الفنان المتفحم

الفنان المتفحم

الإنتاج الفني والثقافي يحتاج للمال! تلك حقيقة مؤلمة… لكنه واقع حالنا اليوم.

رومانسية فكرة أن الفنان هو ذلك العبقري المعقد المنزوي في مرسمه أو مكتبه مشعلا روحه من أجل أن يضيء ظلام الجماهير قد تروق للبعض… لكنها للأسف الشديد نوع من الوهم. فأن يخرج للناس فن جاد ومؤثر ويصل لجمهور كبير ويعرض بمعارض محترمة ويكتب عنه بالصحف والمجلات والمواقع المتخصصة وتتحدث عنه وسائل الإعلام التقليدية والحديثة هو أمر بغاية الصعوبة، ولا يعتمد على موهبة أو قدرات الفنان… بل يعتمد على مقدار الدعم الذي يحصل عليه.

والدعم يعني المال بشكل خاص، فكل شيء بعملية الإنتاج الفني يحتاج للمال. تكاليف الإنتاج الفني بكافة صوره كثيرة، تبدأ بعملية التعلم والتثقف عن طريق الدراسة الأكاديمية، الدورات والورش، الكتب والأفلام، زيارة المعارض والمتاحف والمهرجانات. بعد ذلك تكاليف عملية الإنتاج ذاته كالخامات، الأدوات، الأجهزة، البرامج… كبداية، ثم هناك مساحات العمل، التراخيص، أجور العاملين والمساعدين والفنيين، ناهيك عن الوقت المهدر الذي لا يقدر بمال! كل ذلك قبل أن يظهر العمل الفني للوجود. وطبعا حتى أبسط تلك التكاليف المتعلقة بأبسط أنواع الإنتاج الفني ليست سوى البداية، بعد انتهاء العمل هناك ميزانية ضخمة تنتظر التصريف من أجل أن يقدم ذلك العمل للجمهور بشكل “لائق” ويرضي الفنان الذي بذل جهده ووقته وماله وأعصابه وفكره من أجل الخروج بذلك العمل. فبعد ذلك تأتي تكاليف إخراج العمل كالطباعة، البراويز، التغليف، النقل، ومن ثم التكاليف الحاسمة المتعلقة بالتسويق، بأجرة صالات العرض، رسوم الاشتراك بالمسابقات، تكاليف السفر والنقل والبريد للمشاركات العالمية، تكلفة المطبوعات المساندة كالكاتالوجات والبوسترات، الهدايا والنسخ المجانية الواجب تقديمها من أجل التسويق… وغيرها الكثير من التكاليف المادية والمعنوية التي يتكبدها الفنان حتى يتفحم… وليس يحترق لينير الظلام!

كأني أسمعك تقول بأنه لا داع لكل تلك المصاريف، نحن اليوم في عالم الكمبيوتر والإنترنت، ضع عملك الفني على الإنستاجرام أو اليوتيوب أو المدونة وسيصل لملايين البشر! طيب وماذا بعد ذلك؟ العمل الذي أخذ مني وقتي وجهدي ومالي هل سيعوضني عنه حصوله على بضع آلاف من المشاهدات أو “اللايكات” ليغرق بعد ذلك بأيام في بحر النت العميق؟ لا أظن بأن هدف أي فنان جاد هو الحصول على لايكات المعجبين، لو كان كذلك فإن تحوله “لفاشينيستا” سيكون طريقا أسهل بكثير له.

صناعة الفنان أمر بغاية الأهمية للأمم الساعية للنهضة، وليست ترفا، وهي صناعة لا يخلو دستور من دساتير البلدان من ذكرها. هناك كلمة شائعة لدى كثير من الناس وهي أن الفنان يجب أن يعمل بصمت ولا ينتظر دعما من أحد… وذلك كلام فارغ بصراحة! الفنان من دون دعم هو فنان محبط… أهذا ما نريد؟ المزيد من المحبطين في البلد؟ ثم أن هناك ميزانيات ضخمة ترصدها الدول من أجل عملية الدعم هذه، فهل سألت نفسك أين تصرف هذه الميزانيات؟ وكيف؟ وعلى من وماذا؟

كثير من الدول لديها مؤسسات رسمية تحاول دعم الفنانين والمبدعين بل وحتى الرياضيين والعلماء، لكن واقعيا، وفي كل مكان بالعالم، تلك المؤسسات تعاني بكثير من الأحوال من أمراض انتقلت لها عدواها من المجتمع الذي تتواجد في وسطه. فتعاني من التمصلح والمحسوبية والتأثر بالعلاقات الاجتماعية الشخصية والتأثر بالتوجهات السياسية أو العقائدية أو الطائفية أو العنصرية، وذلك أمر طبيعي… ليس سليما… لكن طبيعي بسبب التركيبة الثقافية للمجتمع. علينا كذلك أن نتكلم بصراحة ونقول بأن المؤسسات الرسمية أو شبه الرسمية ستسعى بطبيعة الحال لتشجيع نوع معين من الفنون قريب في غالب الأمر من التوجهات الفكرية والسياسية… “الرسمية”، وبالتالي وضع بعض القيود على المبدع أو الفنان تجعله في حالة من عدم الراحة!

ماذا عن المؤسسات الخاصة؟ الجاليريهات والأستوديوهات ودور النشر والمطابع ومساحات العمل والمعاهد الفنية الخاصة؟ ألا تقدم المساعدة للفنانين والمبدعين؟ نعم، تقدم المساعدة… لكن ليس ببلاش! فتلك المؤسسات الخاصة، في كل مكان في العالم، تبقى مشاريع تجارية، أي أنها حتى إن لم تسعى للربح فهي ستحاول تجنب الخسارة، فوراءها إيجارات ورواتب وفواتير يجب أن تدفع آخر الشهر، بالتالي لن تقدم “المساعدة” للفنانين راجية الأجر من الله! فرغم أن تلك المؤسسات تستفيد ماديا ومعنويا من تعاونها مع الفنانين والمبدعين إلى أنها في أغلب الأحيان تحملهم كذلك مصاريف تعاونها معهم. أضف لذلك أن تلك المؤسسات الخاصة مطلوب منها أن تنظر للأمر نظرة تجارية، فمن غير المعقول أن تعامل فنان ببداية طريقه الفني كمعاملتها لفنان “كبير” له جمهوره وسوقه الذي يرجى من ورائه منفعة. طبعا هذا ناهيك عن المصالح والشخصانية والمحاباة والتحيز وغيرها من الأمراض التي قد تشترك فيها بعض هذه المؤسسات الخاصة مع المؤسسات الرسمية، لكن ذلك ليس موضوعنا في هذا المقال. يجب أن أضيف كذلك بأن تلك المؤسسات الخاصة “زين منها” استمرارها بهذا المجال ضئيل الربح في أغلب الأحيان، يعني بإمكانها بسهولة أن تتحول إلى كافيهات أو معارض لبيع الدراعات أو الأثاث وتحقق أضعاف ربحها الحالي!

في الدول “المحترمة” اعتماد الفنانين والمبدعين ليس على “الحكومة” بشكل مباشر، لأن “المركزية” في تلك الأمور فكرة سيئة! بل الاعتماد يكون على المؤسسات الأهلية. المؤسسات الأهلية هي مؤسسات غير ربحية وجدت لتخدم فكرة أو فئة معينة بشكل واضح ومنظم وشفاف. نجد مؤسسات تركز على دعم فنون وتراث الأقليات مثلا، أو دعم فن الشباب الجامعي، أو دعم الفنون في الأحياء الفقيرة، أو مؤسسات تدعم الفن المعاصر، أو تدعم أدب الطفل أو تدعم السينما التجريبية… وهكذا. طبعا يشرف على تلك المؤسسات الخبراء والمتخصصون والناس الفاهمة… وليس موظفي الحكومة! تمويل تلك المؤسسات قد يعتمد جزئيا على الدعم الحكومي، أو على دعم مؤسسات أكبر منها، لكن جزء مهم من الدعم يأتي من أفراد المجتمع ذاتهم، وذلك أمر هام جدا.

اشتراك المجتمع بدعم الفن والأدب والثقافة أمر بغاية الأهمية، فذلك الدعم يجعل الفن جزءا من ثقافة ذلك المجتمع، يشعره بأهميته، يزيد من تقديره له. والعكس كذلك صحيح، الفنان المدعوم من قبل “الناس” سيتقرب منهم، سيعبر عنهم، سيتحمل مسؤولية أفكارهم وقضاياهم واهتماماتهم… بطريقته وفكره وأسلوبه وإبداعه الخاص طبعا! وذلك، برأيي، أفضل بكثير من الفنان الأناني أو المنعزل أو المنسلخ تماما عن المجتمع، أو الفنان التابع أو المدافع عن… الحكومة!

السؤال الآن… هل نحن كشعوب مستعدون لدعم الفنانين والمبدعين والمثقفين؟

ذلك سؤال كبير جدا ولا أملك له جوابا شافيا، لكني حاولت القيام بعملية استشفاف سريع لتوجهات الناس بهذا الخصوص. عندما أقول “الناس” فأنا أعني من يتابعوني على موقع تويتر 🙂

وضعت قبل أيام قليلة استبيانا بسيطا سألت فيه الناس مدى تقبلهم لفكرة تقديم تبرعات مادية لدعم عمل فني أو ثقافي، فكانت النتائج كما يلي:

تبرع لعمل فني

بداية من الواضح أن هذا الاستبيان ليس دراسة أكاديمية معتمدة، يجب أن أذكر ذلك بوضوح لكوني أستاذ جامعي وباحث أكاديمي، لكنه قياس بسيط لتوجه من يتابعوني أو يتابعون متابعيني على تويتر، وهم فئة بسيطة جدا من فئات المجتمع.

الآن، كيف نقرأ تلك النتائج؟

نلاحظ أولا أن ١٨٪ فقط من المشاركين لديهم استعداد تام وغير مشروط لتقديم الدعم لأي عمل فني أو ثقافي، يمكن القول أن هؤلاء هم المؤمنون بأهمية الفن والثقافة كفكرة مجردة بغض النظر عن أهداف ذلك الفن أو شكله.

١٦٪ لا يفكرون بدعم المشاريع الثقافية لاعتقادهم بوجود أشياء أهم تستحق الدعم، أي أنهم غير مؤمنين بأن الفن أو الثقافة ذوات أهمية كبرى مقارنة بمساعدة المحتاجين أو المساكين أو اللاجئين وغيرهم. ١٠٪ لديهم نوع من الاهتمام بالدعم، لكنهم لا يستطيعون المساعدة بسبب ظروفهم الخاصة. من ذلك يمكننا القول أن ٢٦٪ من الشاركين لن يقدموا دعما لعمل فني أو ثقافي لو طلب منهم ذلك.

الآن، النسبة الأكبر والأهم، ٥٦٪، أكثر من نصف المشاركين، يربطون بين دعمهم للعمل الفني أو الثقافي وبين كون ذلك العمل “هادفا”. أثار هذا الخيار تسؤلات عدة، فكيف نعرّف ما هو العمل الهادف؟ طبعا كون العمل “هادفا” غير مهم بالنسبة لنا، لأن كل منا له تعريف مختلف لما هو هادف، لكن الغرض من هذا الخيار هو استشفاف وجود ارتباط مشروط بين تقديم الدعم وبين الإيمان “بفكرة” العمل المقدم. بمعنى آخر “لن أقدم الدعم لأي سائل، لابد من أن “يعجبني” ما سيقدم حتى أعطيكم من مالي!” أي أن هؤلاء الأغلبية لن يسارعوا بمد أيديهم لجيوبهم بمجرد أن يطلب منهم أحد ما تبرعا لدعم عمله الفني، وتلك نقطة هامة.

جماعة العمل “الهادف”، على خلاف جماعة “أفا عليك”، إيمانهم ليس بالفن كفن أو الثقافة كثقافة، بل إيمانهم هو برسالة ذلك الفن وتلك الثقافة، أي الفن والثقافة بالنسبة لهم هي أدوات وليست غايات. لن أناقش أي الفريقين أفضل أو أيهم على حق… فذلك موضوع كبير ومختلف، لكن يجب أن نفهم كيف نتعامل مع كلا الفريقين.

الغالبية الساحقة من المشاركين لن يقدموا الدعم لعمل إلا بعد اقتناعهم بفكرته، وذلك يعني أن على الفنان أن يكون قادرا على إقناع الناس بما يقدم، أي يجب أن يأسرهم بعمله أو يقنعهم بأهميته، وتلك مهارة من المفترض أن يكون الفنان قد تدرب عليها. ليس جميع الفنانين لديهم تلك القدرة أو المهارة.

وهنا يأتي دور المؤسسات الأهلية التي ذكرتها أعلاه، فمن الأسهل أن يقتنع الناس بفكر مؤسسة يشرف عليها خبراء مختصون، وتحمل أجندة واضحة وشفافة، فيقدمون لها أموالهم بثقة أكبر لعلمهم بإنها ستدير تلك الأموال ناحية ما يوافق تعريفهم لما هو “هادف”. 

بشكل عام، رأيي أن الوضع الحالي ليس جيدا للفن والثقافة، بل هو وضع محبط للكثير من المبدعين، وهو وضع لن يتحسن ولن يتطور إن بقيت الأمور على ما هي عليه. تكاليف الفن عالية جدا… وستستمر بالارتفاع، مؤسسات دعمه الرسمية وشبه الرسمية تعاني من مشاكل عدة، المؤسسات الفنية الخاصة تركز على الجانب التجاري وغير مهتمة بفكرة دعم غيرها… لأن “اللي فيها مكفيها”، والمؤسسات الشعبية هي العامل الناقص لدينا، وعلينا أن ننتظر ظهورها حتى نعيد تقييم الوضع، فهل سنحبس الأنفاس حتى ذلك الوقت؟

الاستنساخ الفني

الاستنساخ الفني

Barack_Obama_Hope_poster الأمل

أغلبنا يعرف البوستر في أعلى هذا الموضوع، إنه بوستر “الأمل” (Hope) الذي انتشر أيام الانتخابات الرئاسية الأمريكية لعام ٢٠٠٨ والتي تظهر فيه صورة الرئيس الأمريكي باراك أوباما (المرشح في حينها) بالألوان البوسترية المبسطة، مصمم البوستر هو شيبارد فايري وقد بنى تصميمه هذا مستعينا بإحدى صور التي حصل عليها – أغلب الظن – من الإنترنت… وهنا مكمن المشكلة، الصورة الأصلية التي استعان بها شيبارد نشرت بواسطة شبكة الأسوشيياتِد برِس الإخبارية قبل عامين من ظهور التصميم، شيبارد طبعا ظن بالبداية بأن مشروعه البسيط يدخل في إطار ما يسمى بالاستخدام العادل للعمل الفوتوغرافي (fair use) وبالتالي فإنه لا مشاكل قانونية ممكن أن تطاله، لكن هذا الكلام ما مشى على الأسوشييتد برس التي أعلنت عام ٢٠٠٩ عزمها على مقاضاته بدعوى انتهاك حقوق للملكية الفكرية، بعد مباحثات بين الطرفين تم الاتفاق على حل الإشكال خارج المحكمة دون الإفصاح عن تفاصيل هذا الإتفاق… لكن من الواضح أنه اتفاق يرضي الجميع ويستفيد منه الطرفين.

(more…)

من فنون الأزمات: بوب مارلي والحب الواحد

من فنون الأزمات: بوب مارلي والحب الواحد

bob marley Michael Manley Edward Seaga One Love

الكثير من الفنانين على مر العصور تناولوا موضوع السلام في أعمالهم، لكن هناك فرق بين أن يقدم الفنان عملا يعبر فيه عن أحلامه وطموحاته بتحقيق السلام وبين أن يقدم عملا يعتبر واقعيا إحدى لبنات سلام قد تحقق بالفعل، فرق بين أن يكون السلام المنشود أملا مستقبليا وبين أن يكون حقيقة ملموسة يراها الجمهور ويشعر بها ويتأثر.

(more…)

من فنون الأزمات: تحت النار

تحت النار

لا أستطيع أن أتقبل الفكرة الشائعة بأن الأزمات هي عدوة التنمية والتقدم والتطور البشري، الكثير من الشعوب تستخدم (اًو يستخدم لها) عذر مرورها بأزمات اقتصادية أو سياسية أو حتى إنسانية كشماعة لتبرير ما تعانيه من تخلف اجتماعي أو ثقافي أو علمي، أوردت في مقال الصورة الكبيرة مثال شماعة الغزو التي كنا في الكويت في فترة التسعينات نستخدمها كمبرر لجميع مشاكلنا من مبانينا المتهالكة حتى ارتفاع نسبة الطلاق وانتشار “العادات الغربية”، وهذه الشماعات نراها مستغلة في العديد من مناطق العالم المتأخر حضاريا (أكره استخدام هذا المصطلح ولكني الجأ له هنا لأسباب يطول شرحها)، الدول العربية مثلا ظلت تلوم الحروب والاستعمار والتأثير الصهيوني وتسلط الحكام الديكتاتوري وتعتبر هذه العوامل من أهم أسباب تخلفها الحضاري، كذلك الأمر في الدول الأفريقية والكثير من الدول الآسيوية بشكل أو بآخر، هذه الأزمات والمشاكل بالتأكيد أثرت بشكل جدي على حياة هذه الشعوب لأنها تمس اقتصادها واستقرارها السياسي وحتى أمنها، ولكن هل هناك علاقة مباشرة بين شل هذه الأزمات “لماديات” البلد وبين شلها “لعقول” شعبه؟

الحربين العالميتين ونسبية الحاجة

الحربين العالميتين هزتا أوربا وشلتا اقتصاد دولها.. بل واقتصاد العالم أجمع (بما في ذلك الكويت)، طاقات الدول استزفت في سبيل المجهود الحربي ولم يتبق للناس من الأموال الا ما يسد الرمق، هناك تقليد في بريطانيا وقت الكريسميس بأن توضع للأطفال في جورب الهدايا “برتقالة”، أصل ذلك التقليد – كما تذكر بعض الروايات – يرجع لأيام الحرب العالمية الثانية حيث كان الآباء لا يملكون المال لشراء الهدايا الثمينة لإسعاد أطفالهم بالمناسبة فيلجأون لتقديم برتقالة كبديل لذلك! أثناء هذه الفترة العصيبة من حياة البشرية لم يكن هناك مجال للترف ورغد العيش، حتى التجار وملاك المصانع والمزارع كانت تمارس عليهم الضغوط من قبل الحكومات للمشاركة بالمجهود الحربي، لكن هل معنى تعطل الترف أن التنمية الحضارية أيضا توقفت؟ هل انتظرت البشرية الحرب لتنتهي قبل أن تمارس الإبداع والابتكار؟

من الكليشيهات المتداولة هي مقولة أن الحاجة أم الاختراع، وذلك ليس دائما صحيح حرفيا برأيي، فالحاجة بالنهاية أمر نسبي كما سأوضح لاحقا، العلوم مثلا خلال فترة الحربين العالميتين تطورت بشكل خاص لخدمة الحرب في مجالات الطيران والمواصلات والاتصالات والملاحة الحرية والطب بالإضافة لصناعة الأسلحة التقليدية وغير التقليدية، كما تم تطوير المصانع وخطوط الإنتاج لتواكب الطلب الكبير على المنتجات الحربية، هذا التطور العلمي والتكنولوجي بالطبع لم تقتصر فائدته على الحروب فقط، فبعد انتهاء الحرب تمت إعادة تأهيل هذه الصناعات والتكنولوجيات لصالح الخدمة المدنية للبشرية، الكثير من المصانع التي كانت تصنع الدبابات والطائرات الحربية أثناء الحربين تصنع اليوم أرفه السيارات وأحدث الطائرات المدنية، أضف لذلك الأدوية والعلوم الطبية التي طورت لعلاج الجنود ووقايتهم من الأمراض وآثار الحروب الكيماوية والبيولوجية التي إما إنها مازالت تستخدم إلى الآن أو كونت نواة للعلوم المستخدمة ليومنا هذا، هل هذه العلوم والتكنولوجيا الحربية حاجة أم ترف؟ برأيي أنها تجمع الإثنين معا، قد ينظر لها على أنها حاجة من أجل تحقيق غاية حفظ الأرواح والإنتصار بالحرب، ولكن حتى بدون تطوير هذه العلوم فإن الحرب ما كانت لتقف، كان بالإمكان الإستمرار بحروب السيوف والبنادق البدائية – كما كانت حالتنا كعرب ومسلمين في تلك الفترة – دون وجود “حاجة” للتطوير، إذن الحقيقة التاريخية تبين لنا أنه كان هناك اختيار وقرار لتطوير الذات، البعض آثروا أن يستمروا بالتطور والإبداع رغم ظروفهم الصعبة وآخرين لم يفعلوا ذلك رغم تشابه الجميع من ناحية “الظروف”، فريق اعتبر العلوم “حاجة” تمخضت عن اختراعات ساهمت في نصرته العسكرية، وفريق ربما اعتبر حاجاته عبارة عن أموال وأراض ومحظيات أو اعتبرها عقائد وأخلاقيات وقيم تمخضت عن قصص وأمجاد وتضحيات، كلا الفريقين ركزا على حاجاتهما ففازا بها… فهنيئا لكل فريق بما فاز.

لو كان التطور مقتصرا على العلوم والتكنولوجيا الحربية لكان الأمر منطقيا وأبسط تفسيرا، لكن التنمية الحضارية التي أريد التركيز عليها في سلسلة مقالاتي هذه لا تقتصر على ذلك، هل توقف تطور العلوم الإنسانية أثناء الحرب في أوربا؟ ماذا عن الأدب؟ ماذا عن الفن؟ سأخصص لفن وفناني الحروب مقالا منفصلا، لكني سأركز الآن على تطور “الفكر” الفني كأحد مجالات الفكر الإنساني خلال وبعد فترة الحربين العالميتين.

النسيج

يجب الأخذ بعين الإعتبار بأن الفكر الإنساني لا يمكن أن يقسم على شكل فترات أو مراحل منفصلة، أي إننا عند الحديث عن الفكر الإنساني المتعلق بالحرب فإن هذا الفكر لم يهبط من السماء أثناء تلك الفترة لينقطع بعد انتهائها، بل يعني أن الحرب كانت واحدة من العوامل التي أثـّرت على مسار خيوط النسيج الفكري، ذلك النسيج مترابط ومتداخل وممتد دون انقطاع منذ بدأ التاريخ إلى أن يرث الله الأرض وما عليها، لا يمكن لخيوط هذا النسيج أن تقف.. بل إنها مستمرة بالحركة وإن تغير اتجاهها ومدى تعقدها و”تكلكعها”، الحروب والأزمات تدخل كمؤثر على مسار الفكر وتتفاعل مع مقوماته الراسخة كالتاريخ والدين والاقتصاد والتجانس الاجتماعي والتقدم العلمي وغيرها من مكونات الفكر (أو الثقافة)، فالفكر الإنساني هو خليط معقد متعدد المكونات ولا يمكن اختزاله بمؤثر واحد أو حده بزمن أو رقعة جغرافية ضيقة، ذلك الخليط “الهجين” يجعل من الفكر والثقافة “عملية” مستمرة دائمة الحركة وليس “نظاما تربويا” جامدا. تجاهل هذه الفقرة.

مؤثر الحرب

أثرت الحربين العالميتين على الفكر الفني بشكل كبير، ففي حين كان الفنانون الغربيون يجاهدون للتخلص من قيود الفنون الأوربية الكلاسيكية بجمود مواضيعها ورتابة تشكيلاتها من خلال اختراع حركات فنية جديدة ثائرة عليها (كالتأثيرية والرمزية) جاءت الحرب لتنسف فكرة الفن من أساسها! الحرب بما صاحبها من فوضى وتحطم لآمال الإنسانية كانت محفزا ساهم في تسريع وتضخيم الثورة الفنية التي كانت قد ابتدأت في نهايات القرن التاسع عشر، قد يتوقع البعض بأن أزمة شديدة كالحرب العالمية الأولى كفيلة في القضاء على أي أمل في تطور “ترف” فكري كالفن، فهاهي الناس تموت تحت نيران القصف والشعوب تشرد والمدن تدمر والقرى تحرق والأطفال تجوع… فمن هو ذلك “الفاضي” الذي تحت وطأة كل ذلك عنده مزاج لأن يرسم وينحت ويبدع؟! ومن تحت وطأة كل ذلك لديه من العقل ليس فقط لدراسة الواقع.. بل لتطويره والنهوض به؟ بالنسبة للعلوم فقد افترضنا جدلا أنها كانت حاجات ولدت اختراعات، لكن الفنون – جدلا أيضا – عقيمة لا تلد… لأنها ليست حاجة، أليس كذلك؟ لا أظن، كونها تطورت خلال الحرب (كما سأثبت لاحقا) فهذا يعني أحد أمرين: إما أن مبدأ “الحاجة أم الإختراع” مبدأ خاطئ، أو أن الفنون هي بالفعل حاجات ضرورية وليست من الكماليات! سأترك لكم اختيار أحد هاذين الافتراضين وسأنتقل إلى ضرب أمثلة على تطور الفن أثناء الحرب وبعدها.

Marcel Duchamp, Fountain, 1917

Marcel Duchamp, Fountain, 1917

دادا وما بعدها

لعل واحدة من أشد الأفكار الفنية تأثرا بالحرب كانت “الدادية”، كلمة الدادية أو الدادا ليس لها معنى، فهي فكرة تخالف المعنى أصلا وتقف ضده، هي حركة فوضوية، فكما أن الحرب بالأساس سخافة لا معنى لها جاءت هذه الفكرة وكأنها تردد قول أبي العتاهية:

إنما الدنيا على ما جبلت .. جيفة نحن عليها نصطرع

من أبرز فناني هذه الحركة وروادها هو مارسيل دوشامب ، Marcel Duchamp أحدث دوشامب ضجة عندما شارك في معرض جمعية الفنانين المستقلين عام ١٩١٧ بعمل عبارة عن مبولة (مكرم السامع)… وليته كان قد صنعها بنفسه.. بل انه اشتراها من السوق ووقعها (أو تم توقيعها له) وسلمها للجنة المعرض بعد أن أطلق على العمل اسم “نافورة”، ما قام به دوشامب يمثل انقلابا على النظرة التقليدية للفن، ففي حين كان ينظر للفنان في الغرب على انه هو المبتكر والمبدع وهو من يفرض رؤيته على الجمهور حاول دوشامب تغيير هذه النظرة ليؤكد على أهمية “الجمهور” في إدراك قيمة العمل الفنية، نافورة دوشامب مثلا لا يمكن اعتبارها عملا فنيا إلا إذا آمن المشاهد بأنها كذلك، وكلمة المشاهد هنا تشمل راعي الفن ومنظم المعارض والناقد بالإضافة إلى المشاهد العادي.

فكرة دوشامب هذه لم تقف عند هذا الحد بل استمر نقاشها ونقدها وتطورت حتى أتحفنا رولاند بارت Roland Barthes في الستينات من القرن العشرين (بعز أيام الحرب الباردة) بمقالته الشهيرة “موت المؤلف Death of the Author”، والموت هنا ليس حرفيا… بل إن ما يقصده بارت هو موت أهمية المؤلف أو مبدع العمل، يرى بارت بأن جميع العناصر المكونة للثقافة (كاللغة مثلا أو عناصر العمل الفني) عبارة عن رموز مكررة موجودة بالطبيعة ويستطيع الكل إدراكها والتعامل معها، ما يقوم به المؤلف أو الفنان هو مجرد خلط لهذه الرموز، لذلك فالمؤلف لم “يخترع” شيئا جديدا… فهو مجرد خلاط! وهذا الأمر تستنتج منه عدة أمور.

ألم تشاهد يوما عملا فنيا “سخيفا” عبارة عن شوية شخابيط يباع بمئات آلاف الدولارات؟ ألم تفكر يوما “حتى ولدي الصغير يعرف يسوي جذي!”؟ وهذا تفكير سليم.. ولدك الصغير قد يعرف أن ينتج عملا مشابها… وأنت أيضا تستطيع أن تنتج عملا أفضل منه… ولكنك لم تفعل! الأفكار موجودة ومتاحة للجميع كما ذكرنا… ولكنك – كمؤلف – لم تكن متواجدا لتقوم بذلك… لكن الفنان بو الشخابيط هو من سبقك إلى تأليف خلطة الأفكار تلك وجسدها بشكل عمل فني له قيمة تقدر بمئات آلاف الدولارات.

فكرة أخرى تستنتج من نظرية بارت هي أن معرفة الفنان نفسه وتاريخه وخلفيته الثقافية وحالته النفسية جميعها أشياء غير ضرورية، المهم هو العمل المراد دراسته وليس منتِـج هذا العمل والبيئة التي خرج منها، لذلك يجب التركيز على رموز العمل ذاتها ومحاولة إدراكها كما هي حسب فهمنا لها، هذه الفكرة تناقض الكثير من الأفكار النقدية السابقة لها مثل المونوجرافية التي تدرس سيرة المؤلف (وهي منتشرة بثقافتنا العربية بشكل كبير جدا!) أو الإجتماعية الماركسية التي تدرس تأثير الحالة الطبقية أو النفسية الفرويدية التي تدرس تأثير نفسية الفنان وعقده على أعماله… والعديد من النظريات النقدية الأخرى.

المخاض

شخصيا قد لا أتفق مع كلام بارت ولي عليه عدة مآخذ ليس هنا مجال ذكرها، ولكن ما يهمنا هنا هو مبدأ استمرارية التطور في الفكر النقدي وتأثر النقاد والفنانين ببعضهم البعض، ذلك التطور الفكري – وهو أحد أهم أسس التقدم الحضاري – كما شاهدنا وسنشاهد بمقالات قادمة لم يتوقف أو يتراجع بسبب أزمة أو حرب، الفكر والفن والأدب والنقد وحتى العلم ليسو ترفا يركن جانبا إذا ما جاع الإنسان أو خاف أو اكتأب وتحبط، بل هي حاجات ضرورية لا تنفك أن تلد الإختراع تلو الآخر، من ينشد تقدما حضاريا لا ينتظر حتى “تهدأ” الأمور ويعم السلام والاستقرار وتحل الأزمات ويفرجها الله ويزورنا المهدي أو سوبرمان… ويصحى الحبيب! بل العكس تماما… الأزمات والحروب والضوائق كانت دائما ملهمة الفنانين والأدباء والشعراء على مر العصور، من نهض وبادر وتحرك وقت الأزمات هو من مازال يذكره التاريخ، ومن رعى واهتم ونجح في تشجيع هذه الحركات هو من انتصر، أما من آثر الجلوس في مقعد الاحتياط بانتظار الفرج فلم يترك لنا أثرا نذكره به، تلك الحقيقة البسيطة هي أوضح ما يمكن أن نقرأه في التاريخ، وإن لم ننتبه لهذه الحقيقة فإننا لا نكون قد استفدنا من قراءاتنا سوى شعورنا اللحظي بنشوة الأمجاد الزائلة… والحضارة لا تبنى بنشوة.

من فنون الأزمات: الجورنيكا

بابلو بيكاسو، الجورنيكا، ١٩٣٧

بابلو بيكاسو، الجورنيكا، ١٩٣٧

الزمن: ربيع ١٩٣٧
المكان: قرية جورنيكا، منطقة الباسك، إسبانيا

في خضم الحرب الأهلية الإسبانية طائرات من قوات الجيش الألماني والإيطالي الفاشية تقصف القرية المسالمة مخلفة مئات القتلى ودمارا شاملا لها، أخبار وصور الدمار تنتشر في الصحف العالمية، كارثة إنسانية مرعبة!

كردة فعل على هذه الكارثة.. الحكومة الإسبانية تكلف فنانها بابلو بيكاسو برسم عمل فني يعبر عن حجم المأساة ليتم عرضه خلال معرض باريس الدولي.

النتيجة: أحد أعظم الأعمال الفنية الإنسانية في تاريخ البشرية

العمل عبارة عن جدارية زيتية ضخمة (أكثر من سبعة أمتار عرضا وثلاثة طولا) إمتازت بألوانها السوداء القاتمة، لم يحمل بيكاسو هم نقل العمل إلى باريس لأنه كان يعيش فيها وقت ورود خبر الكارثة إليه، لذلك بيكاسو لم يشهد الحادثة ولكنه شاهد صورها بالصحف الباريسية.. ولعل هذا يمثل أحد تعليلات اختياره للتون الأسود تأسيا بالصور أحداية اللون التي طالعا بالجرائد.

تحوي اللوحة على العديد من الرموز المعبرة عن المأساة، المباني المحترقة، النساء الباكيات، أناس في أوضاع ما بين الهلع والألم والموت، حصان يصرخ، أضواء لمبة وشمعة، ثور إسباني.. وغيرها، تحليلات تلك الرموز لا تنتهي، ولا يتطلب الأمر أن تكون خبيرا بالنقد الفني حتى تكتشف مدى الأسى والألم والتحدي الموجود فيها.

خلال الحرب العالمية الثانية كانت القوات النازية – كما يقال – تمنع نشر وتداول اللوحة لأنها كانت تستخدم بالمناشير المناهضة للنازية، يحكى كذلك أن القوات النازية كانت تتحرش ببيكاسو حتى سأله أحدهم عن صورة للوحة كانت معلقة بمنزله في باريس: “أنت صنعت هذه اللوحة؟”، فأجابهم بيكاسو: “كلا، أنتم صنعتوها!“.

بعد باريس انتقلت اللوحة لتعرض في دول مختلفة حول العالم لتستقر في الولايات المتحدة، في عام ١٩٦٨ أبلغ الديكتاتور الإسباني فراشيسكو فرانكو بيكاسو بأمله أن تنتقل الجورنيكا لتستقر في إسبانيا، لكن بيكاسو رفض ذلك وأخبره أن انتقال اللوحة إلى إسبانيا مقرون بشروط.. أهمها عودة الديموقراطية إلى إسبانيا لتصبح جمهورية مرة أخرى! وبالفعل، لم تدخل الجورنيكا إسبانيا إلا بعد وفاة فرانكو وما زالت هناك حتى اليوم.

في عام ١٩٥٥ طلب الرئيس الأمريكي نيلسون روكفيلير من بيكاسو أن يبيع اللوحة حتى يتم عرضها في مبنى الأمم المتحدة، لكن بيكاسو رفض بيع اللوحة، عوضا عن ذلك أنتج نسخة “نسيجية” منها وضعت عند مدخل قاعة مجلس الأمن، في عام ٢٠٠٣ وأثناء مؤتمر صحفي سبق الحرب على العراق تمت تغطية اللوحة بستارة زرقاء، المسؤولون ذكروا أن سبب تغطية اللوحة كان لكونها تسبب تشويشا للمصورين، لكن النقاد ذكروا أن سبب محاولة إخفائها هو التناقض بين المؤتمر الذي جاء ملوحا بالحرب وبين اللوحة التي طالما رمزت للسلام ولقبح الحروب وآثارها المدمرة للبشرية.

The Prophesy in Khalifa Qattan’s Deep Wound

Khalifa Qattan, The Deep Wound, 1984

During [1. This analyses of Qattan’s work is an extract from my History of Art PhD thesis.] a period of personal depression in the 1980s, Khalifa Qattan produced what has become one of his most famous paintings, The Deep Wound, pictured above. The painting contains several elements which I will first point to, and then discuss how they were analysed symbolically by Lidia Qattan, adding my own thoughts on their possible interpretation.
 

خلال الثمانينات من القرن العشرين قام الفنان الكويتي خليفة القطان برسم إحدى أشهر لوحاته والتي أطلق عليها اسم “الجرح العميق”، اللوحة في ذلك الوقت كانت تعبر عن حالة الإحباط التي كان يعاني منها الفنان نتيجة لظروف خاصة كان يمر بها، تحوي اللوحة على الكثير من الرموز التي سأقدم لها شرحا وتحليلا في هذا المقال مستعينا بكتابات الفنانة والكاتبة ليديا القطان.

 
It is a self-portrait in which an imprisoned, long-bearded and wounded Qattan looks straight at the viewer. The main figure is faced by six Arabian men observing him, with some sort of an animal. There is also a whirlpool, from which a figure similar to a Jinni is emerging (or being sucked in), and a fiery cave with another figure hanging upside-down from its feet. Two strange looking tree trunks can be seen: one green and decayed or cut, and one red and carrying an egg-shaped white object. The green tree trunk looks like a hand reaching for the taller red one. In the background we see a cracked wall and a pillar of fire and smoke. On the two prison bars the figure is holding is written in Arabic: ‘Happened 9-12-1983 Khalifa‘ and ‘Painted 9-2-1984 Qattan‘. It is very rare for Qattan to sign and date his work, therefore one is led to believe that the writing on the bars is not a mere signature, but part of the work itself. The date and signature are another symbol (or in Peircean theory an indexical sign), placed intentionally in the painting by Qattan. Lidia Qattan tells us that the artist painted this work ‘as a spontaneous reaction to a traumatic experience that befell Khalifa and left a deep scar in his soul‘.[2. Lidia Qattan, Prophosy of Khalifa Qattan, Kuwait, 1991, p. 84] We do not know what the direct cause of this traumatic experience was. Khalifa and Lidia Qattan on the other hand have associated this painting with events that happened more than six years later, giving it what could be called a ‘prophetic’ merit.
 

العنصر الأساسي للوحة هو رسم ذاتي للفنان، نراه في منتصف اللوحة وقد أطال لحيته وأطل علينا عبر قضبان كتب على أحدها “حدثت ٩-١٢-١٩٨٣ خليفة” وعلى الآخر “رسمت ٩-٢-١٩٨٤”، من المعروف أنه من النادر جدا أن يقوم الفنان خليفة بالتوقيع على أعماله أو تأريخها، وذلك يجعلنا نوقن بأن تأريخ هذه اللوحة له دلالة رمزية ولم يأت اعتباطا، كأن الفنان هنا يريدنا أن نأخذ عامل الوقت بالحسبان عند قراءة هذه اللوحة، تحوي اللوحة كذلك العديد من العناصر الغريبة مثل الجرح على صدر الفنان والريشة في جيبه، تحوي كذلك على عناصر مثل ست رجال بالزي العربي ومعهم حيوان صغير، وعناصر مثل الزوبعة والجني والكهف والنيران المشتعلة وشجرتين حمراء وخضراء. رغم أن هذا العمل أنتج عام ١٩٨٤ إلا أن ليديا القطان تذكر لنا بأن هذا العمل – بطريقة ما -قدم لنا تنبؤا لأحداث حدثت بعد أكثر من ست سنوات لاحقة.

 
The symbols of The Deep Wound, though intentionally chosen by the artist as a representation of a personal ‘traumatic experience‘, were in 1991 read in a different way. In The Prophesy of Khalifa Qattan, Lidia Qattan interprets the symbols of The Deep Wound as relating to the events of the Iraqi invasion of Kuwait, which started on August 2nd, 1990. According to Lidia Qattan’s analysis, the sadness on the figure’s face represents the feelings of Kuwaitis after the tragic events that followed the invasion; there is the shock of the event itself and of the atrocities that followed it. The long beard resembles the appearance of many Kuwaiti men who let their beards grow during the months of the occupation due to a general feeling of depression or to the lack of men’s toiletries, which started to run out before the end of the occupation. The wound on the figure’s chest signifies the stab of the Arab neighbour, and the hands holding the green bars signify the solidarity of Kuwaiti people during the months of the crisis. The six Arabian spectators, according to Lidia, stand for the six Arab nations who stood with Saddam against Kuwait in the meetings of the Arab League, the countries of Al Dhed (الضد opposition) as they became known to Kuwaitis [3. The countries of ‘opposition’ are those Arab countries that did not support the Arab League resolution passed on 3/8/1990 condemning the Iraqi invasion of Kuwait. Those countries are: Jordan, Yemen, Sudan, Tunisia, Libya, Algeria, Mauritania, Iraq and the Palestinian Liberation Organisation.], and the small animal represents the Palestinian Liberation Organisation, since Palestine was not a country in its own right. The crack on the wall can also be interpreted as a symbol of the rift that opened up between the Arab nations as a result of this war. The whirlpool and the figure emerging from or being sucked into it is Iraq, with all the trouble caused to it by this war. The tortured figure hanging from its feet represents the mutilated bodies of Kuwaiti and Arab men and women who had been tortured by the Iraqi soldiers and intelligence agents (Mukhabarat). The tall red tree, according to Lidia Qattan, symbolises the hand of the Kuwaiti resistance, holding a bomb or explosives, while the green one is the spirit of Kuwaitis after the liberation: damaged, but ready to rebuild the ruined country. I would argue that another possible interpretation, based on Circulism’s symbolic system, is that the white egg shape is the spirit of Kuwaitis held high in the sky, since white in Qattan’s table of colour meanings [3. See The Apple] represents purity and faith, which could hardly describe a bomb. Since green is the colour of jealousy and envy, the green tree could be a hand reaching for that white spirit, trying in vain to destroy it. Finally, the fire and smoke bring to mind the burning oil wells sabotaged by the Iraqis, causing a blackened sky and long-lasting destruction to the environment.
 

إن الرموز التي اختارها خليفة القطان لتعبر عن حالته النفسية في منتصف الثمانينات تمت لها عملية “إعادة قراءة” عام ١٩٩١ لتقدم لنا ثانية وهي تحمل رسالة مختلفة، نفس اللوحة ونفس العناصر فسرت مرة أخرى لتعبر عن مأساة الغزو العراقي للكويت في الثاني من أغسطس ١٩٩٠ وما صاحب هذا الغزو من أحداث، فوجه الفنان الحزين يعبر عن كآبة هذا الغزو ولحيته الطويلة تشبه كثيرا لحى الكثير من رجال الكويت في الداخل التي أطلقت إما لحالة الإحباط التي أصابتهم أو بسبب نضوب أدوات ومستلزمات الحلاقة بالأيام الأخيرة التي سبقت التحرير، الجرح على صدر الفنان يمثل الطعنة التي تلقاها من جاره الغازي.. وإمساكه بالقضبان يمثل تلاحم الكويتيين خلال شهور المحنة، الرجال العرب الست ونظراتهم المريبة يمثلون ما عرف بدول “الضد” التي ساندت العراق في غزوه للكويت ولم تشارك في جهود تحريرها.. بالإضافة للحيوان الصغير الذي يمثل منظمة التحرير الفلسطينية التي لم تكن دولة في ذلك الوقت، الشرخ في الجدار خلف الفنان يمثل انشقاق الدول العربية وتفرقهم الذي تسبب به هذا الغزو، الإعصار الذي يسحب الجني هو الدمار الذي أصاب العراق بينما النيران المشتعلة فتشابه نيران آبار النفط التي أشعلت وأعمدة الدخان التي خلفتها، الشجرة الحمراء – كما أراها – تمثل ارتفاع عزيمة أهل الكويت الممثلة باللؤلؤة البيضاء المرفوعة، أما الخضراء (والأخضر هو لون الحسد حسب تعريف نظرية “الدائرية” التي ابتكرها خليفة القطان) فتمثل الأحقاد التي تحاول انتزاع تلك العزيمة وهزها.

 

Khalifa Qattan, From the Trees series, 198?

 
The Deep Wound was not the only painting to be reinterpreted or reread in the light of the events of the Iraqi invasion of Kuwait and the Gulf War. Fifty-two other paintings that had been produced by Khalifa Qattan before the 1990s were exhibited in Kuwait and abroad in a show entitled The Prophesy, which was intended to narrate the story of the invasion and the war. Khalifa and Lidia Qattan probably intended the show to be an expression of patriotism, which was a common feeling among Kuwaitis at the time. During the Iraqi occupation Qattan did not paint any work related directly in its subject matter to the situation in which he was living; instead he continued working on the trees series he had begun during the late-1980s. The trees he painted may not have the symbolic power of his other Circulist works, but instead expressed the feeling of personal depression and helplessness. The depression deepened during the days of the occupation, but Qattan could not express his feelings freely in his art. There was a danger that the Iraqi Mukhabarat might suspect his intentions if he were to paint subjects criticising the occupation or even referring to it. Being a Kuwaiti painter was dangerous enough at that time, since there was a fear that artists would be forced to cooperate with the occupiers and paint in support of the Iraqi propaganda. The trees Qattan painted were executed in harsh, fast knife or brush strokes, with bold, strong colours, such that some of the trees showed a resemblance to the darkened skies and burning land he saw or imagined Kuwait as.
 

لم تكن “الجرح العميق” هي اللوحة الوحيدة التي تمت إعادة تفسيرها تفسيرا يعبر عن مأساة الغزو، ٥٢ لوحة أخرى أعاد خليفة القطان تقديمها في معرض يعبر عن الغزو أطلق عليه اسم “التنبؤات”، خلال أيام الاحتلال لم يقم خليفة القطان برسم أي لوحة تعبر عن الغزو بشكل مباشر، بدلا من ذلك استمر خليفة القطان بالعمل على سلسلة “الأشجار” التي كان قد بدأها خلال أيام الاكتئاب بالثمانينات، رسم الأشجار كان يمثل عملية تنفيس نفسي لخليفة القطان، فهذه السلسلة من اللوحات رسمت بضربات لونية سريعة، بالطبع فإن الفنان لم يكن يستطيع أن ينتج أعمالا تعبر عن رفض الغزو أو انتقاده في حينها لأن في ذلك مخاطرة كبيرة في ظل حملات التفتيش التي كانت تقوم بها قوات الجيش والمخابرات العراقية، الأشجار من ناخية أخرى تعتبر موضوعا مسالما شكلا وإن كان في جوهره تعبير عن حالة الغضب التي شعر بها الفنان والذي ظهر بلوحات تشبه بشكل كبير سماء الكويت المظلمة.