذي تحت وطأة كل ذلك عنده مزاج لأن يرسم وينحت ويبدع؟! ومن تحت وطأة كل ذلك لديه من العقل ليس فقط لدراسة الواقع.. بل لتطويره والنهوض به؟ بالنسبة للعلوم فقد افترضنا جدلا أنها كانت حاجات ولدت اختراعات، لكن الفنون – جدلا أيضا – عقيمة لا تلد… لأنها ليست حاجة، أليس كذلك؟ لا أظن، كونها تطورت خلال الحرب (كما سأثبت لاحقا) فهذا يعني أحد أمرين: إما أن مبدأ “الحاجة أم الإختراع” مبدأ خاطئ، أو أن الفنون هي بالفعل حاجات ضرورية وليست من الكماليات! سأترك لكم اختيار أحد هاذين الافتراضين وسأنتقل إلى ضرب أمثلة على تطور الفن أثناء الحرب وبعدها.

Marcel Duchamp, Fountain, 1917

Marcel Duchamp, Fountain, 1917

دادا وما بعدها

لعل واحدة من أشد الأفكار الفنية تأثرا بالحرب كانت “الدادية”، كلمة الدادية أو الدادا ليس لها معنى، فهي فكرة تخالف المعنى أصلا وتقف ضده، هي حركة فوضوية، فكما أن الحرب بالأساس سخافة لا معنى لها جاءت هذه الفكرة وكأنها تردد قول أبي العتاهية:

إنما الدنيا على ما جبلت .. جيفة نحن عليها نصطرع

من أبرز فناني هذه الحركة وروادها هو مارسيل دوشامب ، Marcel Duchamp أحدث دوشامب ضجة عندما شارك في معرض جمعية الفنانين المستقلين عام ١٩١٧ بعمل عبارة عن مبولة (مكرم السامع)… وليته كان قد صنعها بنفسه.. بل انه اشتراها من السوق ووقعها (أو تم توقيعها له) وسلمها للجنة المعرض بعد أن أطلق على العمل اسم “نافورة”، ما قام به دوشامب يمثل انقلابا على النظرة التقليدية للفن، ففي حين كان ينظر للفنان في الغرب على انه هو المبتكر والمبدع وهو من يفرض رؤيته على الجمهور حاول دوشامب تغيير هذه النظرة ليؤكد على أهمية “الجمهور” في إدراك قيمة العمل الفنية، نافورة دوشامب مثلا لا يمكن اعتبارها عملا فنيا إلا إذا آمن المشاهد بأنها كذلك، وكلمة المشاهد هنا تشمل راعي الفن ومنظم المعارض والناقد بالإضافة إلى المشاهد العادي.

فكرة دوشامب هذه لم تقف عند هذا الحد بل استمر نقاشها ونقدها وتطورت حتى أتحفنا رولاند بارت Roland Barthes في الستينات من القرن العشرين (بعز أيام الحرب الباردة) بمقالته الشهيرة “موت المؤلف Death of the Author”، والموت هنا ليس حرفيا… بل إن ما يقصده بارت هو موت أهمية المؤلف أو مبدع العمل، يرى بارت بأن جميع العناصر المكونة للثقافة (كاللغة مثلا أو عناصر العمل الفني) عبارة عن رموز مكررة موجودة بالطبيعة ويستطيع الكل إدراكها والتعامل معها، ما يقوم به المؤلف أو الفنان هو مجرد خلط لهذه الرموز، لذلك فالمؤلف لم “يخترع” شيئا جديدا… فهو مجرد خلاط! وهذا الأمر تستنتج منه عدة أمور.

ألم تشاهد يوما عملا فنيا “سخيفا” عبارة عن شوية شخابيط يباع بمئات آلاف الدولارات؟ ألم تفكر يوما “حتى ولدي الصغير يعرف يسوي جذي!”؟ وهذا تفكير سليم.. ولدك الصغير قد يعرف أن ينتج عملا مشابها… وأنت أيضا تستطيع أن تنتج عملا أفضل منه… ولكنك لم تفعل! الأفكار موجودة ومتاحة للجميع كما ذكرنا… ولكنك – كمؤلف – لم تكن متواجدا لتقوم بذلك… لكن الفنان بو الشخابيط هو من سبقك إلى تأليف خلطة الأفكار تلك وجسدها بشكل عمل فني له قيمة تقدر بمئات آلاف الدولارات.

فكرة أخرى تستنتج من نظرية بارت هي أن معرفة الفنان نفسه وتاريخه وخلفيته الثقافية وحالته النفسية جميعها أشياء غير ضرورية، المهم هو العمل المراد دراسته وليس منتِـج هذا العمل والبيئة التي خرج منها، لذلك يجب التركيز على رموز العمل ذاتها ومحاولة إدراكها كما هي حسب فهمنا لها، هذه الفكرة تناقض الكثير من الأفكار النقدية السابقة لها مثل المونوجرافية التي تدرس سيرة المؤلف (وهي منتشرة بثقافتنا العربية بشكل كبير جدا!) أو الإجتماعية الماركسية التي تدرس تأثير الحالة الطبقية أو النفسية الفرويدية التي تدرس تأثير نفسية الفنان وعقده على أعماله… والعديد من النظريات النقدية الأخرى.

المخاض

شخصيا قد لا أتفق مع كلام بارت ولي عليه عدة مآخذ ليس هنا مجال ذكرها، ولكن ما يهمنا هنا هو مبدأ استمرارية التطور في الفكر النقدي وتأثر النقاد والفنانين ببعضهم البعض، ذلك التطور الفكري – وهو أحد أهم أسس التقدم الحضاري – كما شاهدنا وسنشاهد بمقالات قادمة لم يتوقف أو يتراجع بسبب أزمة أو حرب، الفكر والفن والأدب والنقد وحتى العلم ليسو ترفا يركن جانبا إذا ما جاع الإنسان أو خاف أو اكتأب وتحبط، بل هي حاجات ضرورية لا تنفك أن تلد الإختراع تلو الآخر، من ينشد تقدما حضاريا لا ينتظر حتى “تهدأ” الأمور ويعم السلام والاستقرار وتحل الأزمات ويفرجها الله ويزورنا المهدي أو سوبرمان… ويصحى الحبيب! بل العكس تماما… الأزمات والحروب والضوائق كانت دائما ملهمة الفنانين والأدباء والشعراء على مر العصور، من نهض وبادر وتحرك وقت الأزمات هو من مازال يذكره التاريخ، ومن رعى واهتم ونجح في تشجيع هذه الحركات هو من انتصر، أما من آثر الجلوس في مقعد الاحتياط بانتظار الفرج فلم يترك لنا أثرا نذكره به، تلك الحقيقة البسيطة هي أوضح ما يمكن أن نقرأه في التاريخ، وإن لم ننتبه لهذه الحقيقة فإننا لا نكون قد استفدنا من قراءاتنا سوى شعورنا اللحظي بنشوة الأمجاد الزائلة… والحضارة لا تبنى بنشوة.