شريط الفيديو

حديثي هنا هو عن “شريط” الذكريات… حرفيا! جيل ما بين الثمانينات إلى مطلع القرن الواحد والعشرين حباهم الله برخاء تكنولوجي قد يكون أفضل من من قبلهم أو حتى بعدهم عندما يأتي الأمر لمسألة حفظ الذكريات، تلك التكنولوجيا التي أعنيها تتمثل بشريط التسجيل المستخدم بكاميرات الفيديو القديمة.

بعيدا عن التفكير النوستالجي الذي قد يخلق من كل ما هو قديم شيئا “أفضل” فإن الشريط المغناطيسي المستخدم لتسجيل الصوت والصورة له العديد من المميزات التقنية التي تفوق التسجيل الإلكتروني الذي انتشر في أيامنا هذه، بنفس الوقت له عيوبه بكل تأكيد، فعمر الشريط نوعا ما أقصر لكونه تكنولوجيا انتهت بسرعة، فالأشرطة القديمة قد يصعب مشاهدتها اليوم بسبب عدم توفر أجهزة تشغلها، كما أنه وسط معرض للعطل… سواء على مستوى الشريط نفسه أو أجهزة التشغيل التي تعمل بشكل ميكانيكي، جودة الصورة كذلك بشكل عام أقل من جودة الكاميرات الحديثة، أضف لذلك كون أشرطة التسجيل تأخذ مساحة كبيرة للتخزين.

الوسط الرقمي كذلك لا يخلو من العيوب التي تجعل من الشريط أفضل منها لحفظ ذكرياتنا..

غالبية ما نصوره اليوم يقبع بداخل ذاكرة أجهزة الهواتف أو الكاميرات الرقمية، الشطار منا هم من يقومون بنقل ذلك المحتوى إلى أجهزة الكمبيوتر، والقليل من هؤلاء الشطار هم من يقومون بتحويل فيديواتهم إلى قرص دي في دي لحفظها ولتسهيل عملية مشاهدتها، وهذا يقودنا لعيب آخر للتسجيل الرقمي وهو أننا غالبا ما نشاهده على شاشة صغيرة جدا كشاشة الهاتف أو بأفضل الأحوال شاشة الكمبيوتر، مصنعو الهواتف والكاميرات والتلفزيونات يحاولون تشجيع الجماهير لاستخدام أجهزة العرض اللاسلكية مثل الأبل تي في وغيرها، لكن من ملاحظتي يبقى انتشار هذه الأجهزة ضعيفا جداً لسبب بسيط وهو كونها معقدة وتحتاج لوجود شبكة لاسلكية بالمنزل ولكونها في بعض الأحيان لا تعمل بشكل جيد.

العرض على شاشة كبيرة

عيب آخر من عيوب الوسط الرقمي هو سهولة فقدانه! إن ضاع الهاتف أو تعطل واحتاج لفورمات فسلم على كل فيديو أو صورة بداخله! شريط الفيديو حتى إن فقد فإن ما تخسره لن يتجاوز الساعتين من التسجيل، أما الهاتف أو الكمبيوتر فقد يحوي حصاد أشهر أو حتى سنين طوال من الذكريات… الله يكافينا الشر! أضف لذلك أن شريط الفيديو بعد الانتهاء منه يتم تخزينه بأمان بخزانته، بينما تصوير الهاتف موجود بجيبك أينما ذهبت، بالتالي هو سهل الفقد أو الضياع أو التعرض للخطر… بل قد يكون كذلك أقل خصوصية وأقرب لأعين المتطفلين.

من الأمور التي سهلتها علينا التكنولوجيا الحديثة هي مسألة المشاركة، أي أنني أستطيع أن أسجل الفيديو وأرسله لمن أريد خلال دقائق عن طريق الواتسآب (بجودة كئيبة) أو الإنستاجرام (١٥ ثانية فقط) أو الفيسبوك (المنقرض) أو اليوتيوب (غير الآمن) أو الفيميو (قليل الاستخدام)، وذلك أمر جيد ويسرع ويسهل المشاركة، لكنه يحرم من المشاهدة الجماعية والتي قد يعتبرها البعض أفضل… في بعض الأحيان، أضف لذلك أنه عند مشاهدتنا للفيديو عن طريق الهاتف أو الكمبيوتر فإننا نستسهل عملية “التطويف” الفوري للمشاهد لتوفير الوقت، بينما مع شريط الفيديو من الأسهل لنا استخدام زر التشغيل السريع FF الذي يتيح لنا مشاهدة التسجيل بسرعة دون تطويف للمشاهد.


[quicktime]http://www.moayad.com/me/wp-content/uploads/uaev8.mp4[/quicktime]
اختصار رحلة مدتها عدة أيام بخمس عشرة ثانية لخاطر عيون الإنستاجرام
النقطة الأخيرة التي أود ذكرها هنا هي كون غالبية التسجيلات الحديثة عبارة عن مقاطع قصيرة متفرقة، عندما كنت أعرض تسجيلا لابنتي كنت قد صورته لها عندما كانت رضيعة فاجأتني بقولها أنها تريد مشاهدة المزيد من هذه الفيديوات “الطويلة”! اليوم نحن نادرا ما نقوم بتسجيل فيديوات طويلة أو متتابعة، لذلك تجدنا عندما نشاهد تسجيلا لحدث معين لا نرى إلا جزءا بسيطا منه، لذلك مع مرور الوقت قد ننسى ما حدث قبل أو بعد هذا المقطع القصير، كما أنه مقطع متفرق عن غيره، بينما شريط الفيديو يسجل ويعرض الحدث تلو الآخر دون توقف إلا عند انتهاء الشريط ودون حاجة للبحث عن المقطع التالي، كما أننا مع شريط الفيديو لا نخشى من أن ندعه دائرا لتسجيل الحدث كاملا أو أجزاء أطول منه دون الخوف من أن تمتلئ الذاكرة أو تستنفذ البطارية أو تحجب المكالمة أو يكبر الملف بحيث يصعب إرساله لاحقا.

ومسألة قصر المقطع الحديث تجرنا كذلك لقضية أخطر وهي التخطيط المسبق لهذا المقطع الصغير واستماتتنا لإخراجه بأفضل صورة ممكنة، وهو أمر جيد ظاهريا لكنه يؤدي لخروج المقطع متكلفا أو مصطنعا! بينما بالسابق كنا نترك الشريط دائرا ونسجل الحدث وما حوله بعفوية أكبر دون اكتراث بما قد يفكر به الجمهور من الفولورز!

والآن ما هو رأيك؟ هل ستسارع لشراء كاميرا ذات شريط لتلحق على تسجيل ذكريات عائلتك؟ أم أن لك حيل وخطط أخرى تستطيع اللجوء إليها لتفادي عيوب التسجيل الرقمي؟

هل سبق أن فقدت تسجيلا عزيزا عليك؟ بل هل تملك أي تسجيل عزيز يمكنك أن تعرضه بعد ٢٠ عاما على أبنائك وتتذكر كل ما فيه؟