أدب الخرفان

أدب الخرفان

sheeps أدب الخرفان

 

خلال السنوات القليلة الماضية بدأت تظهر حركة أدبية معاصرة على الساحة المحلية على يد عدد من الكتاب الشباب، وتبرز آثار هذه الحركة الأدبية الشبابية بشكل خاص كل عام في معرض الكتاب الدولي في الكويت، إنتاج هذه الحركة الأدبية ذو مستوى متفاوت، بالطبع هناك الجيد وهناك ما هو أقل من ذلك، وهذا هو حال الأدب في كل مكان وزمان. في هذا المقال سأتحدث عن أسباب نشوء هذه الحركة الأدبية، أهميتها، هل هي حركة طبيعية أم حالة شاذة؟ وكيف يمكن أن نبني مواقفنا تجاهها؟ في مقالات أخرى قد أتناول كذلك فائدة هذه الحركة الأدبية الشبابية من الناحية الثقافية وكيف يمكن أن نستفيد منها بعد ننتهي من حركة السخرية السائدة تجاهها هذه الأيام.نشأة الحركة

ساعد على ظهور هذه الحركة الأدبية الجديدة العديد من العوامل، منها نشوء بعض دور النشر الجديدة المختصة بالإنتاج “الشبابي” كما تطلق على نفسها، ودور النشر تلك وعت لأهمية الإنتاج الشبابي ودعمته مشكورة، قد يكون الغرض من هذا الدعم ماديا قبل أن يكون ثقافيا… ولكن بالنسبة لنا هذا الأمر لا يهم، المهم الآن هو إدراك أن دعم الشباب من قبل دور النشر الجديدة هو أمر لم يكن معتادا بالسابق، وهو أمر أثر حتى على بعض دور النشر “القديمة” التي أخذت تتنازل عن مواصفاتها القياسية تدريجيا، فلم يعد اسم الكاتب ومستواه الأدبي مهما كما كان بالسابق وصار الغرض هو “عملية” الإنتاج قبل أن يكون قيمته، وهم معذورون بذلك بسبب ما يعانيه الكتاب عالميا من خطر بسبب التطور التكنولوجي.

من أسباب نشأة الحركة كذلك تعاظم دور الإعلام الاجتماعي الذي ساهم في نشر صورة هؤلاء الكتاب الشباب وجعل من بعضهم شخصيات “نجمة”، مما شجع الشباب على خوض هذا المجال بأي شكل ممكن من أجل البروز وتحقيق ذلك البرستيج الثقافي/الاجتماعي. حبر التوقيع المسكوب على الصفحة الأولى من الكتاب يعتبره البعض – من الكتاب أو القراء – أثمن من الكلمات التي تحتويها دفتيه، حفلات التوقيع وما يصاحبها من صور و”سلفيات” تعتبر واحدة من أفضل أشكال الدعاية الاجتماعية والتي قد تستثمر لاحقا في كافة المجالات الاجتماعية والاقتصادية أو ربما السياسية.

ساهم الإعلام الاجتماعي كذلك في تبسيط عملية الكتابة ذاتها وتقريبها من الناس، حيث تغيرت صورة الكاتب من كونه شخصية غامضة ومنعزلة ومعقدة إلى كونه أي شخص يستطيع أن يطبع كلماته وأفكاره وخواطره على الكيبورد وينشرها للناس، فمن يستطيع كتابة خاطرة تحت صورة على الإنستاجرام يمكنه أن يكتب كتابا. كذلك لا ننسى السهولة النسبية في عملية إنتاج الكتاب اليوم بسبب التطور التكنولوجي والانخفاض النسبي للمجهود والتكلفة المصاحبة لها. كل ذلك أدى إلى بروز هذه الحركة الأدبية الشبابية المعاصرة والتي أتوقع أن تصبح واقعا مفروضا علينا شئنا ذلك أم أبينا.

فوائد

مردود الكتابة والنشر كبير ويستفيد منه الكثيرون، فتكلفة الكتاب بسيطة والمردود المادي منه لا بأس به… إن سوق الكتاب جيدا وبيع بشكل جيد، ويستفيد ماديا من إنتاجه الكثيرون، فالكاتب يستفيد والناشر يستفيد والمصمم والمطبعة والبائع يستفيدون. لذلك طالما استمر الإنتاج الأدبي ستستمر مكائن المطبعة بالدوران مساهمة في إبقاء الكتاب على قيد الحياة، وذلك أمر هام جدا.

وفائدة الكتاب، أي كتاب، ليست مادية وحسب، فالكتاب إنتاج فكري يعكس حالة المجتمع ويوثقها وفي بعض الأحيان يوجهها كذلك. هل كلامي هذا عن الفوائد الفكرية للإنتاج الأدبي كلام مثالي شاعري لا ينطبق على الأدب الركيك والمنحط – كما يراه البعض – الموجود على الساحة اليوم؟

نعم ينطبق!

لكي نستوعب ذلك علينا أن ننظر للإنتاج الأدبي ككتلة كاملة وليس لإنتاج أشخاص منفردين أو جماعات محددة، هذه النظرة الشاملة ستجعلنا ندرك بأنه عوضا عن التركيز على “مستوى” الأدب علينا بالفعل أن ننظر “لوجوده”. برأيي نعم، الإنتاج الأدبي هام من الناحية الكمية وليس فقط من حيث النوعية، ووجود كتّاب وقراء كثر بمختلف المجالات والمستويات أفضل من وجود نخبة ضئيلة تكتب وتقرأ بينما الأكثرية لا تدري عن هوى دار الكتاب!

الإنتاج الأدبي الوافر، وتهافت القراء على استقباله، مؤشر إيجابي برأيي. كونك تقرأ، مهما كانت قراءاتك سخيفة بنظر بعض الناس، أفضل من هجرك للقراءة. ووجود الكتّاب، بغض النظر عن مستواهم، أفضل من انعدامهم. تداول الكتاب يعزز عادة القراءة لدى الناس، ويشجعهم على نقاش ما يقرؤون ونقده وتقييمه. فإن استمر الناس على هذا الحال سنجد أن المستوى تدريجيا قد تطور وارتفع، فالزبد سيذهب هباء وما ينفع الناس سيبقى في الأرض، وذلك ما سأحاول توضيحه في القسم القادم.

حقيقة الشذوذ الأدبي

سأبدأ دفاعي عن ذلك الأدب المغضوب عليه بسؤال، هل تستطيع أن توجه انتباهي لدولة معينة أو فترة زمنية محددة الإنتاج الأدبي فيها كامل ومثالي وبقمة الرقي؟

هل نتحدث عن “الغرب”؟ ادخل أي مكتبة كبيرة في أمريكا أو أوربا وستجد على أرففها الكثير من الكتب الثمينة وبجانبها كتب بغاية السخف وبقمة الانحطاطا (وذلك يعتمد على تعريفك لمعنى الانحطاط)، ستجد كتبا سخيفة المحتوى ولا تقدم للقارئ أي فائدة، كما ستجد أيضا كتبا تحاول أن تكون محترمة لكنها مقدمة بأسلوب ركيك يجعل منها وقودا جيدا للمدافئ! لا داع لتزور المكتبات ابحث في قسم الكتب في موقع أمازون عن أي موضوع ولاحظ كمية الكتب التي ستظهر لك ولتقييم الناس – أو تجاهلهم – لها وستستوعب ما أقصد.

هل نتحدث عن كتب أيام “زمان”؟ عن أيام طه حسين ورفاعة الطهطاوي وقاسم أمين وزكي جمعة؟! عن أيام المتنبي والفرزدق والحطيئة والجاحظ؟ المتبحرون في الكتب الكلاسيكية للأولين يمكنهم أن يدلوك على عناوين بعض الكتب التي تتحدث في أمور تجعل وجنتا أجرأ كاتب من كتابنا الشباب تحمرّ خجلا! ناهيك عن كتب السحر والشعوذة والدجل وقصائد المجون ونفخ الجوخ والاستعراضات اللغوية الفارغة، بل حتى بعض كتابنا “الكبار” لديهم أعمالا تفشّل! هل مرت عليك قصيدة “ما أنصف القوم ضبة” للمتنبي (+١٨

إن لم تقرأ “ما أنصف القوم ضبة” فذلك لحسن حظك أولا، ولأنها ليست من القصائد المقررة في المدارس ثانيا، ولأنها في بعض الأحيان لا ترد كاملة – للأسف – حتى بدواوين المتنبي المطبوعة حديثا. اسأل نفسك ثانية، لماذا هذه القصيدة – وغيرها من الأعمال الهابطة – لا تدرس بالمدارس ولا تطبع في بعض طبعات الكتب الحديثة؟ الجواب على ذلك ببساطة لأن الثقافة المتوارثة اختارت تجاهل ذلك العمل، لأنه عمل لم يفرض نفسه، وذلك على خلاف أعمال المتنبي الأخرى العظيمة وأعمال الكتاب الكبار الآخرين من الأولين ومن التاليين. هي بالنهاية عملية انتخاب طبيعي، يفرض القوي فيها نفسه والضعيف يندثر.

وذلك الأمر ينطبق كذلك على أعمال الأجانب، ملايين الكتب تطبع كل عام، كم كتاب منها عليه القيمة وله تأثير إيجابي في المجتمعات ويساهم في تقدم الإنسانية ونشر الثقافة الهادفة؟ (أنظر لهذه الإحصائية… المخجلة) من ملايين الكتب هذه سنجد مئات الآلاف من الكتب السخيفة والمملة والعنصرية والخلاعية والمضرة للإنسانية، تلك الكتب في أغلب الأحيان يتحول جزء منها إلى أرشيف المكتبات والبقية إما تتم إعادة تصنيع أوراقها أو تتحول إلى وقود.

الحد الفاصل بين الكتاب المخلّد وكتاب الوقود هو مقدار ما نولي ذلك الكتاب من اهتمام، لو كتب المتنبي قصيدة “ما أنصف القوم ضبة” في أيامنا هذه لصار مصيرها إلى واحد من اثنين، إما أن يقرأها مجموعة بسيطة من أصدقائه فيضحكون عليها قليلا وثم ينسونها، أو أنها ستنتشر في جروبات الوتسآب وفيديوات اليوتيوب وتتحول في تويتر إلى هاشتاق #ضبة فيضحك الناس عليها أو يغضبون على المتنبي بسببها وربما يناقشها مجلس الأمة في أقصى الأحوال، قد تصبح القصيدة قضية الناس لمدة أسبوع أو اثنين… لكنّها بالنهاية بكل تأكيد لن تدرج في مناهج اللغة العربية في مدارسنا… لأن انتشارها شعبيا لن يقلل من مقدار الانحطاط الموجود في كلماتها. نعم اهتمام الناس بها – ولو مؤقتا – سيعطيها أهمية وربما يطيل من عمرها قليلا، لكنها لن تكون القصيدة الخالدة التي نتذكر المتنبي بها.

بنفس الوقت، لو أننا قررنا محاربة المتنبي ولعنّا سيرته ومنعنا كتبه ومؤلفاته بسبب تلك القصيدة الهابطة لخسرنا الكم الكبير من أعماله العظيمة، قِس على ذلك أعمال الكثير من المؤلفين والكتاب والفنانين، لو أننا حطمنا نزار قباني بسبب تأليفه لديوان “طفولة نهد” لحرمنا أنفسنا من “حبيبتي” و”قاموس العاشقين” و”قصيدة بلقيس” و”هوامش على دفتر النكبة”.

لذلك مهما شاهدنا وقرأنا من كتب لا تعجبنا لنتذكر بأن تلك الأعمال لا تمثل نهاية العالم. كل كاتب، كبيرا كان أم صغيرا، لابد له من شطحة هنا أو هناك، لا يوجد كاتب كامل. نعم واجبنا أن ننقد ونبين رأينا فيما نقرأ، لكن لا داع لإعطاء الأمر أكبر من أهميته ونطالب بمنع هذا ومحاسبة ذاك، ولا نقسوا على كتابنا كثيرا… خاصة الشباب منهم، فغدا سيكبرون… وقد يعقلون وينتجون أعمالا تخلد بدل إنتاج الوقود مما لا يعجبنا.

IMG_1069.JPG

============

ملاحظة:

– الصورة الواردة أعلاه من الصور المتداولة في تويتر لإحدى الأعمال الأدبية الصادرة مؤخرا، لا أعرف إلى الآن اسم العمل ولا صاحب الصورة.

ڤي فور ڤانديتا

ڤي فور ڤانديتا

Birmingham Cuts 2011

 

علي أن أعترف بأني قرأت كتاب “ڤي فور ڤانديتا V for Vendetta” للكاتب آلان مور، وهي رواية مصورة، بدافع من الفضول حول الشخصية “ڤي”، تلك الشخصية المقنّعة بالقناع البورسلاني الباسم بشنبه الرفيع المميز، من هو ذلك الڤي الوارد في قصة ڤي فور ڤانديتا؟ ما أهمية هذه الشخصية؟ وما سبب انتشار صورتها مؤخرا وارتباطها بالحركات الثورية المعاصرة؟

بالطبع هي شخصية مجهولة من الأساس ولا ينبغي لنا أن نعرف حقيقتها، وإلا لما أصرّت على ارتداء القناع، ولكني أردت أن أكون فهما للكيفية التي تنشأ منها هذه الشخصية (وليست التي “نشأت” منها!)، هل حقاً يجب أن يكون لدينا ڤي في حياتنا ليلهمنا ويحركنا ويرشدنا نحو طريق الخلاص من الظلم والاستبداد والقهر السائد؟

ربما تحتاج أن تنهي قراءة الكتاب (أو مشاهدة الفيلم على الأقل) قبل أن تكمل هذا المقال، لتفهم وجهة نظري أولا، ولكي لا أفسد عليك نهاية القصة ثانيا… إن كان هذا الأمر يهمك.

علي أن أعترف بأني قرأت هذا الكتاب محملا بأفكار مسبقة وقناعة تامة بأن انتظار هذا الڤي ليس إلا كسلا فكريا تبتلى به الشعوب الجاهلة، وبعد ان انتهيت من قراءة الكتاب لم تزد أفكاري المسبقة إلا تأكيدا، فشخصية ڤي الحقيقية بالنهاية ليست إلا لإنسان عادي، قد يكون أنت أو أنا، مر هذا الإنسان بظروف أثرت على أفكاره وتوجهاته وصاغت شخصيته الثائرة ضد الواقع السائد، وليس الفرد ڤي هو ما يهم، بل الفكرة ڤي هي الأهم والأخطر.

ڤي بالنهاية يقدم لنا تمثيلا رمزيا للعلم والثقافة والأدب والموسيقى والفن والحكمة والتخطيط والقوة العسكرية، كون ڤي في هذه القصة مصور على شكل شخص واحد بارع في كل ذلك يجعل منه شخصية خيالية وهمية بالطبع، لايمكن خلق شخصية كتلك داخل المختبرات أو معامل التجارب كما حصل معه، ولكن مختبر الحياة ومعمل التواصل الإنساني هو ما يجعل منا جميعا – إن وعينا – “المجتمع” ڤي.

وصية ڤي لفتاته إيڤ قبيل وفاته وبعد أن نجح في إشعال الثورة التي ستسقط نظام

وصية ڤي لفتاته إيڤ قبيل وفاته وبعد أن نجح في إشعال الثورة التي ستسقط نظام “الإيمان” تلخص لنا الفكرة ڤي، فكرة أهمية التخلص من القيود لكي نتمكن من خلق مجتمع جديد كما نريد، وأن هدم المجتمع الظالم السائد غير كاف إن لم نقدم له البديل الذي نريده ونرضاه لأنفسنا، وضرورة إدراك أن الفكرة ڤي يجب أن تستمر بعملية الهدم والبناء، وأن لا ترتبط الفكرة بشخص واحد محدد

ڤي كذلك ليس رمزا للفوضى كما قد يصور لنا، كيف يمكن لشخصية فوضوية أن تخطط وتدبر وتنفذ انقلابا حرك شعبا كاملا ضد نظام “الإيمان” السائد والمسيطر عليهم خلال سنة وبضع أيام؟ فهو كما قرأت وشاهدت لم يخط خطوة واحدة في مسيرته الصعبة إلا وهو يعلم إلى أين منتهى طريقه.

ڤي، شخصية ظلمت كثيرا، استغِلت وأسيء فهمها، وإن كنا سنجلس ننتظر طلوعها إلينا حاملة معها التغيير “لأجل التغيير” فإنه يحزنني أن أقول بأن دمك يا ڤي ذهب هدرا!

حياة شفيق الغبرا غير الآمنة: قراءة نقدية

حياة شفيق الغبرا غير الآمنة: قراءة نقدية

حياة غير آمنة - شفيق الغبرا

 

يحكي لنا شفيق الغبرا في كتابه حياة غير آمنة: جيل الأحلام والإخفاقات قصة محاولة فئة محددة من جيل محدد إحداث تغيير في تاريخ هذه الأمة… وفشلهم في تلك المحاولة!

 

إن كنت قد تأكدت من شيء بعد قراءتي لهذا الكتاب فهو رسوخ اعتقادي المسبق بأن الخلل متأصل في عمق ثقافتنا العربية، وتأثير هذا الخلل – كما تبين لي – لا علاقة له بالمستوى التعليمي أو الأكاديمي للأفراد، السرية الطلابية، تلك المجموعة المثقفة المتعلمة اليسارية المؤمنة بالعدل والمساواة واحترام الرأي واختيارات الإنسان وحقوقه، سرية محاربة منظمة تكونت من خيرة الشباب الجامعي في بيروت في فترة ما بعد النكسة (حرب ١٩٦٧) وسعت لمقاومة الإحتلال الإسرائيلي للأراضي العربية… ومقاومة قوى التخلف والرجعية العربية في نفس الوقت، يحكي لنا شفيق الغبرا كيف تكونت هذه السرية وكيف انضم لها وكيف تفاعلت هذه السرية مع ما أحاط بها من أحداث وكيف اضطرت لتغيير مسارها مرة تلو الأخرى مجاراة لتلك الأحداث.

يخبرنا الغبرا عن أهمية بيروت كواحدة من أهم المراكز ثقافية في الوطن العربي، وعن دور لبنان كحاضن لشتات اللاجئين والمشردين من أبناء الوطن العربي، وعن الجنوب اللبناني على وجه التحديد كخط المواجهة الأخير مع العدو الأهم و”القاعدة الآمنة” الأخيرة لحركة المقاومة، وكما نعلم فإن البوتقة اللبنانية التي جمعت مختلف أطياف الثقافات العربية انشرخت منذ ضلت أولى الرصاصات طريقها لتتوجه ناحية الأخ العربي بدلا عن المحتل الإسرائيلي، لكن هذا الانشراخ لا يهمني هنا… فأسبابه السياسية والاجتماعية كثيرة ومعقدة ومتداخلة وما كان لأحد أن يسيطر عليه، فبيروت بثقافتها وانفتاحها وحريتها لم تستطع مواجهة مد المصالح والأطماع وطوفان الطائفية والقومية الذين أغرقوها وجرفوا كل ما كانت تتباهى به من جمال… أو غالبيته على الأقل.

ما كان يهمني أثناء قراءتي لهذا الكتاب هو معرفة كيف انحرف مسار تلك الفئة النخبوية من الشباب العربي وكيف ترتبت الأقدار مكونة سدا بينها وبين أهدافها التي قامت عليها، وإصبع الإتهام هنا لا يمكن توجيهه بسذاجة نحو جماعة معينة أو فكرة واحدة أو حدث تاريخي محدد، بل هي سلاسل طويلة من الأحداث يتداخل معها ويشبكها ببعضها البعض إرث عميق من الأفكار والمعتقدات والقيم التي تربت عليها الأجيال، فنجد الغبرا من خلال أحاديثه مع من عاصرهم في ذلك الوقت يجد من يوجهه لهذه الحقيقة… حقيقة أن مشكلتنا الكبرى ليست بالاحتلال ولا المقاومة وحسب، بل مشكلتنا هي بطريقة تفكيرنا القائمة على الفردية وضعف الفكر القيادي والتخطيط بالإضافة لما يسود بيننا من طائفية وطمع وغرور وعدم تقدير لاختلاف الرأي ولا لحقوق الإنسان ولا للمرأة والأقليات، تلك هي القضايا الأهم والتي دون علاجها لن ينفعنا الرصاص ولا المتفجرات… وهذا بالضبط ما أثر على حركة الشباب وحرف مسارها.

قضى شفيق الغبرا ٦ سنوات كمناضل “رسمي” في لبنان، بدأت منذ استقر في بيروت في أوائل مارس ١٩٧٥ منظما للسرية الطلابية، وانتهت (عمليا) بمغادرته لها عام ١٩٨١ عائدا للكويت ومنها إلى الولايات المتحدة، خلال السنوات الثلاث الأولى من عمره النضالي لم يطلق الغبرا رصاصة واحدة تجاه أي هدف إسرائيلي!

لقد انجرت حتى أكثر التنظيمات العسكرية مثالية (السرية الطلابية كمثال) لعملية تشويش للأهداف التي قامت من أجلها، فصحيح بأن التبريرات التي ساقها الغبرا لانحراف مسعاها في محاربة الإسرائيليين وتحرير الأراضي المحتلة قد تكون منطقية نوعا ما… كمحاربة المتواطئين مع إسرائيل تارة وحماية “القاعدة الآمنة” للمقاومة من خطر الأنظمة والتنظيمات التي قد تهدد استقرارها أو تقيد تحركاتها أو تمنع نموها، لكن بالنهاية هؤلاء المتواطئون وتلكم الأنظمة والتنظيمات ومن انضم تحتهم من أفراد يبقون عربا وأشقاء وليسو هم المحتل أو العدو الأساسي الذي تآلف من أجل قتاله هؤلاء الشباب، والغبرا يعبر بأكثر من موضع بالكتاب عن مدى أسفه لاضطراره للقيام بهذه المواجهات التي كان من الأولى تجنبها.

إن أكثر ما آسفني أثناء قراءتي لهذا الكتاب هو الحديث عن أسماء من سقطوا في تلك المعارك العبثية التي لم تحقق لنا هدفا يذكر… ربما أكثر إيلاما من فكرة الفشل ذاتها! فكل بضعة صفحات من الكتاب نقرأ عن المفكر الشاب فلان الذي سقط في المعركة الفلانية، والمهندس الشاب فلان الذي قتل بانفجار لغم أرضي، والأديب الشاب فلان الذي قضى نحبه أثناء قصف المنطقة العلانية، وهكذا نستمر بقراءة أسماء هؤلاء الشباب الجامعي المثقف والطموح والذي بكل تأكيد كنا سنستفيد من حياته أكثر بألاف المرات من أخبار موتهم.

عندما نقرأ قصص هؤلاء الشباب برواية من عاشرهم وتعرف عليهم عن قرب وعاش نفس عيشتهم فإن ذلك يجعلنا أكثر إدراكا بأن ما نسمعه ونقرأه يوميا في نشرات الأخبار عن سقوط الضحايا في الحروب والمعارك المستمرة حولنا ليس مجرد أخبار تروى ولا أرقام تحصى، كل فرد يموت من حولنا في هذه الحروب له أهل وأصدقاء وله قصة وحياة وطموح وأهداف كان من الممكن أن يحققها في حياته فينفع بها نفسه وينفع أمته، فإن أدركنا ذلك أليس علينا إذن أن نكتفي بما خسرنا ونوجه طاقاتنا نحو الحياة بدل توجيهها إلى الموت؟

لو لم يقرر شفيق الغبرا الإنسحاب من حياة النضال في الوقت المناسب فلربما كنا قد خسرناه كبقية من خسرنا من شباب ولما استطعنا أن نقرأ كتابه هذا… وغيره من مؤلفاته، لكنه عاد إلى وطنه واستمر في حياته وحصل على أعلى الشهادات ورجع ليربي أجيالا من الشباب (وأنا أحدهم!) ويثقفهم بالقضية التي آمن بها، بالتالي بدلا من أن يكون رقما آخرا خسرناه بالحرب أصبح إنسانا منتجا أفاد أمته وقضيته أكثر من فائدة جميع الرصاصات والمتفجرات التي كان سيوجهها لو كان بقي مرابطا في الجنوب اللبناني.

عندما تحدثت في مقالي السابق عن ثقافة الرماد وكيف أن الأفكار السائدة لدينا والداعية للعنف والمتباهية فيه هي واحدة من أخطر ما نواجهه اليوم من مشاكل تؤدي لحالة التخلف التي نعيش بها فإني أرى من خلال هذا الكتاب تجسيدا تاريخيا موثقا على كلامي، كما أرى بفكرة انسحاب شفيق الغبرا من دوامة العنف واختياره لطريق العلم والثقافة كبديل هي قمة النضج التي يجب أن نسعى إليه ونحاول زرعه في أجيالنا القادمة، لا أدري إن كان الغبرا ذاته اليوم سعيدا بقراره هذا ومقتنعا فيه أم نادما عليه، ولكني أنا سعيد به، وسأسعد بأي قرار مشابه له من أي شاب اليوم، سأسعد بأي قرار يسعى لزراعة الحب بدلا عن #زراعة_الكراهية.

ثقافة الزومبي

ثقافة الزومبي

أبسط جواب يأتيك عند سؤالك عن ما هو الزومبي هو أنهم “الأموات الأحياء”، ولكن هل تعلم ما هو تاريخ الزومبي الحديث وما هي الثقافة المتفرعة عنهم؟ وما هي علاقتهم بنا نحن “الأحياء الأحياء”؟

تحذير: هذا الموضوع قد لا يناسب أصحاب القلوب الضعيفة!

(more…)

Tintin تان تان

تان تان

شخصية تان تان تعتبر واحدة من أبرز الشخصيات البطولية التي أحببتها منذ الصغر ، بدأ حبي لهذه الشخصية من خلال قسم الكوميك في مجلة سعد و التي كنت أقرأها باستمرار في مكتبة المدرسة أيام الابتدائي ، و طبعا كان تان تان أحلى شي عندي بالمجلة وقتها 🙂 ، من أوائل القصص التي تابعتها من خلال مجلة سعد كانت قصة تان تان و كنز القرصان الأحمر ، للأسف الشديد لم أتمكن من متابعة القصة بالكامل في حينها ، على ما أذكر بأن الأخوة بالمجلة قرروا من كيفهم عدم الإستمرار بقصص تان تان و تحولوا إلى قصص آستركس… طبعا احنا يهال إشعرفنا!كانت القصص المنشورة في مجلة سعد تعتبر أول تعرفي على الشخصية بالعربي ، و لكن قبل ذلك كنت على اطلاع على الشخصية بالإنجليزي من خلال كتاب تان تان و بلاد الذهب الأسودو الذي كان موجودا في مكتبتنا و لست متأكدا إلى الآن إن كان من كتب أبي أو عمي ، طبعا أكثر ما كان يشد انتباهنا في هذه القصة هو ورود بعض الكلمات العربية فيها… و أكثرها شعبية كانت هذه الجملة :

حتى ميلو ينقد على الشيخ

عندما زرنا هولندا عام 1986 أصريت على شراء قصة تان تان و اكتشاف القمر من مكتبة الفندق ، طبعا كان هناك تردد بالبداية لأن القصة كانت باللغة الألمانية! و لكني أصريت و ألحيت و اشتريتها بالنهاية.. رغم إني لم أفهم كلمة مما كان مكتوبا بها… الصور كانت تعبر و الخيال كان حاضرا لترجمة النصوص ترجمة غير حرفية 🙂

خلال الثمانينات عرض تلفزيون الكويت حلقات تان تان الكرتونية مدبلجة للعربية ، كانت تلك الحلقات سحرية بالنسبة لي! تان تان… رسوم متحركة.. و بالعربي! جمال الدبلجة العربية لتان تان كان في كونها مترجمة من اللغة الفرنسية مباشرة و بالتالي احتفظ تان تان باسمه الفرنسي بدلا عن “تن تن” كما يسمى بالانجليزية ، و كذلك الكلب “ميلو” بدلا عن “سنوي” كما هو بالانجليزية.. فشكرا لمترجمي ذاك الزمان.


تان تان بالعربي

قبل بضع سنين قمت بشراء المجموعة الكاملة لحلقات تان تان على أقراص دي في دي ، و لكن للأسف خاب أملي عندما وجدتها مدبلجة باللهجة الأمريكية! بشكل عام إن كان لابد من الدبلجة للغة الانجليزية فأنا أفضل اللهجة البريطانية أكثر من الأمريكية.. فما بالك بتان تان الأوربي الأصل! كما أن الكرتون المدبلج للعربية هو الكارتون الأصلي الذي تم إنتاجه أواخر الخمسينات و بداية الستينات بينما الأمريكي فمنتج بين عامي 1991-1992.


تان تان باللهجة الأمريكية

تعتبر مغامرات تان تان إمتدادا لفن الإستشراق الأوربي و الإستشراق الحديث على وجه الخصوص ، فغالبية مغامرات تان تان تدور أحداثها في دول و مناطق بعيدة و غريبة على القارئ الأوربي ، فنجد تان تان (وهو صحفي بلجيكي على فكرة) يذهب في مغامرة على أرض التيبت تارة و في أمريكا اللاتينية تارة أخرى ، نجده في الإتحاد السوفييتي في إحدى مغامراته و بين مومياءات مصر في أخرى ، و طبعا تصل به مغامراته إلى القمر… و إلى أرض خيميخال العربية ، ليس بالضرورة أن يكون في تلك النظرة الإستشراقية إساءة لشعوب العالم التي يزورها تان تان ، فهو بالنهاية صحفي يبحث عن خيوط لحل ما جاء لأجله من قضايا ، و لكن طريقة تقديم المناطق الغريبة لا تخلو من عنصر التعميمات و الصور النمطية لتلك المناطق و شعوبها و ذلك أمر يعتبر طبيعيا في حينها و جاء نتيجة لأكثر من قرن من التراكمات الثقافية لأدب و فن الإستشراق ، جدير بالذكر أن مخترع شخصية تان تان هو الفنان البلجيكي هيرجي (أسمه الحقيقي هو جورجس ريمي) و نشرت قصصه خلال الفترة من الثلاثينات إلى السبعينات من القرن العشرين تقريبا ، أي من ما بعد الحرب العالمية الأولى و حتى أيام الحرب الباردة.

هذا العام بإذن الله سيطل علينا تان تان من جديد من خلال عمل سينمائي ضخم من إخراج المخرج العالمي ستيفن سبيلبيرغ ، الفلم سيقدم لنا تان تان لأول مرة بتقنية الأبعاد الثلاثية ، هو بالطبع ليس الفلم الأول لتان تان… و لكنه يمثل عودة له على الشاشة الفضية من بعد غيبة 39 سنة ، قصة الفلم الجديد ستحوي على قصص من ثلاث كتب… أحدها هو تان تان و جزيرة القرصان الأحمر التي حرمتني من متابعتها مجلة سعد 🙁


The Adventures of Tintin: Secret of the Unicorn – in 3D

من أحلامي (بعد مشاهدة الفلم الجديد) هي الحصول على هذه الكاميرا :

إصدار خاص من كاميرا لايكا مينيلوكس محفور عليها صورة تان تان ممسكا بكاميرا (يقال بأنها لايكا و أنها ظهرت في مغامرة تان تان في التيبت) مع صندوقها و شنطتها ، طبعا الحصول على هذه الكاميرا صعب لأنه لم ينتج منها إلا 200 نسخة في عام 1997… و لكن من يدري 🙂